مروى عبد الرزاق
مروى عبد الرزاق
345

أهذا هو الذي خلق من طين؟!

6/11/2018

بدت لي الساعات القليلة تمضي دون توقف. في يوم مشرق كانت فيه الشمس تنتظرُ معنا انتهاء يوم عملٍ متعب وشاق. وكنت أشعر وكأن شيئاً سيحدث ومن العجب أن يعلم الإنسان الغيب ولكن شعورٌ ما أدركته ولا أعلم ما هو؟ ولكأن الزمن تنصل من المكان في تلك اللحظات الدقيقة التي كانت تُخبّأ لنا مغامرة ما، وحتى المكان نفسه بطريقة صامتة يتهيّأ ليوثّق لنا أحداث ستحدث. بينما كانت الشمس تسجل حضورها الأخير وكنا ننوي المغادرة فقد انتهت ساعات العمل صرخت بجانبي بكل قوة ومسكت يدي وهي تردد "سألد، اتصلى بسيارة أجرة فورا". لم أشعر كيف مسكتُ هاتفي واتصلت وبعد دقائق قليلة أتت سيارة الأجرة وحملناها إلى المستشفى.

طوال الطريق كان صراخها يزداد مع ازدياد الألم، ورغم كوني فعلت ما أعلمه من المسلسلات التي نشاهد فيها هكذا مشاهد وكنت أردد "تنفسي جيدا" كان الأمر يزداد صعوبة وفهمت أن الواقع واقع، وأن ما نراه في المسلسلات لا يمد للحدث التي تكون فيه بصلة. خفت كثيراً وبدأت مخيّلتي تشتغل في هذا الموقف وتخيلت لو أنها ولدت في سيارة الأجرة كيف سأقوم بتوليدها، ربما كنت أهيأ نفسيتي لو حصل ذلك فعلاً وولدت في الطريق.. في حال وصولنا إلى المستشفى، طلبت من الأطباء مساعدتي. وعند إدخالها إلى غرفة التوليد كانت قد خَفّت ألامها قليلاً ثم قدمت بعد لحظات القابلة وكانت خشينة، عيونها واسعة مخيفة ولا حنان فيها.

. ونحن نتحدث خرجت الممرضة وأخبرتنا أننا نستطيع الدخول، أحسست أن جسدي قد ثقل وهاجت مخاوفي ومع مخاوف الإنسان يصبح التخيل فيما الذي سيحصل مرعب

أخبرتها الممرضة أن تهدأ وترتاح قدر المستطاع ولكن كيف لفاقد الألم أن يطلب من الموجوع أن يهدأ في هكذا موقف؟ إنه لمن الغير المنصف أن نخفف ألماً لا نحس به. بعد قليل، وبعد الفحوصات التي قامت بها الممرضة لصديقتي أخبرتها أن موعد ولادتها اليوم. نظرت إلى صديقتي وابتسمت علّها ترتاح ولكن أي راحة؟ مسكت الهاتف واتصلت بزوجها وأخبرته أن زوجته في المستشفى وعلى الأغلب أنها ستلد الليلة وقلت له أن يُحضر لها ثيابها وثياب الطفل. لقد كان زوجها فرحًا جداً لسماع هذا الخبر ولكن فرحته لم تُخفي قلقه على زوجته وخوفه عليها. عند قدوم زوجها إلى المستشفى كانت الشمس قد ارتحلت عنا لتشرق في مكان أخر وكانت عينيه تلمع من الفرح وكان التوتر ظهرًا من تحركات جسده.

طلبت منه أن يهون عليه من أجل زوجته وطلبت منا الممرضة أن ننتظر قليلاً في الخارج ليقوموا بتجهيز الأم للولادة. ونحن في الخارج ننتظر دخولنا، كان زوجها يبكي إذ بي أقترب منه وسألته عن سر بكاءه هذا؟ أخبرني أنه سعيد جداً، حمد الله لهذه اللحظة التي انتظرها وقال لي أنه رأى طفله في بطن أمه عندما كان نطفة إلى أن اكتملت جميع أجزاءه وها هو اليوم سيخرج إلى الدنيا. فسر لي شعوراً لم أنبهر به فالذي سيأتي هو إنسان وليس معجزة ورغم ذلك احترمت ما عبر عنه. ونحن نتحدث خرجت الممرضة وأخبرتنا أننا نستطيع الدخول، أحسست أن جسدي قد ثقل وهاجت مخاوفي ومع مخاوف الإنسان يصبح التخيل فيما لذي سيحصل مرعب.  

دخلنا إلى غرفة الولادة، وكان زوجها يُمسك بيدها ويلعب بشعرها الأسود الحريري ويقول لها كلماتٍ علها تخفف من مخاوفها. وبعد لحظات، كثرت أصوات الأمّهات التي تلدن وكأنها ساحة حرب وليس مقر ولادة. صراخ من كل مكان وعبارات غير مفهومة ألا عبارات القابلات واحدة " ادفعي أكثر.. وإلى أخره.." ومع دخول القابلة إلى الغرفة صرخت صديقتي بجانبي وكأن الطفل أحس بقدومها وحان وقت خروجه. أسرعت إليها لتوليدها، ومع نفس العبارة أخبرتها أن تساعدها أكثر وتتحمل. عندما وقفت أنظر لهذا المشهد الذي كان أفظع من فيلم رعب. كانت عروق صديقتي بارزة من الألم وعينها اتسعت والعرق يتصبب كأنه شلال.

أهذا الذي خُلق من طين؟ ربّاه! إنه بشري مثلي ولكن لأول مرة أشاهد قدوم إنسان يشبهني، له عينٌ صغيرة، يدٌ لا تكاد تمسكها لصغر، جسده الذي نُفخت فيه روح.. كان بالنسبة لي معجزة الله التي لم أشاهد مثيلاً لها

مواقع التواصل 



أما زوجها فكان يبكي لبكائها ويتلهف للهفتها ويردد طالباً من الله أن يسهل لها، لم أتحمل أكثر كل ذلك وتركت يدها دون قصد مني وجلست في الخارج. كان هناك امرأة أخرى تضع مولودها ولكن حين أتى إلى هذه الدنيا عاد إلى الرفيق الأعلى، لقد ولد ميتاً.. كانت الأم تتوجع لتسعة شهور التي حملته فيها حباً وخوفاً ليلد ميت، ما أقسى الحياة وما أحوجنا إلى لطف الله. عدت مسرعة إلى غرفة صديقتي وأنا متأثرة بتلك الامرأة قليلة الحظ، وعند دخولي سمعت صوته، قالت لها القابلة "مبروك" كانت تمسكه من رجليه الصغيرين جداً وكنتُ أنظر في دهشة تامة.

أهذا الذي خُلق من طين؟ ربّاه! إنه بشري مثلي ولكن لأول مرة أشاهد قدوم إنسان يشبهني، له عينٌ صغيرة، يدٌ لا تكاد تمسكها لصغر، جسده الذي نُفخت فيه روح.. كان بالنسبة لي معجزة الله التي لم أشاهد مثيلاً لها. رأيت نفسي، لقد شاهدت نفسي كيف أخرج من بطن أمي بسلام إلى هذه الحياة. فعلاً أمر لا نستطيع تفسيره أبداً لجماله.  بالغرفة المجاورة قدم طفل ولكنه مات ولقد أعطى روحه لمولود أخر. نحن نموت لنهب أرواحنا لغيرنا. هذا المولود ذو الحجم الصغير جداً، عظام يكسوها اللحم، له رائحة مميزة وغريبة، يحرك شفتيه بلطف ولكن لماذا ولد يبكي؟ لماذا حين نأتي إلى الدنيا نبكي؟ كان قلبي يحدثني أنه ما عبر عنه زوج صديقتي قبل ولادة طفلهم كان شعور عظيم إذ بي أشاهد معجزة وكأنني أنا التي خُلقت من جديد مع هذا الطفل. حرفياً رأيت نفسي عند الولادة، عدت إلى مشاهدة نفسي كيف خرجت من بطن أمي.

إنه درس عظيم يفسر لك أن المرأة عظيمة وفيها انطوى العالم الأكبر فعلاً. أخذت صديقتي طفلها إلى صدرها بعناية وبكت وحمدت الله، واشتمت منه تلك الرائحة. أما زوجها فأخذ يُكبر له في أذنيه الصغيرة وقال له "يا ابن قلبي، يا من تحمل دمي، أنت الأن بيننا". عندما يغدو الإنسان قادراً على رؤية هكذا مشاهد وسماع أصوات الألم عند الولادة، يشرّع في اكتشاف ذاته عن قرب. بل يكتشف ولادته الأولى ومع ذلك يكتشف برانِيته وبرِّيته. تغدو إشكالية وجودنا شيءٌ مثالي ويصبح الوجود هو خلق ورهبة، جمالية وجود.

لقد رأيتُ من خلال هذا الطفل الضوء الرباني وما يضيء عند قدومنا إلى الدنيا. لأول مرة أفهم معنى أن نكون من طين ثم نطفة ثم جسد كامل. أن الإنسان عظيم والأم أعظم ونشهد بعظمة الله. وإن هذا الإنسان الذي كان وسيبقى معجزة وحل الحياة الكبرى، قيمتنا أمامنا ونحن لا ندركها أبداً. أيها الإنسان ماكنت لتكون وأنت الذي فيك التفاصيل والأحجية العميقة. احمد الله لأنك لست كما تظن نفسك شيء خلقه الله بطريقة عادية بل إنك خلقت بتفاصيل دقيقة وليست من عبث. أنت تموت لتهب روحك صك عبور لقدوم روح أخرى في جسد أخر. وتلك لعبة الحياة الكبرى تدور حولك وأنت لا تعلم إلى الأن سر نفسك.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة