هذا ما يحدثُ عندما أضعُ قلبي وروحي في عملي!

1/12/2018

الحبُّ يقتلُ الإنسانَ.. لا؛ بَلْ تقلُّبُ الأصدقاء.. لا؛ بَلِ الجَهْلُ يقتلُ أصحابَهُ.. لا؛ كثرة العلمِ هي مَنْ تقتلُ صاحبَها.. لا، لا؛ قال لي جدّي يومًا، من لَمْ يجد زادَ يومِه، ولَمْ يجد مكانًا يَحْتمي فيه، وحُضنًا دافئًا يلوذُ بهِ حينَ خوْفهِ، فَلْتقرأ الفاتحة على روحِه، لأنَّ حياتَه ليست بحياةٍ. لكنّي كبرتُ.. كبرتُ وتعبتُ جدًّا لأعلمَ أن كلَّ ما سبقَ ما هيَ ألا تُرَّهات. قد يكونُ الإنسانُ سعيدًا جدًّا بلا حبٍّ.. سعيدًا جدًّا وإن تقلّب حالُ أصدقائه، وكم سمِعْنا أنا وأنتَ عن سعداءٍ رَغْمَ التفكك الأسريّ، ورَغْم الفَقْرِ؟ وكَمْ من جاهلٍ وعالمٍ يَنْعمُ بالحياةِ دونَ اختلافٍ بينهما في الحياةِ الدنيا؟

ألا تراني إذًا قد صدَقْتُ قَوْلًا؛ بأنَّ كلَّ ما سبقَ ما هي إلا تُرَّهات؟ لكنّي دومًا أعاتبُ نفسي.. لأنّي لم أترك لذاتي مجالًا كي تكونَ فارغةً من الداخلِ. لَمْ أتركْ نفسي تخضعُ لأيٍّ مِنَ السابق! أرى في الحبِّ انفعالًا غيرَ عقلانيّ، وأرى في تعلّقِ الإنسانِ بصديقٍ أمرًا غيرَ مدروسٍ، وأرى في تعليقِ سعادتنا على مالٍ أو وطنٍ أو علمٍ أو جهلٍ أو وضعٍ أسريٍّ أو اجتماعيٍّ معيّن، لا يدلُّ إلا على فراغٍ، لأنّنا علّقنا أنفسَنا بأمورٍ زائلةٍ لا تدومُ.

اخترْتُ الرضا سبيلًا، واخترْت الإخلاصَ حليفًا، واتّخذْتُ مِنَ السّلامِ مَنْهجًا وطريقًا، وارْتَأيْتُ أن آخذَ مِنَ التبسّم صِفَةً وسلوكًا، وكما يقولون سرُّ الحياةِ في الشغف.

أمّا عنّي، فقد كُنْتُ أنا.. شخصًا مُستقلًّا يستمدّ نورَه مِنْ عُزلتهِ، ويستمدُّ قوّتَهُ من صلواتِهِ، وفي كلّ أمرٍ يستدعي الانهيار كانت نفسي تأبى الانهيار لأنّها لم تُعلّق نفسَها بأيٍّ من الترّهات السابقاتِ. فَلِمَ أنهارُ، عندما يكونُ إيماني وقلبي فيهما مِنَ الصّلابةِ والقوّةِ ما يجعلني أتخطّى وأتجاوزُ؟ ولِمَ الانهيارُ أمامَ تُرّهاتٍ لا معنى لها ولا قيمة؟ لكنّي أيضًا تعلّقْتُ.. لَمْ أتعلّق بشخصٍ أو وطنٍ أو صديقٍ.. لكنّي علّقْت نفسي بأحلامٍ طِوالٍ، وعلّقْتُ سعادتي على بضعةِ آمالٍ أُرَجّيها، علّقتُ نفسي بنفسي. فأنا الحُلمُ، وأنا الأملُ، وأنا القوّة.. وإنّي قَد تعلّقْتُ بي. لكنّ الحياةَ قاسيةً وجافّة؛ كأرضٍ لم تُرْوى مُنذُ أَزَلٍ، فَلَم تُثمِرْ شيئًا صالحًا تمُدُّنا بهِ لتعوّضنا عن لحظات القحت والجفافِ التي مَرَرْنا بها.

إنّي يا صديقي في طريقٍ طويلٍ جدًّا جدًّا.. قد أضعْتُ فيه نفسي.. خسرْتُ كثيرًا في هذه الحربِ، خسرْتُ هدوءً، خسرْتُ قوّةً، خسرْتُ صَبْراً، وخسرْتُ بضعةَ أحلامٍ. ولأنَّ نفسي قد تعلّقَتْ بي فقد خسرَ كلٌّ منّا الآخر! فبالنسبةِ لصبْري، قد طالَ ومالَ وانطفئ. أمّا عن عَزيمتي، فقد مَلَّتْ وحلّقت بعيدًا حتى اختفَت. وعن عقلي، فإنّه قد ضاع كثيرًا في هذا الطريقِ الطويل. ماذا يريد؟ ما الصوابُ؟ والكثير الكثير من الأسئلة التي فقد عقلي جوابَها. أريدُ ولا أريدُ، أكملُ في طريقٍ طويلٍ لا انتهاء لهُ على ما يبدو، أصرخُ عاليًا فيتردد صدى صوتي في الآفاقِ نحو مئة مرّة، فأتأكدُ أنّي حقًّا في طريقٍ بلا أبعاد وبأنه طريق لا انتهاءَ لهُ.

يصيبني الذعرُ، ويتزلزلُ قلبي، ويفزعُ عقلي؛ أينَ أنا؟ ومَنْ أنا؟ أنا مزيجٌ مِنَ التناقضات التي لا تنتهي. قلْ لي؛ أيستطيعُ الإنسانُ أن يكونَ شغوفًا أثناءَ سيره في طريقٍ لا يُريده؟ أيمكنُ للإنسانِ أن ينجحَ في أمرٍ يكرهُهُ أشدّ الكرهِ؟ أيمكنُ للإنسانِ أن يستقبلَ يومَهُ متحمّسًا لحياةٍ فقدَ فيها تسعةً وعشرينَ حُلمًا؟ ولكن قد قالها فينسنت فان غوخ: "أنا أضع قلبي وروحي في عملي، وقد فقدتُ عقلي بسبب ذلك." لكنّي اخترْتُ الرضا سبيلًا، واخترْت الإخلاصَ حليفًا، واتّخذْتُ مِنَ السّلامِ مَنْهجًا وطريقًا، وارْتَأيْتُ أن آخذَ مِنَ التبسّم صِفَةً وسلوكًا. وكما يقولون سرُّ الحياةِ في الشغف، فَلَربّما بذلكَ هانَتِ الصِّعابُ عليَّ، فإنْ لم تَهُنْ عليَّ أكونُ قدْ هوَّنتُها على غيري.

ولَرُبَّما تتحقق آمالي، فإنْ لم تتحققْ آمالي، أكونُ قد ساعدْتُ غيري في تحقيقِ آمالِهِ. ولَرُبَّما بذلكَ أساندُ نفسي في ضيقي، فإنْ لم أساندْ نفسي، أكونُ قد آزرت غيري في ضيقهِ. لكننّا نحنُ، ضحايا السعادة غيرِ المكتملة، وضحايا لينِ القلبِ، وضحايا القوّة والصمت. نظلّ نشعرُ بأننّا ننتمي إلى مكانٍ ما، مكانٍ ما ليس هنا بالتأكيد، لكننّا ننتمي إلى مكانٍ ما، مكانٍ ما يكونُ رَحْبًا مثل رحابةِ صدورنا. مكانٍ بلا أبعاد، كما هي عقولنا وأفكارنا، مكانٍ عادلٍ نَلْقى فيهِ أحلامَنا التي سُلِبَتْ مِنّا، مكانٍ نَلْقى فيه كلَّ أمرٍ كان من حقِّنا الحصولُ عليهِ. قال أشيلوس: "في علاقتي بالواقع، دائما كنت أحس بأني بعيد، بعيدٌ إلى أقصى حد، بعيدٌ ككوكبٍ غير معروف، يدور في مجرة مجهولة".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة