وائل المبحوح
وائل المبحوح
187

بعد واحد وثلاثين عامًا.. انتفاضة 1987 لا زالت تلهم الفلسطينيين والعرب

10/12/2018

الحديث عن الانتفاضة الفلسطينية الكبرى 1987 هو حديث ذو شجون، لا تكفي لأجله مقالة هنا أو هناك، فالحدث أكبر من ذلك بكثير. ويمكن القول هنا إن انتفاضة 1987 إحدى أنبل الظواهر على مدار تاريخ القضية الفلسطينية، وهي نموذج، أصبح بعد ذلك يُحتذى لدى كل الثائرين في العالم. فقد غيّرت وجه التاريخ الفلسطيني والعربي والعالمي، وكان يجب أن تُستثمر على الوجه الأمثل، لكنها مع الأسف لم تجد القيادة التي تحسن استثمارها، بل إنها عمدت إلى قتلها عبر توقيع اتفاقية أوسلو 1993، الذي كان إيذانًا ببدء مرحلة جديدة في تاريخ الشعب الفلسطيني وهي مرحلة السلطة الفلسطينية.


يمكن الإشارة هنا إلى مجموعة عوامل صاغت أهمية انتفاضة 1987 في ذلك الوقت:
- كانت انتفاضة 87 نقطة تحول مهمة في تاريخ القضية الفلسطينية، وهي تشكل علامة فارقة في تاريخ الصراع مع الاحتلال، ذلك أنها جاءت بعد أن فقدت منظمة التحرير آخر معاقلها المقاومة بعد الخروج من بيروت عام 1982، وبالتالي خسارة أحد أهم أوراق الضغط على الاحتلال.


- كما أنها جاءت في توقيت بدأ فيه التفكير بنقل العمل المسلح إلى غزة والضفة، وكذلك بدء تشكيل الخلايا المسلحة للتيار الإسلامي. (حماس والجهاد على وجه التحديد).


- في تلك الفترة أيضا كان الاحتلال يعتقد أنه سيبقى هكذا محتلا دون تكلفة أو ثمن لفترة طويلة فكانت الانتفاضة صفعة على وجه الاحتلال وتغييرًا لقواعد اللعب في المنطقة.


- جاءت في ظل حالة من عدم الاهتمام العربي بالقضية الفلسطينية. وخروج مصر من ساحة الصراع العربي الصهيوني، خاصة بعد توقيع اتفاقية كامب دافيد، وتطبيع العلاقات الرسمية مع الاحتلال، ولعل المثال الأبرز على حالة عدم الاهتمام تلك ما شكله مؤتمر القمة العربية في عمان في 8 نوفمبر 1987، أي قبل شهر واحد بالتمام والكمال من اندلاع انتفاضة 1987، الذي لم يدرج على جدول أعماله ولأول مرة في تاريخ مؤتمرات القمة العربية أي بند يتعلق بالقضية الفلسطينية، بغض النظر عن نظرتنا العامة إلى طبيعة تلك المؤتمرات وأهمية قراراتها.

كان من الطبيعي أن تتقدم المقاومة الفلسطينية بأفكار جديدة وأجهزة عسكرية جديدة خاصة وأننا نتحدث عن جيل يعدّ من أعظم الأجيال نظرًا لتميزه على الأقل في أنه ولد وعاش تحت الاحتلال

في موضوع آخر، فقد مثّلت انتفاضة الحجارة الكبرى تجديدًا لفكر المقاومة المسلحة وإطلاق أجنحة مقاومةٍ جديدة. فمن المهم هنا الإشارة أولًا إلى تشكيل حالة من الوعي المضاد لكي الوعي الذي مارسه الاحتلال، هذه الحالة تمثلت في النظر إلى الاحتلال على أنه قوة احتلال وليس صديقًا أو جارًا. مع تأكيد صعوبة استمرار احتلال الضفة وغزة دون ثمن. كما صنعت الانتفاضة حالة جديدة من التحدي الذي لم يكن الاحتلال تعوّد عليه من قبل، حيث إن صورة الفلسطيني الضعيف والمطيع للأوامر العسكرية تغيرت، وحلّت محلها صورة الفلسطيني القوي المتمرد الذي يطبق العصيان المدني والعسكري ويرفض كل قرارات الاحتلال. إضافة إلى زوال رهبة الجندي الصهيوني وقوا أمن الاحتلال، وكسر أكذوبة (الجندي الذي لا يقهر)، وبالتالي انتقال حالة القلق والخوف إلى الاحتلال نفسه بعد فضح جرائمه ضد المدنيين العزل وكشف الوجه القبيح والحقيقي له.


وسط هذه المحددات والمتغيرات كان من الطبيعي أن تتقدم المقاومة الفلسطينية بأفكار جديدة وأجهزة عسكرية جديدة خاصة وأننا نتحدث عن جيل يعدّ من أعظم الأجيال نظرًا لتميزه على الأقل في أنه ولد وعاش تحت الاحتلال وأعني هنا مواليد ما بعد يونيو 1967. ولعل الحدث الأبرز تحت هذا العنوان هو الإعلان عن كتائب الشهيد عز الدين القسام مطلع عام 1992 لتبدأ مشوارًا لم يتوقف عن الإبداع والتطوير ومقارعة الاحتلال على كافة الأصعدة، الأمني والعسكري والمعلوماتي حتى اللحظة.


لم يتوقف إبهار انتفاضة الحجارة عند هذا الحد، بل إنها مثلت نموذجًا يمكن للشعب الفلسطيني أن يكرره، بما تركته الانتفاضة في نفوس أبناء الشعب الفلسطيني. والحدث الأهم والأبرز هنا هو روح التحدي التي خلقتها الانتفاضة في نفوس الشباب الفلسطيني، خاصة جيل ما بعد نكسة حزيران 1967، الذي ولد وعاش تحت الاحتلال، والإيمان بقوة وإرادة الشعب الفلسطيني؛ أنه بإمكانه أن يقارع الاحتلال وأن يفرض وقائع على الأرض تظهر حقوقه وتمسكه بها.

 

إضافة إلى عودة طبيعة العلاقة مع الاحتلال إلى طريقها الصحيح، بعيدًا عن حالات التشويه التي كانت تشوبها قبل انتفاضة 87، وأن الشعب الفلسطيني بات مروّضًا إلى الدرجة التي لا يمكن فيها أن يثور على المحتل. مع تأكيد الاستمرار وعدم التوقف عن مقاومة الاحتلال بكل الطرق الممكنة، إضافة إلى مشاركة كافة الشرائح المجتمعية الفلسطينية في هذه المقاومة، بدءًا بأطفال الحجارة، مرورًا بشبابها وفتياتها وصولًا إلى الشيوخ وكبار السن الذين كنت تلمح الأمل في عيونهم، أمل العودة إلى الديار، إضافة إلى روحهم الداعمة لأبنائهم وبناتهم وحثهم على المقاومة. يمكن القول هنا وباختصار شديد: إن لم تكن انتفاضة 1987هي الملهم للفلسطينيين على مدار التاريخ بعدها فما الملهم إذن؟!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة