د. هشام توفيق
د. هشام توفيق
2.5 k

حكاية مستبد.. من التطبيع إلى التشميع!

13/12/2018

في قانون قوة استبداد جهاز أو نظام هناك ثلاث أركان تحكم قوة وبناية الاستبداد، وكل ركن له خصائص تبقيه أو تزيله حسب قوتها أو ضعفها في التنزيل على الشعوب، وهي ثلاثة أركان تقعد لهذه المنظومة الاستبدادية وجودا وقوة:

 

أولا: "ركن الوجود والبقاء" وله خصائص ومقومات تحكمه لضمان ديمومته.

ثانيا: "ركن التطهير والإقصاء" وله خصائص تحكمه لتصفية النظام خصومه ومهدداته.

ثالثا: "ركن التعزيز واستدراك الأخطاء" وله خصائص تحكمه لتقويم مسار النظام المستبد واسترجاع هيبته وحضوره وتجديد قبضته البوليسية.


هَذِهِ الخَصَائِصُ الحَامِيَةُ لهذه الأركان الثلاثة تهيمن بشكل جلي على عموم الأنظمة العربية الاستبدادية وتتشارك فيها، ورصدنا ذاك شهودا في مرحلة الثورات العربية وما بعدها من ثورات مضادة. ولن يخرج النظام المغربي عن هذه الخصائص والأركان لبقائه وتعزيز وجوده بما أنه يستمد تربية وتشربا هذه الخصائص من مورد واحد وصانع واحد لهذه الأنظمة العربية المتجبرة وهو الاستكبار الصهيوني والغربي.


لن أعرض الخصائص بمجملها، لكن في هذه المرحلة العصيبة من حياة المغرب، وتزامنا مع حدث تشميع أحد بيوت الدعاة المغاربة وتهديد لأول مرة بهدمها سأتحدث عن خصائص الركن الثالث وهو "تعزيز واستدراك الأخطاء"، هو ركن بل هدف متجذر في عقل المنظومة المخزنية لإبقائه على الحياة واسترجاع أنفاسه وإحيائها من جديد استعدادا لمرحلة مقبلة من المواجهة أمام شعب صار يعقل ويفقه ويتدرج ويعزم على التغيير.


عَنْ النِّظَامِ المَغْرِبِيِّ نَتَحَدَّثُ اليَوْمَ عند توظيفه لهذا الركن وهذه الخصائص السليبة لتقويض خصائص قوة ومقومات الشعب المغربي. بطبيعة الحال لن أتحدث اليوم فقط عن حدث استهداف جماعة العدل والإحسان كمقوم قوي في الشعب المغربي بل أضع الحدث في سياقه فهما لخصائص الاستبداد وَمَاذَا يُرِيدُ وَكَيْفَ يَتَكَوَّنُ وَيَتَنَفَّسُ وَلِمَاذَا يُخَطِّطُ وَيُخَرِّبُ، لأنطلق من الاستهداف المخزني العام لمقومات الشعب إلى الاستهداف المؤسساتي والأحادي الطرف. وهنا أجمل أربع خصائص مخزنية تقعد لركن "التعزيز واستدراك الأخطاء".

أولا: خاصية التطبيع
التطبيع في المغرب اختراق منظم واحتلال خفي يعزز قوة المخزن ويدعم مؤسساته الأمنية استخباراتيا وأمنيا وسياسيا لإدارة سياسة البلاد بخبرة صهيونية تحسبا لأي حراك ولضرب أي مقومات

التطبيع ربط علاقة بين شخصين أو مؤسستين لتعزيز السياسات وفي التعريف الحقيقي هُوَ سِيَاسَةٌ واستراتيجية الكِيَانِ الصِّهْيُونِيِّ لِتَحْقِيقِ التَّنْسِيقِ والاختراق والحضور الخفي في البلاد ومؤسسات الدولة لإعادة صياغة منظومة مخزنية جديدة أكثر تسلطا وقوة وضبطا للشعب، لماذا؟ خوفا من تحرره وتحوله إلى دولة متحررة ديمقراطية قوية عادلة قد تتحالف مع باقي الدول المتحررة أيضا، فتناصر الشعوب وتهدد أمن ما يسمى إسرائيل وأنظمته وكياناته العربية. أما التطبيع هنا في المغرب فقد عرف تصاعدا غير مسبوق مع الكيان الصهيوني.


التطبيع في المغرب اختراق منظم واحتلال خفي يعزز قوة المخزن ويدعم مؤسساته الأمنية استخباراتيا وأمنيا وسياسيا لإدارة سياسة البلاد بخبرة صهيونية تحسبا لأي حراك ولضرب أي مقومات لانبعاثه من جديد سواء كان المقوم جماعة أو شخصا أو مؤسسة أو نخبة. فكان المشروع الصهيوني العالمي -مع قوة فرنسا والاستكبار العالمي- يراقب بريبة وقلق الوضع في المغرب ويتابع خطوات المخزن دعما وتنسيقا لتحقيق ثلاثة أهداف:


- تصحيحا لأخطاء المخزن وثغراته ليجنبه العثرات السابقة.
- تعزيزا لخصائص قوة النظام لصناعة نخب ومؤسسات وشخصيات وأطر جديدة مؤثرة.
- إعادة لصياغة شعب بعد تخريبه وتفريغه.

ثانيا: خاصية التشنيع

ذكرنا فيما سبق أن الخاصية الأولى وهي التطبيع هي سياسة علاقة ودعم وتعزيز ثم صناعة وتربية لنظام من جديد، أما سياسة التشنيع فهي تفعيل العقلية المستبدة التي تربت وتخرجت من المصنع الاستكباري من جديد بعد تجاوز رياح الربيع العربي.


سياسة التشنيع أسلوب للإجهاز على مقومات وقوى الشعب التي تحركه دون استهداف الشعب بمجمله، هي عملية استهداف خاصة محدودة لشخصيات أو عناصر أو مؤسسات شكلت قوة حراك في المغرب، مثلما رصدناه في مشهد استهداف اعتقال الزفزافي وأرباب حراك مدينة الحسيمة، ثم الإجهاز على حراك مدينة جرادة باعتقال عناصر قوته دون حق قانوني. ولم ينحصر الإجهاز المخزني على حراك الريف وجرادة فيما سبق ذكره، بل أسلوب التشنيع وسياسة قص الأجنحة طالت قيادات ونخب مغربية وقوى إعلامية وفكرية وعلمية عبر القمع أو الاعتقال أو الإعفاء أو التهديد. وهذه الخاصية مسارها وهدفها الرئيس إعادة الهيبة المخزنية وتعزيز وجودها لخلق توازن القوة بعد أخطاء مخزنية وفشل جهود سابقة من أجل صياغة شعب مدجن جامد لا يتحرك.

ثالثا: خاصية الترويع

سياسة الترويع هو أسلوب نقل التشنيع السلطوي من مستوى تشميع المؤسسات والأفراد إلى مستوى تشنيع الشعب بمجمله وهو ما يسمى الترويع الجماعي. ورصدنا ذلك من خلال ثلاث مشاهد معبرة عن مراحل:


مشهد السيبة: في (مرحلة أولى) هو ما نشهده يوميا ونرصده بشكل جلي وعام فيما يسمى "تفعيل السيبة والفوضى الخلاقة" من خلال تعمد انتشار المخدرات وتصاعد حضور المجرمين والسرقة والتمييع والفوضى والمصائب، يوازي ذلك سياسات تغييب المراقبة والمحاسبة التي تهدد بضرب مجالات الصحة والتعليم والأسرة والأمن والاقتصاد المغربي.


مشهد التهجير: (وفي مرحلة ثانية) متصاعدة لتنزيل سياسة الترويع الجماعي يوظف المخزن سياسة التهجير، ولا ننسى ما وصل إليه حال الشباب اليوم حين يدفع به إلى الهجرة بل يستهدف تهجيره بشكل جماعي وتصويره مقتولا في الشواطئ الإسبانية لبث الرعب والهزيمة في الشعب ونزع الأمل من أنفاسه في التغيير.


مشهد القتل عن مسافة صفر: (وفي مرحلة ثالثة) ومما زاد من شدة سياسة الترويع الجماعي هو ما حدث من استهداف مقصود متعمد لضرب نفسية المغاربة وتثبيطها حين تم استهداف المهاجرة للطالبة "حياة بلقاسم" بالرصاص عن مسافة صفر لبث الرعب والفزع وإعادة هيبة المخزن. دون أن ننسى فواجع نساء مدينة الصويرة وقبلها طحن "محسن فكري" قتلا في حافلة.


هذه السياسة الترويعية زادت حدتها خصوصا بعد نجاح المغاربة في أسلوب المقاطعة وفي أسلوب النفس المستمر الصامد لبقاء خصائصه الروحية. لنقول أن سياسات لترويع هي رد فعل مخزني عن صناعة فعل مغربي حراكي ونجاح الشعب المغربي في مساره الاحتجاجي الذي يتراكم يوميا إلى أجل يعلمه الله ويريده هو، هو الله.

كان مفهوم التشميع هو الإغلاق والحصار، فالمخزن بهذا الأسلوب لم يشمع ويغلق فقط بيت داعية في العدل والإحسان بل هو شمع أفواه الناس وجيوبهم وثرواتهم وبحورهم ومعادنهم وخيراتهم

رويترز
 
رابعا: خاصية التشميع

إذا كانت التطبيع خاصية تقوي من المخزن تربية وصياغة وصناعة، وإذا كان التشنيع خاصية تصيب المؤسسات والشخصيات والنخب والحراكات تصفية وإجهازا، وإذا كان الترويع يصيب الشعب جملة وجماعة، فإن خاصية التشميع سياسة تريد أن تصيب وتستهدف أهم مقوم في المغرب يعول عليه وأقواه حركة وحجما وحضورا.


كان التشميع في زمن سلاطين المغرب الأوائل علامة حماية وحفظ للرسائل التي تشمع بالأحمر لإضفاء الرونق والجمال فيها، واليوم تشميع بيت داعية من الدعاة والمربين للأجيال والذي قدم الكثير للبلاد يتحقق بدون سند قانوني قضائي، بل والغريب التهديد بتدميره وهدمه على الطريقة الصهيونية لأن صاحبه شيد فيه قبلة لصلاة وغرفة للتعبد الحر.


إذا كان مفهوم التشميع هو الإغلاق والحصار، فالمخزن بهذا الأسلوب لم يشمع ويغلق فقط بيت داعية في العدل والإحسان بل هو شمع أفواه الناس وجيوبهم وثرواتهم وبحورهم ومعادنهم وخيراتهم، ومنع الجمعيات وتشميع حرية الصحافة والتعبير، وأغلق بيوت الله ومنع الاعتكاف فيها، في المقابل، صرح بالمهرجانات، ثم شمع المدارس العلمية العتيقة وشمع المنابر وأفواه الدعاة والخطباء، في المقابل، أطلق العنان لأبواق الجسد الحر وضرب الهوية وسياسة البغرير وكعب الغزال وحق التطبيع والطائفية والإثنية.


حدث تشميع بيت داعية من دعاة المغرب وإن كان ينتمي لجماعة مرخص لها قانونيا فهو استهداف ليس لجماعة أو حركة بل هو استهداف عام للشعب وقواه الحية، ولمؤسسات وقوى مغربية لازالت تحافظ على استقرار البلاد وأمنه وتريد الخير للمغرب وتحاسب ناهبيه وتهدد مستقبلهم. هو استهداف للشعب المغربي ولمقوماته وخصائص قوته التي لا زالت تحافظ على ديمومة واستمرار أمل المغاربة ورفضهم للظلم.


وأخيرا نقول أن سياسة التشميع أو الترويع أو التشنيع الصادرة من فعل مخزني تابع لأجندة التطبيع والتنسيق والدعم الخارجي هي سياسة مهزومة ودلالة على وجع خفي أصاب المنظومة المخزنية، ويأبى المريض أن يحكي حكاية وجعه خوفا من كشف وجعه وماذا أوجعه ومن أوجعه.. نسأل الله العافية.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة