عندما تبكي الأمّهات أفلاذ أكبادهن

15/12/2018

"خلّوني نروح فبابور اللّوح.. ياكلني الحوت وما يوكلنيش الدّود.." هي شعارات صارت أناشيداً لشبابٍ في عمر الزّهور، غرّتهم جنّة الضّفة الأخرى بمفاتنها الدنيوية، فردوس أوروبا الزّاهي كما يحلوا لهم أن يسمّونه. شعارات حماسية يتغنّون بها ليختاروا طريقةً لموتهم بل ويتمنّونه، وطموحهم أن يصلوا الجهة الأخرى، أو أن يُطعِموا لحوم أجسادهم لسمك الأبيضِ المتوسط بدل دود الأرض! سيلٌ عَرِم. أرادوا لجثثهم إذاً أن تتحلّل في المياه الإقليمية الدولية، فقد كرهوا ظلمة القبر ومواجع ضمّته وعذاب برزخه هنا في الوطن.

أولئك شبابٌ تبرّأوا من وطينتهم وانتمائهم لهذه الرقعة الجغرافية، التي لا تعترف بهم كمواطنين أساساً، أو أنّها تعتبرهم مواطني درجة ثانية أو ثالثة! مهمّشين كَالاشيْء. قنطوا من الحياة، ملّوا العيش، ودفعوا أغلى ما لديهم ليختاروا عن قناعة تامّة أن يخترقوا عرض البحر، فلم يُخِفهم لا رُهابه ولا إرهابه. فما ينتظرهم من مجهول هناك، لن يُهوّن عنهم ما هم فيه هنا، ولن يردعهم عمّا هم مقبلون عليه، فلن يعودوا أدراجهم الآن. فهناك في الضفة المقابلة يوجد سلّم الصّعود إلى الذروة أو منحدر السقوط إلى الجحيم، فإلى النّار أو النّعيم هُم ساعون. يغامرون لأنهم رأوا كيف يُعامَل الإنسان هناك ككائن ذي كرامة، عكس ما يعيشونه ويختبرونه في وطنهم الأم.

ولكلّ منهم دافعٌ لهِجرتِه وهَجرِه أهله وأحبّائه، كلّ واحد حكايةٌ بحدّ ذاته، ما جمعهم! هو حلم أوروبي مبهر، قارب مطاطي أو خشبي ومحرّك، حقيبة ظهر وزادُ طريقٍ متواضع، بوصلة وقبطان متمرّس بالبحر وغياهبه. "أريد أن أحتفل بعيد مولدي الرابع بعد الثلاثين هناك، فهنا لا أملك شيئا سوى قلبك يا أمّاه، وأريد أن أُسعِدك ببيت أشتريه لك يوماً ما.." كانت آخر كلمات أحد أبطال ملاحم الحرقة مخاطباً والدته، التي ستدعو الله في اللّيالي القادمة دون انقطاع، على أمل أن يكون ابنها سالماَ معافاَ، فقد خرج من البيت فارّا بجلده، ولم يودّعها حتّى! فتركها ثملة بكؤوس الحزن فاقدة لوعيها.

سردينيا الإيطالية، تلك الجزيرة البعيدة في الحوض المتوسطي هي الوجهة، ورحلات منظّمة بعيداً عن الأعين من واد بقراط في الشرق العنّابي..

"كنت أشكّ أنّه سيفعلها.. لا أصدّق ذلك!" غير مصدّقة أنّه فعلها، ومن دون إدراك راحت تظن أنها تحلم فقط، لكن ذلك الكابوس طال وطال ولا مجال للاستيقاظ منه، إذ أنّه الحقيقة الموجعة. وبين حَرقة البحر الغامضة وحُرقة الفقد المُبْغَضة، جفّت الدّموع من مقلتيها، بعد أن انهمرت شلالات لأيّام. وصار قلبها يعتصر ألماَ وينزف دما وهي تنتظر بغصّة وحشرجة في صدرها، أن تسمع فقط خبراً عنه أو عن أصدقائه. قصص موتى البحر بدأت تنتشر في الأجواء، ومن قطع منهم البحر وبقي حيّا فقد كان ذا حظ عظيم، وما من عائد لحد الساعة، وأهاليهم! يريدون أبنائهم ولا شيء آخر. يريدونهم الآن! "جيبونا ولادنا حيّين أو ميتين.." فقد فقدوا الأمل ولا أصعب عليهم من ذلك الفقد الفظيع.

أمّا من أفقدتها الخسارة عقلها وغيّبته فلم تتوانى في أن تصرخ وتنتحب! جيبولي سليمان "تريد ابنها حيّا، ولا تريده جثة هامدة أو أن يبقى في عداد المفقودين للأبد، فلن تغنيها كل كنوز الدنيا عن فقيدها". فقد قالتها اليمامة قبلها يوما: "أريد أبي حيّاً، أريد كُليبا حيّا.." فما أصعب ذلك، ولن نشعر بالجمر حتّى ندوس عليه. ليس أبناء الرايس حميدو بالعاصمة هم الأوائل، فقد عاشت عوائلٌ جزائرية ذلك الجحيم القاسي من قبل. تسعة من خيرة شباب المدينة يضيعون في البحر، ليصيروا قِصصاً وإشاعات تتناقلها الألسن.

من مدينة تحمل اسم البحار العظيم "رايس حميدو" أمير البحار، إلى مدينة تنعي شبابها الغرقى في بحر مَلَكَهُ ذاك القبطان الأسطورة يوماً، وأدّب البرتغاليين والأمريكان قبل أن يموت شهيداً غريقاً في نفس ذلك البحر. وأقيمت صلاة الغائب التي أدّاها كلّ الجزائريين على روحه، وأُعلن الحداد في كل أنحاء البلاد لمدة ثلاثة أيام. سردينيا الإيطالية، تلك الجزيرة البعيدة في الحوض المتوسطي هي الوجهة، ورحلات منظّمة بعيداً عن الأعين من واد بقراط في الشرق العنّابي، قد تمتد لثمان وثلاثين ساعة هم فيها يصارعون أمواج البحر العاتية، وعدّتهم! الصبر وطول الأناة.

وأحياناً تجري الرّياح بما لا تشتهيه قواربهم، فإن تغيّر مزاج البحر! أو أغار عليهم زورق قطّاع الطرق، فالحامي هو الله ودعاء الوالدين. لتبقى قصصهم أساطيراً يرويها عائدون من ذلك الجحيم الذي عاشوه، ومسلسلاً أسوداً تتواصل حلقاته في صمت، فمن المسؤول يا ترى؟ من يعيد ابن عمّي سمير إلى الدّيار من عالم المفقودين؟ ومن يعيد سليمان لأمّه، من يعيد كل شباب الجزائر الذين اختفوا في صحراء ذلك اليمّ الواسعة، وما سرّ حبّه لجمع جثث وأسرار كل هؤلاء؟ لا أحد يدري.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة