محمد عبدالنور
محمد عبدالنور
520

مأزق الباحث المسلم.. هل يستطيع تجاوز الاغتراب الذي يعيشه؟

17/12/2018

يجد الباحث نفسه في العالم الإسلامي مضطرا لأن يتخذ لنفسه موقع المتابع لجديد المعرفة الصادر من مجال ثقافي ليس مجاله، هو المجال الغربي الذي امتلك زمام الوقوف على ذروة المعرفة، بحيث ينصب همّ الباحث المسلم على أن لا يفلت منه خيط ذروة المعارف الحاصلة خارج نطاق حيزه الثقافي، مكانيا ولغويا، وبحيث يؤدي جهدا مضاعفا في التنقيب والمتابعة لمادة نظرية تتحدث بمنطق ثقافتها، بحيث عليه أن ينقلها إلى منطق ثقافته، فضلا عن اللغة التي تصدر بها تلك المعارف فهو يضطر لتعلّم لغة ثقافة أخرى أو انتظار جهود مترجمين آخرين أحسنوا النقل أم لم يحسنوا.


كما أنه يجد نفسه مضطرا إلى يتخذ لنفسه موقع الباحث عن أصول العقائد والتديّن مبتعدا عن مرحلته التي يعيش بها، فيبحث عنها إما في النصوص التأسيسية (القرآن والسنة) أم في المرحلة التأسيسية (السيرة النبوية)، همّه أن يكتشف منطق الدين قبل أن يتدخل فيه الفهم التاريخي للبشر، كما يحاول أن يكتشفه من حيث الممارسة الفعلية في مرحلة حياة النبي نفسه، بوصفهما الخيطان الرفيعان اللذان يصلان الباحث المسلم مع الجذر التأسيسي للدين.


بهذا نستطيع القول بأن الباحث يعيش اغترابا مزدوجا مأتاه الظروف التاريخية والموضوعية، حيث العزاء في كل ذلك أن يكون ضميره الباحث ضمن الإطار الذي تقدّم شاهدا حيا على الحياة المعاصرة للمجتمع التي يعيش فيها الباحث، الذي لا محالة سيغدو مجددا إذا ما حقق الهدفين:


1- هدف تحقيق الصلة بذروة المعارف المستجدة.
2- هدف تحقيق الارتباط بالمنطق المؤسس للإيمان الديني.

ارتبطت إنسانية الإنسان بالمعرفة القائمة على النقل والمراكمة، فالمعرفة عند البشر لا تضيع بين جيل وآخر، وأن تراكمها مضمون جدّا كلما تقدّم التاريخ

فهي مهمة في اتجاهين إعادة صلة الوصل بالماضي المؤسس، وإعادة صلة الوصل بالواقع الراهن، ومعلوم أن الواقع الراهن مبني على معطيات المعرفة الإنسانية وبالتالي فإن الشرط الفكري للتقدّم هو تحقيق استيعاب كاف لها، كما أن صلة الوصل بالماضي مبني على اختزال كل ظواهر ومظاهر المرحلة المؤسسة للوقوف على مبناها الروحي تماما كما أن ملاحقة المعارف المعاصرة محاولة للوقوف على المبنى الروحي للبشرية راهنا، وتلك هي المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتق الباحث والمفكر الساعي للتجديد.

 

تأصيل المعرفة والتدين في التاريخ البشري:

إن ما تقدّم يحتاج إلى استدلال تأسيسي يقضي بضرورة العودة إلى البدايات ونشوء المعرفة والدين في التاريخ البشري، لذلك كان السؤال الموضوعي هنا هو من شقين:


1- لما العناية بمتابعة المعرفة خاصة وأن الغرب متقدم علينا من النواحي التنظيمية واللوجيستية والاستراتيجية؟ فما وجه الموضوعية في استيعاب المعارف المعاصرة؟
2- لما العناية باستعادة الدين خاصة وأن المجتمعات المتقدّمة لم تقم على الدين؟ فما هو وجه الموضوعية في البحث عن استعادة الدين؟ 


الجواب الإيجابي على السؤالين يقتضي إثبات أن كل من (المعرفة المعاصرة) و(الدين الأصلي) شرطان ضروريان لتحقيق مصلحة الأمة والإنسانية عامة، أي لا تتناقض مصلحة الأمة مع مصالح بقية البشر، ومقضى الإثبات يوجب العودة إلى بدايات كل من المعرفة والدين في التاريخ البشري وكيف أصبحا معا حتمية سببية لا يمكن الانفكاك عنها في حال ابتغينا استئنافا ونهضة.


أولا: ارتبطت إنسانية الإنسان بالمعرفة القائمة على النقل والمراكمة، فالمعرفة عند البشر لا تضيع بين جيل وآخر، وأن تراكمها مضمون جدّا كلما تقدّم التاريخ، ودليل ذلك التطور المستمر لحياة الإنسان من رغم تداول البشريات عليه، وكل مرة تقف بشرية محددة على التراث الإنساني فتتحمل مسؤوليتها عن بقية البشر (فتصبح الأخ الأكبر) وتتصرف حسب رؤيتها المرجعية في الكون وفي بقية البشر كيفما شاءت.


والمعلوم أن التطور عرف نقلات نوعية خلال التاريخ المديد للبشر، وهنا نفتح القوس لنسأل عن أي تطور نتحدث التطور المادي أم التطور المعرفي، والجواب هو أن التطور المادي ينسب ويقاس بالتطور المعرفي، حيث يتعذر التطور المادي دون التطور المعرفي، وحيث المعرفة من هذا المنظور تصبح معرفة نفعية صرفة، فكيف ذلك؟


أولا: الانتقال من الإنسان المنتصب القامة إلى الإنسان العارف تمثل في بدء الثاني استخدام الوسائل الحجرية لتحقيق حاجياته.
ثانيا: الانتقال من الإنسان اللاقط إلى الإنسان المزارع تمثل في تحقيق الثاني لترويض الزراعة والحيوان وبالتالي الاستقرار.
ثالثا: الانتقال من الإنسان المزارع إلى الإنسان المدني تمثل في تأسيس الاسرة وانتهاء إلى تحقيق التنظيم سياسيا.


وضمن هذه الانتقال وضمن المرحلة الثانية شهد البشر الحاجة إلى إيجاد تفسير لما يتجاوز قدراتهم العقلية والعضلية، فجاءت الأديان البدائية كاستدراك لذلك مثل تفسير الموت وتفسير الكوارث الطبيعية التي لا قدرة للبشر على مواجهتها. فاضطر الإنسان إلى اختراع الطقوس والشعائر بغض النظر عن طبيعتها، فكانت نقلة نوعية أخرى داخل التطور المعرفي للبشر، وكأن المعرفة انشطرت إلى شقين، رغم أن الدين نفسه انبثق لأول مرة لداعي الحاجة الروحية والنفسية، لتحقيق مزيد من الاستقرار، أي أن ظهور الدين اشترط أولا انتقال الإنسان إلى المرحلة الزراعية، حيث الاستقرار المادي ثم الحاجة تبعا لذلك إلى الاستقرار الروحي.


وهنا لابد من التأكيد إذن على أن الدين جاء أيضا لتحقيق الحاجة البشرية تماما كما كانت المعرفة، فالمعرفة تكييف مادي للإنسان مع الطبيعة والدين تكييف رمزي للإنسان مع الحياة، فللمعرفة والدين دور وظيفي صريح وواضح وهو تحقيق مصلحة الإنسان، والنتيجة الحاصلة عن ذلك هو أن لكل من المعرفة والدين دور مختلف وهذا يعني أن من غير الموضوعي إزاحة أحدهما من أجل الآخر.


وهذا من أهم ما يمكن أن نصل إليه في إثبات موضوعية التدين والتعلّم (الدين والعلم كعمليات كَسْبية)، والاستدلال على ضرورتهما القصوى للحياة الإنسانية، وعلى ذلك فقد توصّل علماء اليوم إلى حقيقة أن التديّن والمعرفة أمران مركوزان في البنية الوراثية للإنسان، فأطفال البشر مجبولون على اكتساب اللغة كأداة الأولى للمعرفة، كما أنهم مجبولون أيضا على البحث عن إله إلية يتم الاستناد عند العجز عن تقديم التفسيرات، فتوجد إذن جينات مسؤولة عنهما تشكلت عبر الزمن الطويل في تاريخ البشر؛ والسؤال كيف تشكّلت؟ 


تشكلت حسب بعض العلماء والباحثين من خلال تفاعل مستمر وشديد الوتيرة بين الطبيعة والإنسان حتى انبثقت عضويا في الإنسان شرائح مخية مسؤولة أصبحت تنتقل وراثيا بين بني البشر، وأن البشر تميزوا عن بقية الكائنات بقدرتهم على تحقيق التكيف مع إكراهات الطبيعة، ومن ذلك ينتج أيضا أن تفوق بعض البشريات على الأخرى مردّه إلى استطاعت البشر المتفوقين على تحقيق التلاؤم مع الظروف المحيطة بهم، أو قل البيئة بأوسع تعريفاتها: الطبيعية (التضاريس المناخ الموارد البيئية) والتاريخية (الثقافية والسياسية والاجتماعية).

المعرفة بمدلولها الحضاري الذي عرف بداياته في الشرق وترسخ عند اليونان قائم على مفهوم السببية الطبيعية، وأن الغاية من العلم كله هو استكشاف الأسباب المجهولة التي تسري في الطبيعة، ومن ثم تسخيرها للتحكم في الطبيعة

مواقع التواصل 


طبيعة المعرفة والدين راهنا:

إذن بعد أن أثبتنا الارتباط الوجودي للمعرفة والدين بالإنسان نعرج إلى بحث طبيعتهما المعاصرة، حيث المعرفة المعاصرة معرفة غربية، والإسلام آخر ديانة سماوية، لاستكشاف طبيعتهما، ومواصلة لاستعراض تطور المعرفة البشرية نقف عند ظهور الحضارات البشرية التي تزامنت مع ظهور الدولة، حيث ينتج عن ذلك أمران: تعقّد الحياة البشرية، وتعقّد معارفه.


فالمعلوم أن الأبجدية منطلق العلم اكتشفت في حضارات الشرق الأدنى التي أنجزت الشروط الضرورية لنشأة العلم النظري الذي شهد مولده عند اليونان، فقد كان العلم في حضارات الشرق عمليا، يُبتكر لدواعي عملية ويستخدم لدواعي عملية أيضا، لكن في المرحلة اليونانية أصبح العلم صناعة مستقلّة يتفرّغ إليها بعض أفراد البشر، ما جعل العلم يتراكم بشكل منفصل عن الحاجة.


كما أصبح رجال الدين متفرغين لوظيفتهم الروحية بعد أن حدث لأول مرة تقسيم العمل في المجتمع البشري بفضل النتائج التي حققها الاستقرار في المجتمع الزراعي، وتكرس ذلك بظهور الدولة، كما نتج عن المجتمع الزراعي أيضا الطبقة الاقتصادية بفضل فائض الانتاج واختلاق الصناعة والتجارة، فاكتمل السّلم التراتبي للمجتمع البشري ضمن نطاق الدولة، المكون من الساسة والعسكر والاقتصاديون والعلماء ورجال الدين وانتهاء بالطبقة العامة للشعب.


والواضح أن المعرفة بمدلولها الحضاري الذي عرف بداياته في الشرق وترسخ عند اليونان قائم على مفهوم السببية الطبيعية، وأن الغاية من العلم كله هو استكشاف الأسباب المجهولة التي تسري في الطبيعة، ومن ثم تسخيرها للتحكم في الطبيعة، فالعلم في النهاية وجد تكيفا من طرف البشر مع إكراهات الطبيعة التي تخفي أسرارها من أجل مغالبتها، والمعرفة العلمية انبثقت بالضرورة عن الدين.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة