أسامة الشجراوي
أسامة الشجراوي
1.5 k

في محطة رأس السنة

22/12/2018

نزلت لتوي من ذلك القطار الذي مضى، وراحت خطواتي المُتحيرة، تجول في تلك المحطة مشيت إلى أن قابلني رجل كهل، وقبل أن أبادره بالحديث باغتني بالقول: في محطة كُل عام، حري بنا أن نرى بعين اللحظة التي تقطر صبراً، ونتناسى كُل الخيبات ونطويها، وبدلاً من أن ندعو الله بأن يرزقنا أياماً جميلة، ندعوه بأن يخفف عنا قُبح ما في السنة التي تليها. ربت على كتفي وهو يتنهد، ودون أن أنبس بحرف مضيت.

 

واصلت خطواتي، إلى أن وقفت قُبالة فتاة تَحمل بيدها وردة، فقلت في نفسي: على الأرجح إنها عاشقة حالمة، وقبل أن أقول شيئاً، قالت: عند نهاية كُل عام، هُنالك محكمة للقلوب، يُحكم بالقصاص فيها على الخيارات التي لم تُسعف الحال، وتُبتر الأيادي الممدودة التي اكتشف زيف طهارتها، وعلى مشنقة المشاعر تُساق لحظات الحزن، وهي تجر نفسها مقيدة بأغلال الذكرى المهددة بالنسيان، وسيقول لك القلب لا تنقل أحداً معك إلى مدينة السنة الجديدة التي ستسكن فيها رُوحك أما هذه الوردة التي معي لن أعطيها إلا لمن يستحقها.

 

مضيت حتى قابلني طِفل صغير، مأخوذ بالدمية التي بيده، وقال لي بنبرة تنم عن براءة: تذكر أن "السعادة طُفولة قَلب"، واحرص على أن يبقى الطفل بداخلك تواقاً للدهشة التي تسقيه كُلما يبست أغصانه

تركتها وسرت بضع خُطواتٍ. وجدت شخصاً حالماً يتوسد رأسه بذراعيه وينظر نحو الأفق بعينين تفيضان حياة، فراح يقول لي: سنُخط مراسيل الوعود لأمانينا المؤجلة، وسنتلحف بمعاطف تجاربنا، وسننافح عن أحلامنا، فننكفئ من جديد على العمل، ونعكف على السير في كل الدروب التي يمكن أن توصلنا إلى عناق رغباتنا المُشتهاة، وسنهتف بأننا التواقون دوماً لحياة تليق بنا، ولو بعد حين.

 

مضيت سائراً حتى قابلني رجل يرتدي معطفه بشيء من تأنق، ويعتمر قبعة أنيقة تدل على الكبرياء، فبادرني قائلاً: في نهاية كُل عام، يستوي قلبك على عرشه، وتقف رُوحك على سفح جبل ذكرياتها، شاردة الذهن فيما انقضى، متأملة المشهد الأني، مأخوذة فيما هو قادم، فاتخذ من محراب ذلك القلب صرحاً لأصالتك تقف عليه، وأنساً لفؤادك تلذ به، فأمدد يدك مصافحاً عاقداً صُلحاً مع الأيام القادمة.

 

مضيت حتى قابلني طِفل صغير، مأخوذ بالدمية التي بيده، وقال لي بنبرة تنم عن براءة: تذكر أن "السعادة طُفولة قَلب"، واحرص على أن يبقى الطفل بداخلك تواقاً للدهشة التي تسقيه كُلما يبست أغصانه، فاحتضنته، ومضيت إلى أن قابلتني فتاة وقع في قلبي الشك بأني على معرفة بها، صافحتني بحرارة، وأبقت يدها بيدي، مما أثار فضولي، فسألتها: إن كانت تعرفني؟ فأجابت: أن علي في البداية معرفة الذين للتو قابلتهم، قلت: لا أعرفهم.. فقالت: أما الرجل الكهل فهو لحظاتك التي تجعلك أكبر مِن عُمرك، وتجاربك التي تُنضجك، وأراد أن يقول لك بأنك ما زلت تستطيع مع الحياة نضجاً.

 

وأما الفتاة التي تحمل الورد فهي عاطفتك التي مازالت زاخرة بالحب، وبدفء القلب النقي النابض، وكانت تُشير إلى أنك ما زلت تستطيع مع الحياة حُباً، وأما الفتى ذو العيون الحالمة، فهو الجانب المُشرق بداخلك الذي يُشير عليك أنك ما زلت تستطيع مع هذه الحياة أملاً وحُلماً، وأما الرجل ذو الأنفة العالية، فهو كبرياؤك التي تقول لك بأنك ما زلت تستطيع مع الحياة شموخاً، وأما الطفل الصغير الذي احتضنته، فذلك الجانب الطفولي الذي ما زال يعانق تلابيب الصبا التي في داخلك، وما يزال ينظر على أنك تستطيع مع الحياة مرحاً ونقاءً وشَغباً.

 

 فقطبت جبيني مُتسائلاً، بعد ما شعرت بأنها مازالت مُمسكة بيدي: وأنتِ من تكونين؟  قالت: أنا الذكريات الجميلة، التي ستبقى مُرافقة لك في كل عام، محاولة ما استطعت جلاء السواد من طريقك، فتشبث بيدي، ولا عليك، فابتسمت وانتشيت، ونظرت من حولي، وتناهت إلى مسامعي زوامير قطار قادم أتيةٌ من بعيد، ولما وصلت إلى إشارة تدلني على المحطة التي أنا فيها ، أيقنت أن القطار القادم هو قِطار العام الجديد، وأنني أنا الآن في محطة رأس السنة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة