لماذا لن تتخلى "أمريكا العميقة" عن ترمب؟!

23/12/2018

في ظل السجالات الأخيرة بين ترمب والكونجرس الأمريكي، سيما بعد القرار الذي أدان ولي العهد السعودي بمقتل الصحفي جمال خاشقجي، انبرى البعض ليرى احتمالية تخلي أمريكا العميقة متمثلة بالاستخبارات والإعلام والكونجرس عن الرئيس الأمريكي. ومع احتمالية صواب هذا الطرح إلا أنه، برأيي، يجانب الأصوب. وسأسعى في هذه المقالة إلى مناقشة وجهة نظري بالاستناد إلى فرضيتين رئيستين. الأولى، أن ترمب سمح له بالترشح ابتداءً ليبقى ويخدم مرحلة انتقالية تشهدها النيوليبرالية الاقتصادية والديموقراطية التمثيلية في مواجهة اليسار الاقتصادي وديموقراطية الأغلبية. والثانية، أن مجيء ترمب للسلطة وبقاءه فيها يسهم في نشر الشعوبية في دول يراد لها أن تكون خارج إطار تحالفات دولية مما يؤدي إلى إضعاف تلك التحالفات وإدامة الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي لسنوات طويلة قادمة.

 

في معرض نقاشي لهاتين الفرضيتين سأستند إلى مبادئ عدة من شأنها تسهيل استيعاب قبول أو رفض الفرضيتين. وأول المبادئ التي سأستند إليها أنه لا يمكن بأي حال اقتطاع مشهد واحد من الصورة الكلية لبناء رأي منطقي يفضي إلى تخلي أو عدم تخلي أمريكا العميقة عن ترمب؛ بمعنى أن مشهد السجالات بين وكالة الاستخبارات والكونجرس من جهة والبيت الأبيض من جهة أخرى لا تكفي لوحدها أن تشكل إثباتاً على التخلي عن ترمب. أما المبدأ الثاني فيتمثل في أن قرارات السياسية لا يمكن القطع بها كما القطع بين الأبيض والأسود، بل إن الرمادي هي اللون الغالب على السياسة؛ بمعنى أنه لا يمكننا القطع بتخلي الدولة العميقة عن ترمب، بل يتوجب علينا أن نتوقع نصف تخل أو نصف دعم، أو تخل في مجال ودعم في مجال آخر بما يخدم مصالح الدولة العميقة في التقويض المتدرج للشعوبية الأمريكية. ويتمثل المبدأ الثالث في أن القرارات السياسية العليا يحكمها محيط القرار واللاعبون الأساسيون فيه؛ بمعني أن إدانة ولي العهد السعودي قد لا تكون بالضرورة ضد ترمب وإن بدت كذلك، ولكن قد تكون لصالح أو ضد أطراف أخرى.

  

لم تكن الدولة العميقة لتسمح لترمب أن يمر في الانتخابات التمهيدية في الحزب الجمهوري لو لم تكن تعتبره من المرشحين المحتملين. فمثلاً، تم التواطؤ على إقصاء السيناتور بيرني ساندر في الأدوار التمهيدية للحزب الديموقراطي حيث علم أنه سيكون منافساَ قوياً لها ومرشحاً قويا للرئاسة لو كان منافساً لترمب، وقد كشفت تلك المؤامرة تسريبات البريد الإلكتروني لهيلاري كلينتون والتي توضح ضرورة إقصائه مع التركيز على أنه يساري. أما ترمب فقد مر من كل الأدوار التمهيدية ببرنامجه الانتخابي الذي عرف عنه من اليوم الأول أنه شعبوي، وقد فاز بالرئاسة بذلك البرنامج. فلماذا سمحت الدولة العميقة لرئيس شعبوي أن يكون رئيساً لأكبر دولة في العالم؟

  

أمريكا العميقة ستظل محافظة على بقاء ترمب في السلطة طالما أن استطلاعات الرأي في صالحه وهذا ما عبر عنه ترمب في أكثر من مناسبة حيث قال إن الشارع الأمريكي سيثور أو أن "وول ستريت" سينهار إن تم عزله عن السلطة

يتوجب أن نتعرف على خصائص الشعوبية (POPULISM) حتى نجيب على هذا السؤال. ففي دراسة أجراها الباحثان إنجلهارت ونوريس من معهد هرافارد كينيدي للدراسات الحكومية عام 2016 حدد الباحثان ثلاثة صفات عامة للحركات الشعوبية. الأولى أنها تؤمن بأفضلية الأغلبية الصامتة على المؤسسات الفاسدة متمثلة بالسلطات والبنوك والشركات الكبيرة وطبقة النخبة والأغنياء والمفكرين والسياسيين المنتخبين. ثانيها أنها تفضل الشخصيات القيادية المستبدة التي تعكس إرادة الناس ضمن الأغلبية الديموقراطية بعيداً عن حقوق الأقليات والتعددية الثقافية التي تضمنها الديموقراطية التمثيلية. وثالثها أنها تمتاز بالتعصب للقومية والرهاب من الأجانب الذين يجب تهميشهم والحد من قدومهم إلى البلاد.


هذه الصفات الثلاث هي تغيير راديكالي للديموقراطية والرأسمالية النيوليبرالية خصوصاً، ومع صعود نجم الشعوبية في معظم الدول الغربية تسعى أمريكا العميقة لتقويضها محلياً من خلال التحطيم المتدرج لرئيسها طالما أنه يملك نسب عالية في استطلاعات الرأي. لقد بدأت الشعوبية تنتشر في الدول الغربية على نحو مطرد منذ الأزمة المالية العالمية بسبب فشل النيوليبرالية الاقتصادية في إحداث العدل في توزيع الثروات مما أدى إلى اتساع الفجوة بين الفقراء والأغنياء على نحو غير مسبوق. كما أدت النيوليبرالية وما رافقها من عمليات خصخصة إلى تغول القطاع الخاص في السلطة السياسية مما أفقد النظام الديموقراطي الكثير من خصائصه الجذابة. وقبيل فوز ترمب صوت البريطانيون لصالح مغادرة الاتحاد الأوروبي، رافقها فوز الأحزاب الشعبوية بنسب لم تكن متوقعة وإن كانت قليلة في عدد من دول الاتحاد الأوروبي ما يعني أن انتشار الشعوبية أمر محتوم. وهنا كنت قد بنيت فرضيتي أن أمريكا العميقة وافقت على ترمب كرئيس شعبوي من أجل احتواء الشعبوية الأمريكية قبل أن ينفلت عقالها بدون أن يكون لها قائد يمكن السيطرة عليه.

 

فالشعوبية تفضي بالضرورة إلى أهداف اقتصادية يسارية مثل التأميم وإعادة استلام الدولة للاقتصاد واستعادة دولة الرفاه وإلغاء اتفاقيات التجارة الحرة وهذا ما لا تريده حتماً الدولة العميقة في أمريكا لكنها تريد أن تسيطر عليه من داخل قالب الشعوبية وهو الرئيس ترمب. وعليه فإن أمريكا العميقة ستظل محافظة على بقاء ترمب في السلطة طالما أن استطلاعات الرأي في صالحه وهذا ما عبر عنه ترمب في أكثر من مناسبة حيث قال إن الشارع الأمريكي سيثور أو أن "وول ستريت" سينهار إن تم عزله عن السلطة، وأظنه محق في تقييمه. ويرافق بقاء الترمب في السلطة ترويض ممنهج واحتواء للمطالب الشعبوية حتى تصل إلى حالة من التوازن تمهد لحقبة جديدة من الرأسمالية بعد النيوليبرالية.


ومن ناحية أخرى، فإن الدولة العميقة في أمريكا تشتمل على مكون رئيس لطالما لعب دوراً أساسياً في تشكيل سياساتها الداخلية والخارجية بما يخدم مصالحه، وهذا المكون هو ملاك البنك الاتحادي الفيدرالي مصدر الدولار الذي لولاه لم تكن أمريكا دولة عظمى حتى يومنا هذا. وحيث أن من مصلحة أمريكا أن تتفتت كل التحالفات الاقتصادية المناوئة لها أو التي تنتمي لها ولا تستفيد منها، فإن قبول رئيس شعبوي في أمريكا من شأنه تشجيع الشعوبية في دول تنتمي إلى تلك التحالفات سيخدم مصالح أمريكا على المدى البعيد حتى تعيد تشكيل تلك الكيانات وفق ما يضمن بقاء أمريكا الدولة المسيطرة على الاقتصاد العالمي.

 

فالشعوبية وجهت ضربة موجعة للاتحاد الأوروبي بخروج بريطانيا منه، وها هي "السترات الصفراء" تطالب بخروج فرنسا "الفريكزيت" وقد لحقتها بلجيكا وهولاندا والمجر، والحبل جرار. كما أن وصول الرئيس البرازيلي بولسانارو للسلطة يخدم نشر الشعوبية في أمريكا اللاتينية التي دأبت على تحدي أمريكا منذ عقدين من الزمان بعد عقود من الاستعمار الاقتصادي الأمريكي. ومن ناحية أخرى، فإن انتشار الشعوبية على نطاق عالمي من شأنه إضعاف الصين، المنافس الاقتصادي الرئيس لأمريكا، التي استفادت كثيراً من عولمة الاقتصاد وحرية الأسواق وإزالة الحواجز أمام تدفق البضائع. 


وبعد كل هذا، لا يمكننا قراءة إدانة الكونغريس الأمريكي لولي العهد السعودي على أنه تخل من الدولة العميقة عن ترمب، بل يجب قراءة المشهد الكلي لتلك الإدانة مترافقة مع قانون جاستا الذي تم إقراره رغم أنف فيتو أوباما ومع كبح الدولة العميقة لجماح ترمب مع رغبتها ببقائه في السلطة، ومع حاجة أمريكا إلى إبقاء السعودية الثرية رهينة لقوانين يمكن تفعيلها في أي وقت أو المراهنة عليها بابتزازات طويلة المدى لأي شخص يحكم السعودية. ربما يتساءل البعض عن مخالفة الكونغرس لرغبات إسرائيل في عدم الإدانة، لكن من المهم الفهم أن قوة أمريكا تكمن في تعظيم مصالحها أولاً مع إعطاء أولوية لدعم إسرائيل عندما لا يتعارض ذلك مع مصالح أمريكا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة