"السجود يحميك من ألزهايمر" و"بطاطا بكلمة محمد".. كيف تشوه القرآن باسم الدين؟

24/12/2018

كلما شعر الإنسان أن هناك ما يدعم اعتقاده وإيمانه بشيء ما، زاد ارتياحه وربما ازداد إيمانه بذاك الشيء، لأننا ربما لا نبحث عن الحقيقة بل نخضع لرغبة لدينا بأن يكون ما نؤمن به صحيحًا. إذا كنت من جيل التسعينات أو الألفية فلابد أنك في يوم ما قرأت أو سمعت عن تلك القصص الأسطورية، «هتلر بدأ إحدى خطبه بآية «اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ" لكي ينشر الذهول في قلوب الناس»، لكن لا مصدر على حدوث هاته الواقعة وفرضا أنها كذلك ما القيمة التي سيجنيها القرآن من استشهاد سفاح بآية من أياته، «دراسات أثبتت أن العسل يعالج الالتهابات والأمراض الخبيثة لكن العلماء تجاهلوا أنه مذكور في القرآن منذ آلاف السنين»، وفي حقيقة الأمر أن هؤلاء هم من تجاهلوا أن العسل كان يستخدم قبل الإسلام فقد كان قدماء المصريين يستخدمون العسل كغذاء وعلاج وفي التحنيط ليحافظ على أنسجة المومياء، «دراسات أثبتت أن وضعية السجود تقي الناس من فقدان الذاكرة عند الكبر(الزهايمر)» لكن وضعية السجود ليست خاصة بالإسلام فهناك ديانات أخرى تتبع نفس الطريقة في السجود (البوذية).


هاته القصص بني عليها إيمان أجيال كاملة، لكن عند ظهور حقيقتها يلحد على يدها أكثر ممن ألحد متأثرًا بأنطوني فلو قبل ايمانه، ومع أن عصر المعجزات انتهى مع نزول القرآن فإن مروجي هاته القصص ومتبني فكر الإعجاز العلمي يبحثون دائمًا عن معجزة أو بالأصح يصنعونها، قائلين لماذا يفتخر الغرب باكتشاف هذه المعلومة نحن عندنا في القرآن منذ 1400 سنة؟ حسنًا يا صديقي لكن لماذا انتظرت 1400 سنة إلى أن يكتشفها الغرب فتقرأها في القرآن، أم أنك كنت حينها مشغولًا بتحريم خروج المرأة من بيتها أو في مناظرة عن حكم الموسيقى في الإسلام.


الكارثة أن وجوه إعلامية شهيرة تؤثر في ملايين الناس، تروج لهذا الفكر المفبرك، لا يدركون أنهم بهذه الأفعال يحرجون القرآن لأنهم تناسوا أنه كتاب دين أنزِل لغرض محدد، أما الحقائق العلمية فقد تتغير مع مرور الزمن باكتشافات جديدة ونظريات جديدة، فماذا سنفعل حينها؟ هل علينا تفسير القرآن كالنسخة الجديدة من المجلة العلمية NATURE، أم علينا إنكار النظريات الجديدة لأننا لم نجد أي اَية نحرفها لتفسرها لنا كما هو حالنا اليوم مع نظرية التطور.

العلم والدين، عملتان مختلفتان تماما فلكلٍ منهما هدف ومنهجية تميزه عن الآخر لذا فإن ديانة العالم ومذهبه أشياء لا تهم ولا تأخذ بعين الاعتبار عند دخوله المختبر أو تحريره لورقة علمية

في أحد الأيام دار بيني و بين أحد الاصدقاء نقاش حول ظاهرة الإعجاز العلمي وقد كان هذا الصديق من أشرس المدافعين عنه، وقد ذكر لي آية «قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ» أضاف أن قول لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ عوض يَقتُلَنَكُم هو إعجاز لأن العلم الحديث أثبت أن جسم النمل مكون من الزجاج مما يعنى أن القرآن علم بهذا الشيء قبل 1400 سنة فاِستعمل مصطلح "لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ" عوض يَقتُلَنَكُم لأنه الأنسب مع طبيعة جسم النمل الزجاجية.

 

لم أكن أملك إجابةً حينها لكني حاولت اإقناعه أنه يحرج القرآن بهذا، عند رجوعي للمنزل وجدت العشرات من المواقع يأكدون على ما قاله صديقي فبدأت بالبحث قليلا عن طبيعة النمل وتفاجأت بمقطع فيديو لنملة تسيير على الزجاج فلاحظت مستغربا أن النملة باستطاعتها السير على الزجاج كيفما كانت الوضعية (أفقية عمودية مائلة) وأظن أن هذا متناقض مع قول صديقي فلو كان النمل من زجاج لاِنزلقت النملة في الزاوية المائلة والعامودية خصوصا، لم أقتنع وشرعت من جديد في بحثي لأكتشف أن هيكل النمل كهيكل جميع الحشرات يتكون من مادة اسمها الكيتين وهي مادة صلبة مقاومة ومرنة قابلة للطي وهو ما يخالف طبيعة الزجاج تماما.


المشكلة أن هذه القصص المفبركة قد تتفاقم إلى أن تصبح سببًا في أمراض وفقدان حياة الكثير من الناس، ولعل أشهرها هو ما يتعلق ببول البعير، نعم يدعون أنه شفاء للعديد من الأمراض، وبالأخص السرطان، لكن مع القليل من التعمق في المصادر العلمية التجريبية ستكتشف أنه بول كباقي الأبوال، أي إنه مضر ويحتوي على سموم ومواد خطيرة كحمض اليوريك واليوريا مثلًا.


الكارثة أنني وجدت في احدى مواقع التواصل الاجتماعي منشورا يدافع بشراسة عن بول البعير وقد كان كالآتي (عن حديث أنس بن مالك قال: قدم رهط من عرينة وعكل على النبي صلى الله عليه وسلم، فاجتووا المدينة، فشكوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من أبوالها وألبانها ففعلوا»، فلما صحوا عمدوا إلى الرعاة فقتلوهم، واستاقوا الإبل، وحاربو الله ورسوله، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثارهم، فأخذوا فقطع أيديهم، وأرجلهم، وسمل أعينهم، وألقاهم في الشمس حتى ماتوا».

 

ونحن نقول لهم أننا نؤمن بكل ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم ونسلم به دون نقاش. هذا أولاً.. ثانياً هل يعلم العلمانيون شاربو بول المستشرقين أن هناك شركات الدواء الأمريكية تنتج دواء يسمى بريمارين Premarin ويستخرج من بول أنثى الفرس الحامل وهو اختصار لجملة Pregnant Mare Urine أي بول أنثى الفرس الحامل، ويوصف لعلاج أعراض انقطاع الطمث؟


قد انفطر قلبي عند معرفتي أن هاته الصفحة بها أكثر من مليون متابع ولم يلاحظ أي منهم الكم الهائل من المغالطات التي يحتويها هذا المنشور، المغالطة الأولى هي أن كون شركات الدواء تنتج دواءً من بول ما لا يعني أن ذاك البول بأكمله مفيد فالشركات تستخلص المواد التي تحتاجها فقط. المغالطة الثانية ليست في الحديث، بل وضع الحديث في إطار غير واقعي متناسين أن هذا الفعل كان مقبولا عند العرب آنذاك، وكان الرسول محمد عليه السلام يمارسه بصفته الشخصية وليس بصفته النبوية، لأنه كان فردا من هذا المجتمع العربي.


نفس الشيء بالنسبة لقضية الحجامة، تجد كتُبا تتكون من مئات الصفحات تتحدث عن فوائدها الخيالية التي لا أساس لها، داعمين ادعاءاتهم بأحاديث نبوية مكررين نفس الخطأ وهو وضعهم الحديث في إطار غير موضوعي، ففي عهد النبي لم تكن هناك مضادات حيوية ولا أجهزة تقيس لك في غضون ثواني نبض قلبك وضغط دمك فكان من الحكمة التداوي بما هو متعارف عليه، وللإشارة فإن الحجامة يرجع تاريخها الى العصر اليوناني.

الغوص في معاني القرآن قد يؤدي إلى استشعار معاني راقية وأحياناً علمية، لكنه مجرد استشعار معاني وليس إيجاد حل لمعادلة فيزيائية، وهذا طبيعي بل ومتناسب مع طبيعة وغاية القرآن

رويترز
 

حسنا طالما أنك تؤمن بالإعجاز العلمي، لماذا لم يكتشف عباقرة المسلمين هذا، كابن الهيثم ابن سينا وابن النفيس، لماذا لم يبنوا هؤلاء اكتشافاتهم ونظرياتهم على آيات أو أحاديث بل اعتمدوا على المعرفة والتجربة رغم أنه يُشهد لهم بالتدين وحفظ القرآن والأحاديث والترعرع على العلوم الشرعية منذ الصغر، ولعل ما قاله جابر بن حيان في كتاب الخواص الكبير يوضح لك الصورة "وإننا نذكر في هاته الكتب من الخواص ما رأيناه فقط، لا ما سمعناه أو قيل لنا أو قرأناه. بعد أن امتحناه وجربناه. فما صح أوردناه وما بطل رفضناه. وما استخرجناه نحن أيضا قايسناه على أحوال هؤلاء القوم".


نعم إن الغوص في معاني القرآن قد يؤدي إلى استشعار معاني راقية وأحياناً علمية، لكنه مجرد استشعار معاني وليس إيجاد حل لمعادلة فيزيائية، وهذا طبيعي بل ومتناسب مع طبيعة وغاية القرآن فهو ليس كتاباً في العلوم الطبيعية وليس مطالباً أن يكون كذلك، «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» ذِكرا وليس معجماً تفسيرياً. العلم والدين، عملتان مختلفتان تماما فلكلٍ منهما هدف ومنهجية تميزه عن الآخر لذا فإن ديانة العالم ومذهبه أشياء لا تهم ولا تأخذ بعين الاعتبار عند دخوله المختبر أو تحريره لورقة علمية.

سأختم بقصة الرسول في معركة بدر حينما أقام مخيم الجيش على منطقة لم تكن قريبة من برك الماء على عكس الأعداء، فقام إليه الحباب بن المنذر فسأله هل فعله هذا نابع من وحي أو من قرار شخصي يبتغي به مصلحة عسكرية، فأجابه "بل هي الحرب والخدعة والمكيدة «أي أنه قرار شخصي، فقال له "فما هذا بمنزل» بمعنى أنه لم يوافقه الرأي، ماذا ماذا! كيف لهذا أن يشكك في قرارات النبي لابد أنه خائن، انتظر برهة لترى ردة فعل النبي، استشار الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه حول مكان النزول، فأشار الحباب بن المنذر بالنزول إلى قُلُب فهي كثيرة الماء العذب. فوافق النبي وأشار إلى استهلال العمل. المشكلة أننا مصابون بجهل مركب، فنحن جاهلون لكننا لا نعلم بهذا، إضافة لاعتقادنا أن ما نجهله غير مهم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة