هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




بوعرفة عبد القادر
بوعرفة عبد القادر
521

نظرية الفراغ الكوني وميلاد الإنسان في فكر مالك بن نبي

24/12/2018

لاحظنا في المقالات السابقة، مدى ضرورة وجود الصّعوبات باعتبارها تمثل الباعث لكل عمل خلاق؛ اشترطها بن نبي كخطوة أولى في المشروع الحضاري، والعلة تعود إلى كون الإنسان الذي خرج من الحضارة ينبغي أن ينتابه قلق وتوتر يؤدي به إلى الإرهاص والخلق. إن السياق الفكري لنظرية الإنسان عند بن نبي ينتقل من الصعوبات بوصفها علامة وعي بالواقع إلى الشعور بالفراغ الكوني كمرحلة ثانية لإعادة بناء الإنسان الخارج من الحضارة.

 

إن الإنسان لا يمكن أن يعي ذاته وعيا تاما إلى من خلال اللحظة (Moment)، ومصطلح اللحظة الذي وظفه بن نبي استعمله فلاسفة كثر، أمثال هيجل وبيندتو كروتشه؛ وتطلق عند الفلاسفة على مرحلة من مراحل التحول المادي، النفسي، الاجتماعي، الجدلي. إن اللحظة علة الحركة أو قوة الدفع الكامنة في الوعي، وتُمثل المنعطف الأخطر في التحول الإنساني ضمن جدلية التبعية أو السيادة، لأنها تعبر عن التحول من السلب إلى الإيجاب، أو من السكون إلى الحركة، لأن لحظة الوعي الجدلي (Moment Dialectique) هي التي تنقلنا من القضية إلى نقيضها معبرة عن لحظة الاتصال بالتقدم. وإذا تعلق الأمر باللحظة النفسية (Moment Psychologies) دلّ على الفكرة أو على العاطفة التي يتم معها العزم واتخاذ القرار (Decision).

 

وعليه، يتضح أن تركيز بن نبي على اللّحظة يرجع إلى كونها نقطة تحول في الذات، والشّيء الذي نميز به بن نبي عن غيره من الفلاسفة؛ أنه ربط اللّحظة بالفراغ الكوني الناتج عن إدراك الصعوبات، فالمسلم يحتاج إلى تلك اللّحظة النفسية من أجل اتخاذ موقف عزمي ينجر عنه عمل خلاق، ويحتاج إلى اللحظة الجدلية من أجل الوصول إلى اتصال فكري مع ما هو معكوس وما هو دخيل.

 

حي بن يقظان أدرك بعد العزلة بأن الفراغ الكوني الذي يعيشه يستدعي بالضرورة إجابة حاسمة لتوتره وقلقه، انبثقت في لحظة حدسية عن وجود نظرة تتجه نحو السّماء أي عالم الأفكار

واللحظة لا يمكن أن تكون عند بن نبي إلا من خلال ما اصطلح على تسميته بالعزلة الظرفية، فموقف الإنسان في عزلته يجعله يشعر بالفراغ الكوني كفضاء تأملي يعمل على تعميق نظرة الأنا إلى آناها. إن الفراغ الكوني لحظة حاسمة في شعور الذات، فهو إما أن يؤدي إلى لحظة الميلاد (Naissance) من منطلق كون الذات الشاعرة بوجدها ترفض الفراغ كديمومة، وإما أن يؤدي إلى البيات الحضاري، فتفقد الذات وجودها العيني والتاريخي.

 

يركز بن نبي في مسألة الفراغ على مماثلة تاريخية تتعلق بعينتين اجتماعيتين تعكس ثقافة حضارتين متعاقبتين، فشخصية حي بن يقظان تجسد العزلة الظرفية بعد موت الغزالة، فحي أدرك بعد العزلة بأن الفراغ الكوني الذي يعيشه يستدعي بالضرورة إجابة حاسمة لتوتره وقلقه، انبثقت في لحظة حدسية عن وجود نظرة تتجه نحو السّماء أي عالم الأفكار، حيث حدس حي بن يقظان أن ما ينقصه هو الروح، فسعي إلى اكتشافها وفق منهج تأملي فلسفي، انعكس فيما بعد على جميع سلوكياته.

 

يتمثل المثال الثاني عند بن نبي في شخصية Robinson Crusoé، الغلام الذي قذفه الموج إلى جزيرة نائية، فوجد نفسه وحيدا معزولا عن مجتمعه وبني جلدته، فانتابه فراغ كوني رهيب، جسده كاتب القصة (Daniel Defoe 1660_1731) في انبثاق اللحظة الحدسية Robinson Crusoé، والتي تضمنت الإجابة المثلى عن الفراغ الكوني الذي انتابه ساعة العزلة المفروضة عليه. إن الإجابة عند دانيل عكس ابن طفيل تماما، إذ يرى أن الفراغ الكوني يستدعي نظرة تتجه نحو الأرض- أي ما حول القدمين- مبرزا أن ما ينقص بطله آنذاك هي جملة الأشياء، لذا نرى البطل يرى النجاة في العمل، فصناعته للمنضدة كانت نتاج القلق والتوتر الذي عاشه البطل أياما.

 

يقترب الفراغ الكوني الذي وظفه بن نبي من مفهوم الاغتراب، والذي يعني الفراغ الناتج عن الوعي المزيف، كما وظفه كارل ماركس باسم الاستلاب (Aliénation) والذي يتخذ عنده صورة استلاب اقتصادي، إيديولوجي، واستلاب إنساني. يعبر الفراغ الكوني من حيث كونه شعور بعدم وجود انسجام بين الذات وغيرها؛ والذات والموضوع الخارجي، فإن ذلك يستدعي بالضّرورة العمل على التحرر من الغربة الروحية عن طريق ملأ الفراغ، ونلاحظ بأن عملية الانبثاق الحدسي تتجه إلى إجابتين فقط عند بن نبي:

 

- أن ينظر الإنسان تحت قدميه: إشارة إلى الواقع الذي يرمز إلى التراب، فالإنسان ذو البعد الواحد يعتقد بأن الفراغ الكوني الذي يعيشه يزيله بعالم الأشياء فقط، وعليه، يتجه نحو ثقافة المادة، وهي ثقافة متسلطة تنزع نحو المنفعة والتحرر من سلطان الحاجة.

 

- أن ينظر الإنسان نحو السماء: مجازٌ يفيد محاولة ملأ الفراغ بعالم الأفكار- أي نقيض النظرة الأولى تماما- وهي محاولة تجسيد إنسان الفكرة، الذي يتجه نحو عالم الثقافة الروحية. حيث ينصب اهتمام الإنسان المغترب البحث عن الحقيقة الكامنة خلف ظواهر الأشياء.

 

ويبدو من خلال العرض الوجيز أنّ الروايتين تحملان رؤى فلسفية، تتجه نحو بناء الأنموذج المثالي، كما نلمس من خلال طرح مالك بن نبي لها مدى تركيز الرجل على أنّ العامل الأساس للتحرر من رواسب اللاشعور المرضي يكمن فيما يأتي:

 

1- الفراغ الكوني: نقطة حاسمة ينبغي أن تمر بها الذات معتبرا أنّها تمثل نقطة الصفر التي يعقبها مباشرة الميلاد.

2- العزلة الظرفية: عمل إيجابي، باعتباره لحظة حاسمة، يتم أثناءها مراجعة الذات، ويليها اتخاذ القرار.

3- الفكرة: تمثل قمة الانبثاق الروحي، لأنّ أزمة الإنسان لا تكمن فيما يفتقده من أشياء، وإنّما فيما ينقصه من أفكار.

4- النفس: هي القوة الدافعة للتحرر، ينبغي أن يبدأ ميلاد الإنسان منها أولا، باعتبارها القوة المحركة لعملية التغيير.

 

 إنسان الغريزة والشيء كان ميلاده متزامنا مع موت "إنسان الفكرة" والتاريخ يعرض صورة حية لهذا التحول التاريخي لما بكى الأمير محمد الصغير غرناطة وجيوش الإسبان تتأهب لدخولها بعد ثماني قرون

مواقع التواصل
 

يعكس ابن طفيل من خلال بطله حي بن يقظان طبيعة الإنسان الشرقي المتعطش لعالم المثل، وهي رؤية فلسفية تحاول أن تلقي الضوء على الجوانب الجوهرية في الإنسان مهما كان نوعه أو جنسه. أما دنيال ديفو من خلال بطله ربنسون كروزيه يعكس طبيعة الإنسان الغربي المتعطش للمادة، وهي رؤية فلسفية تحاول أن تفسر الوجود الإنساني على أساس المنفعة الناتجة عن العمل. ومن خلال هذه النقاط، نعود إلى أبعاد الدراسة لبطلي الرواية الإسلامية ونظيرتها الغربية، يبدو أنّ مالك بن نبي حاول أن يبرز من خلالهما، أسباب ميلاد الإنسان وأسباب انحطاطه، مع إعطاء الميكانزيم الأساس لعملية البعث الحضاري.

 

وعلى هذا الأساس، تم تحليل الظاهرة وفق فلسفة التاريخ، من خلال جدلية الفكرة والشي، فالعالم الإسلامي شهد ميلاد إنسان الفكرة بغار حراء بعد فراغ كوني شهده محمد الرسول، فالعزلة المؤقتة للنبي محمد جعلته يعود إلى المجتمع يحمل بين جوانبه دعوةً جديدةً، إنّها لحظة تماثل لاحقا، هبوط زرادشت من الجبل يحمل في ذهنه فلسفة جديدة، لقد قارن أرنولد تونبي بين هبوط الرسول من عزلته بغار حراء وبين الكثير من العظماء، فتوصل أن ميلاد الإنسان يكون دوما بعد العزلة، لأنّها لحظة تخمر الأفكار.

 

إن إنسان الغريزة والشيء كان ميلاده متزامنا مع موت "إنسان الفكرة" والتاريخ يعرض صورة حية لهذا التحول التاريخي لما بكى الأمير محمد الصغير غرناطة وجيوش الإسبان تتأهب لدخولها بعد ثماني قرون من التواجد الفعلي "للإنسان الشاهد". يمكن القول أنّ الإنسان يفقد وجوده عندما يصبح: الإنسان والتراب والوقت في شعوره شيئا ثانويا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة