مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
388

أجمل الشعر أكذبه.. بين الجمال الطاغي واللامصداقية!

3/12/2018

للشعر سطوته الخاصة به، وطعمه المختلف عن كل ضروب الأدب الأخرى، يحتاج إلى عبقرية متناهية تجمع بين اللفظ والمعنى في سياقٍ ووزنٍ وقافية.. يستثير فيك شعوراً أزعم أن اللغة على اتساعها لم تجد له لفظاً مناسباً لتوصيفه. وهنا بالذات يتفوق الشعر على النثر، ففي الشعر يسير اللفظ والمعنى جنباً إلى جنب، يشد أحدهما بعضد الآخر.. تغيير كلمة واحدة من مكانها من شأنه أن يهدم البناء الشعري بأسره.

 

وبقدر جمالية الشعر وأهميته في حياة العرب، اكتسب الشعراء مكانة مرموقة في المجتمع العربي القديم، وبلغة اليوم كانوا بمثابة نجوم هوليودية تنافس الحكام والفرسان آنذاك.. ولأن الشعراء لم يكونوا مثاليين البتة، وإنما مجرد بشر عاديين بألسنة غير عادية.. كان لا بد أن تصل إليهم يد السياسة بقذارتها وخبثها، لتتحول معها موهبتهم الشعرية إلى مجرد أدوات في أيدي الحكام والفرسان وكل من يدفع.. هنا بالذات فقدت الموهبة مصداقيتها التاريخية، ونشأ معها لونٌ من الفن خلط بين الجمال الطاغي واللامصداقية.. "فكان أجمل الشعر أكذبه".

 

لطالما كنت أرى أن الشعر العربي قد طغت أوزانه الشعرية وجمالياته اللغوية في عيون المفكرين قديماً وحديثاً واكتفوا بذلك، هذا الجمال اللغوي حال دون الغوص في المعاني كثيراً، والتعمق في الحكمة البليغة التي يحملها الشعر العربي القديم، إذ أن كل شاعر جاهلي يكاد يصلح لوحده أن يكون مدرسة فكرية وفلسفية مستقلة بذاتها. تم نقد التراث العربي وأغلبه شعري، فقط من زواياه الأدبية، دون التطرق كثيراً لفحواه ودلالاته العميقة ولنظرة هؤلاء الشعراء للحياة.

 

فكر الشعراء وقيمهم الجميلة ليس شرطاً أن نحمل معها أوهامهم وخيالاتهم المريضة.. فالأمور ليست بهذه العقلية بأي حال، فبالإمكان دائماً أن نلتمس الجميل أينما وجد ونترك الفاسد أينما كان

صار ينظر للشعر القديم كما ينظر للتماثيل والتحف التاريخية.. نظرة تعترف له بالجمال والروعة، ولكنها لا تتجاوز هذا الجمال الخارجي للغوص في المعنى والمضمون الذي تحمله. نعم الشعراء "يقولون ما لا يفعلون".. ولا يصلحون إطلاقاً كقدوات عملية.. إنما هذا القول والفكر المجرد، والنظرة للحياة، جوانب تستحق في رأيي قراءة منفصلة.

 

فرويد مثلاً لم تكن حياته مثالاً يُحتذى، وكذلك الحال مع هيجل الفيلسوف الألماني المرموق والعنصري المقيت.. لينين المفكر العبقري والسياسي القذر، كل هؤلاء وغيرهم من الذين شكلوا أساساً مهماً في علوم النفس والفلسفة والسياسة كانوا على المستوى الشخصي في غاية السوء.. لكن لأن الدراسة المجردة لا شأن لها بالشخصي تمكن العالم الغربي من الفرز بين الإثنين جيداً، لذا ليس شرطاً أيها السادة أن نحمل مع فكر الشعراء وقيمهم الجميلة ليس شرطاً أن نحمل معها أوهامهم وخيالاتهم المريضة.. فالأمور ليست بهذه العقلية بأي حال، فبالإمكان دائماً أن نلتمس الجميل أينما وجد ونترك الفاسد أينما كان.

 

من بين هؤلاء الشعراء المتنبي بالذات له مكانة خاصة في قلبي، هذا الرجل الذي جمع الشعر والحكمة معاً في لسان واحد لطالما كانت لحروفه وأبياته الشعرية وقع خاص على قلبي وعقلي معاً. ولا أبالغ إن قلت أن هذا الرجل إذا تمت إعادة قراءته مرة أخرى بعيداً الجوانب الأدبية.. بعيداً –عن مفاعلتن مفاعلتن فعول– وتمت إعادة النظر إلى التراث الذي خلفه الرجل من منظور مغاير لهذا الذي اعتدنا أن نوزن به الشعر ونحاكمه استنادا إليه، أعتقد جازماً وبلا شك أنه لا بد وأن يحتل الرجل حينها مكانة مرموقة بين الفلاسفة والمفكرين العظام الذي مروا على البشرية من أمثال أرسطو وسقراط.. هذا بغض النظر طبعاً عن الإشكاليات حول صحة ادعاءه النبوة من عدمها، وما أثير حول ذلك من لغط وجدل تاريخي قد لا ينتهي.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة