أدب السجون.. هكذا أبدع العتوم بسرد طريق جهنم!

3/12/2018

ينتقل بنا هذه المرّة الكاتب الفذّ أيمن العتوم من بعد (يسمعون حسيسها) في تدمر إلى (طريقُ جهنّم) في بوسليم ليكتمل بذلك نِصاب الألم والعذاب اللامحدود والذي يفوقُ الخيال والوصف، ففي هذه المرّة كان سجن أبي سليم أكبر السجون والقلاع العسكريّة في ليبيا خلال عهد القذافي هو محطّ أنظار وأقلام كاتبنا. يروي لنا هذه الحكايا الشاب المُثقف طيّب الأخلاق والفكر والمعشر (علي العكرمي) التي بدأت منذ عام 1973 رحلة من العذاب تفوق خيال أقسى عذاب على هذا الكوكب، بلاءٌ كتبه الله عليه حتى رأى نور ربه في عام ٢٠٠٣ ليكمل بذلك نصاب ثلاثون عاماً من الألم والبشاعة والإجرام واللإنسانيّة واللارحمة من مخلوقات لا يمكن وصفهم أنهم من بنو البشر ولا يمكن تخيّل أنهم ذو فطرة سليمة ولا نفسيّة مُستقيمة، هم قلوبٌ نزع الله منها الرحمة كما ينزعُ الروحُ من الجسد.


بين طيّات الرواية سوف تمرّون على العديد من القصص والحكايا والأحداث، سوف تمرّون على الكثير من الآلام والأوجاع والجروح، سوف يتضح لكم جيّداً من هو معمر القذافي وما حجم الجرائم التي ارتكبها منذ أن تولى حكمه في ١٩٦٩ حتى نهايته القليلة بحقه في مواسير الصرّف الصحي في سرت في عام ٢٠١١، هذا المخلوق - واتحاشى أن أقول عنه رجُلاً - فاق كل الظُلّام في ظُلمهم وكل المجرمين في إجرامهم وكل الكافرين في كفرهم، كان بلا قلبٍ ولا رحمة ولا إحساس، كان ذو أفكار عجيبة وعقائد غريبة جداً، كان يظنُ أنه الإله والنبي والرسول وهو الذي خلق ليبيا وأوجدها من العدم.

 

أمهله الله كثيراً لكن لم يتركه وكان لا بد من نهاية تكون عبرةً لأولي الألباب والأبصار ولكل مُعتبر، فالقذافي وزمرته وحاشيته كانوا يتلذذون في طرق التعذيب ويستمتعون برؤية الدماء تسيل على الأجساد ويتقهقهون وهم يرون الانتهاكات الجنسيّة للمساجين، لم يُراعوا إلاً ولا ذمّة فيهم، كلهم من القذافي إلى مُساعديه ووزراءه إلى مدراء سجونه إلى السجّانين حتى الشرطي الذي يحرس الباب كانوا كلهم مجرمين لا توجد في قلوبهم مثقال ذرةٍ من رحمة ولا شفقة، يبدو أن القذافي أحسن زرع بذرة الشرّ فيهم فأصبحوا بأيديه كالدُمى بل ويأتون بما يتخيّله وما لا يتخيّلهُ.

الكتاب ليس بالرواية الأدبيّة فحسب بل كتاب تاريخي توثيقي سوف يُذكر في التاريخ ولا يُنسى، فلا يوجد من سرد وكتب عن هذه المأساة بهذا الشكل التفصيلي الدقيق المُلم بالأحداث والشخصيّات

كنّا في السابق نتحدث بيننا في ليبيا أن القذافي أكبر جرائمه قتل ١٢٧٠ سجيناً في بوسليم فقط ولكن من يقرأ هذا الكتاب سوف يتضح له أن هؤلاء ما كانوا إلا على هامش القتلى الذي قتلهم القذافي رغم بشاعة هذه المجزرة المتوحشة بكل ما تحمله الكلمة من معنى إلا وقد كان هناك الآلاف غيرهم من قُتلوا وعُذبوا وأحرقوا وأعدموا في الخفاء دون أن يشعر بهم أحد طيلة سنين عدّة.


في قراءاتي لهذا الكتاب عرفت حجم إجرام هذه الزمرة ومدى طُغيانهم الحقيقي، عرفتُ فيه معاني كثيرة للابتلاء وللصبر وللمحن التي لا يستطيع مُقاومتها إلا ذو جلد، رأيت فيه إمهال الله للظالمين والمُجرمين ورأيت فيه كيف إذا أخذهم لم يُفلتهم أبداً، وكيف هي عاقبة الظلم وخيمة على أصحابها، علّمتني الكثير، زادت قناعتي بأشياء كثيرة، كنت أبحث عن مثل هذا الشيء لأفهم هذا الشقّ من تاريخ بلادي بمصداقيّة ووضوح.

لربما كان الكتاب ليس بالرواية الأدبيّة فحسب بل كتاب تاريخي توثيقي سوف يُذكر في التاريخ ولا يُنسى، فلا يوجد من سرد وكتب عن هذه المأساة بهذا الشكل التفصيلي الدقيق المُلم بالأحداث والشخصيّات، ويعود هذا الفضل إلا بطل الراوية التي قصّها فأحسن في ذلك. لا زلت أقولها أن العتوم يُبدع في كل عملٍ لهُ وفي أدب السجون كان له الحظّ الأكبر فكل شيء أحسن إتقانه من السرد والتفاصيل ونقل القارئ ليعيش التفاصيل دون تكلّف ولا مُبالغة، ولا يُنسى أيضاً (علي العكرمي) وذكرياته وتدقيقه في التفاصيل كلها وإلمامه بجميع جوانب الأحداث والمواقف فكان سبباً رئيسياً في هذا الإبداع.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة