تركي لحسن
تركي لحسن
923

لماذا فشلت الثورة الشعبية في الجزائر؟

30/12/2018

الغضب الشعبي، المظاهرات، الانتفاضة، الربيع العربي والثورة الشعبية.. مصطلحات تستخدم عبثاً للتعبير عن سخط وعدم رضا الشعب عن الأنظمة الحاكمة. كما تسعى هذه الأخيرة لاستخدام المصطلحات ذاتها لوصف المارقين وعملاء الدول الأجنبية، والفئة الهمجية من الشعب التي تسعى لخراب البلاد. ذاق الشعب الجزائري الأمرّين، فقد عانى قبل الاستقلال ولا زال يعاني بعده. وكأنها علاقة ودّ وألفة قد نشأت بين الشعب الجزائري وبين المعاناة فأصبحا لا يطيقا فراق بعضهما. أو كأن المعاناة، الفقر، الحرمان، الظلم والطغيان.. قد وجدوا في الشعب الجزائري الصدر الحنون الذي يحضنهم، الشيء الذي لم يجدوه لدى الشعوب المتقدمة والواعية. فهو شعب معروف بطبعه المضياف، والجود والكرم والمروءة من صفاته المميزة.
 
تعاني الطبقات الشعبية منذ الاستقلال من الفقر والحرمان، وقد عجز النظام على أن يُحسّن من المستوى المعيشي للجماهير الشعبية بشكل يضمن نوع من الاستقرار الاجتماعي والرفاه الاقتصادي. لكن على الرغم من كل هذا، بقي الشعب صابراً ولم ينتفض. قبل أحداث أكتوبر 88 كان هناك ما سُمي بالربيع الأمازيغي - في بداية الثمانينات - الذي خلف أحداثاً دامية. إلا أن التغطية الإعلامية القاصرة آن ذاك، والنظام البوليسي، جعلا هذه الثورة الشعبية لا تتعدى حدود بلاد القبائل. أما أحداث أكتوبر 88 فلا زال الجدل قائماً حول ما إذا كانت بدافع وعي شعبي، أم ترتيب حِزبي، أم هندسة استخباراتية؟
 
وحين ثار الشعب بعد توقيف المسار الانتخابي في سنة 92 كانت الكارثة التي لم تحصد في الحقيقة إلا أرواح أبناء الشعب. لدرجة أصبحت فيها هذه الفترة بمثابة الفزّاعة التي يٌرهب بها النظام الشعب كلما همّ بالمطالبة بحقوقه وتاقت نفسه للعيش الكريم. أما الانتفاضات التي توالت بعد ذلك وكانت تنشب هنا وهناك في ربوع الوطن، فلم تكن أكثر من ثوران عاطفي تسببه لقمة العيش ليهدأ ويفتر بمجرد الحصول على هذه اللقمة. يملك الشعب الجزائري صفات متناقضة، فهو يوصف بالشعب الثائر والحر الذي لا يرضى الهوان ولا الظلم، لكنه في الوقت نفسه شعب فاق في صبره الإبل على كل أنواع الاستعباد والطغيان.
  

علمونا بأن نرضى ونقتنع بما جادوا به علينا لأنه طبع محمود.. علمونا بأن نصفق للمسؤول وألا نولي أهمية لما يقول ما دمنا نملك قوتنا اليومي وراتبنا الزهيد.

التناقض الذي يميز الشعب الجزائري والمتمثل في السلوك الانفعالي من جهة والصبر والسكوت على المظالم من جهة أخرى، راجع لطبيعة هذا الشعب اللاعقلانية. فغياب ملكة التعقل وانعدام العقلانية الاجتماعية، تجعل هذا الشعب يثور ويغضب لأتفه الأمور حتى دون معرفة الأسباب، ويهدأ ويعود إلى حالته الطبيعية ويقتنع بأتفه المبررات. لم تتخلص المجتمعات الأوروبية من ظلمات العصور الوسطى إلا بفضل العلم والعقلانية. وكان ماكس فيبر قد وصف هذه الظاهرة بمصطلح (نزع السحر Désenchantement )، أو التخلص من الوهم، وكأن هذه المجتمعات كانت مسحورة، من خلال تبنيها للتفسيرات الخرافية والغيبية، ثم جاءت أنوار العلم والعقل لتٌخلّص هذه المجتمعات من السحر.
 
إذاً كانت هناك ميزة أساسية يمكن أن نصف بها الشعب الجزائري فسنقول أنه شعب انفعالي، عاطفي، وجداني، يفتقد للعقل وللعقلانية. وبدون عقلانية لا يمكن الوصول إلى وعي حقيقي بالأزمات التي يعيشها. وبدون علم لن يستطيع أن يتخلص من أوهامه الخرافية التي تسيطر على عقله ومخيلاته الاجتماعية. فهذا الشعب الذي يعتقد أنه قد حيزت له الدنيا بحذافيرها بمجرد أن يحصل على قطعة أرض أو سكن اجتماعي، أو دعم مالي زهيد.. هو شعب لا يدرك أن أزمته أكبر وأشمل من حقوقه الدنيا التي يتصدقون بها عليه وكأنها هدايا وعطاءات يتكرم بها النظام على الشعب.

هذا الشعب الذي يعتقد ويؤمن إيماناً راسخاً بأن الراقي هو من يستطيع أن يفك عنه الغبن وأن يخلصه من مشكلاته الاجتماعية والاقتصادية.. ويؤمن إيمان العجائز أن الساحر والمشعوذ يملكان حلولاً نهائية لمشكلاته العلائقية، وبإمكانهما مساعدته في تحقيق أهدافه والوصول إلى طموحاته، شعب بهذه المعتقدات الخرافية يسهل التحكم فيه والتلاعب بعقله. فرق شاسع بين الانفعال والثوران لأتفه الأمور، وبين الوعي الحقيقي بالأزمات والمطالبة العقلانية بتحسين الأوضاع. لقد أفلح النظام في إقناع المواطن بأن يرضى بالاختيار بين الأسوأ والسيئ. لقد نمذجنا النظام وفق تنشئة اجتماعية شمولية، كي لا نُخالف أو نُعارض آراء السادة والقادة فهذا سلوك مذموم ومنبوذ.

علمونا بأن نرضى ونقتنع بما جادوا به علينا لأنه طبع محمود.. علمونا بأن نصفق للمسؤول وألا نولي أهمية لما يقول ما دمنا نملك قوتنا اليومي وراتبنا الزهيد. لا يمكن أن تسمى ثورة إلا تلك الهبّة الشعبية التي يؤطرها العقل وينير طريقها العلم، ولا تتوقف عند المطالبة بالحقوق الدنيا، بل تتعدى ذلك للمطالبة بالحرية والعدالة والمساواة والعيش الكريم، ولا تفتر ولا تهدأ إلا بعد القضاء على كل آليات الظلم والطغيان والاستعباد واجتثاث كل جذور الفساد. ولن يتأتى هذا إلا من خلال ثورة فكرية وعقلانية تُحارب وتقضي على الجهل القابع في الضمير الجمعي للمجتمع، وتمحو آثار الفساد المتفشي في مخيلاته الاجتماعية.

يُخرب المسؤولون البلاد ويعتقدون أنهم أكثر وطنية من غيرهم، وحين يثور الشعب ضدّهم يشككون في وطنيته. ينهبون ثروات البلاد باسم الشرعية التاريخية والثورية، فإذا انتفض الشعب اتهموه بالقصور والسفه وعدم امتلاك الأهلية. لهذا وجب على الشعب الجزائري أن يمتلك عقلاً ووعياً يمكنانه من كشف ألاعيب النظام والتخلص من سحره.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة