والله قد عبتم على ما أقررتم لابن الخطاب

30/12/2018

لدينا تصور داخلي بأن الآخر أفضل، وبأن ما لا نملكه بين أيدينا يمتاز عما هو متاح بمزايا لا نحاول حتى حصرها؛ لظنِّنا بأنها لا تحصى، شيء ما يجعل التمرد حالة نعيشها وليس مجرد صفة تتغلب علينا أو نغلبها بحسب الظروف، حتى الأوطان نهجيها في عقر أحضانها ثم نغدقها مديحاً في بُعدها. نتوق لمدينة فضلى بعيداً عن الفضائل، ذلك ليس بالأمر الغريب، بل هو جزء من النقيض الذي نعيشه، ذلك ما جعل كل المدن الفاضلة كما تناولها الفلاسفة في أبحاثهم المستفيضة ورغم كل ما أحدثوه من تطور على الفكرة الأم بقيت المدينة الفاضلة وهماً بعيداً لم ير الوجود.. ولن يراه.

منذ أوجدها أفلاطون لتكون مجتمعاً ضيقاً يستند إلى الفضيلة كمرتكز أساسي وحتى طوّرها الفارابي لتكون أقرب إلى التحقيق كما ظنّ وجعل لها مفهوماً أوسع بحيث تكون مجموعة من المجتمعات أو الأمم المتحالفة فيما بينها، على أن تبقى الفضيلة شرطاً لتحقيقها فأراد بذلك مجتمعات إنسانية فاضلة ومتحالفة، أيمكن أن يكون هناك وهم أكبر من اجتماع التحالف والفضيلة معاً ونحن غالباً ما نتوغل بالحرب والرفض، حرب الفضيلة ورفض التحالف.

 

ذلك البعد المتناقض القديم المتجدد الذي يرسو في خوالجنا، جعل من ثورات زماننا بدايات حارقة، فلم ترتق أي منها إلى ما هو أبعد من البداية، بعضها تحولت إلى حروب قضى فيها من قضى

من أقسى الثورات عبر ممرات التاريخ، إن جاز لي أن أسميها ثورة، فهي تكاد تكون نقطة سوداء لها عبرها ولها مآخذها، مقتل الخليفة عثمان بن عفان، الذي جعل بيته بيتاً لمال المسلمين قبل أن يكون للدولة آنذاك بيت مال، والذي زاد الخير في زمن خلافته وزادت الثروات واتسعت الدولة، وقد واجه أصعب منعطفات وأزمات قد تمر بخليفة أو حاكم، ففي بداية حكمه بعد مقتل عمر بن الخطاب زادت الفتنة وانسحبت الدول الكبرى مثل الروم والفرس من معاهداتها السابقة مع الدولة، فواجه ما يشبه الردة ممن هم خارج الدولة ونزاعات داخل دولته، واستطاع أن يدير الأزمة بإدارته وخبرته، وفي زمنه واجه الغزوات البحرية التي لم يعهدها خليفة قبله، فعمر بن الخطاب كان يتجنب أي مواجهات بحرية ويفضل الصلح على ركوب البحر، لكن مواجهة الغزوات البحرية فُرضت على عثمان للمرة الأولى واستطاع أن يديرها رغم أنها تعد سابقة.

 

الكثير من المواقف أدارها عثمان بدراية وفطنة وشواهد الأحداث والتاريخ لا تحصر، ورغم مكانته وأمانته ومواقفه، كان من انقلبوا عليه حتى قتلوه يتهمونه بالضعف، أما دليلهم لضعفه هو منهج الشورى الذي اتبعه عثمان،  وانقياده لمستشاريه، -الشورى- التي حتماً لو لم يتّبعها لاتهموه بأنه أحادي الرأي ومتفرد بقرارات دولته، فقد رفضوا خلافة عمر بن الخطاب من قبله لشدته وحزمه، فروي أنه عندما حضرت الوفاة أبا بكر، سأل بعض الصحابة حوله عمن يتولى الخلافة بعده وأشار إلى عمر، فذّكروه بشدته وقسوته، فأجاب أبوبكر: إنه يشتد لأنه يراني رقيقاً فإذا وكل إليه الأمر فلا خوف من شدته. فلا هم رضوا باللين ولا بالشدة، بل وكثرت بعدها المقارنات في زمن عثمان بينه وبين عمر بن الخطاب، ومن خطبته بعد تفاقم الفتنة، "ألا فقد عبتم على ما أقررتم لابن الخطاب بمثله، ولكنه وطّنكم برجله، وضربكم بيده، وقمعكم بلسانه فدنتم له على ما أحببتم وكرهتم، ولنت لكم وأوطأتكم كنفي وكففت عنكم يدي ولساني فاجترأتم عليّ".

 

ذلك البعد المتناقض القديم المتجدد الذي يرسو في خوالجنا، جعل من ثورات زماننا بدايات حارقة، فلم ترتق أي منها إلى ما هو أبعد من البداية، بعضها تحولت إلى حروب قضى فيها من قضى دون أن يعلم إن آلت روحه العابرة دعامة تسند عقيدة التغيير التي آمن بها، وبعضها الآخر لم تؤت أوكلها وعادت بثوارها إلى ما قبل البدايات وأقسى، وحولت عقائد الثوار التي ظنوا أنها تجمعهم إلى خصومات ضيقة وطمست أهداف ثوراتهم، وانقلبت عليهم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة