هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




بوعرفة عبد القادر
بوعرفة عبد القادر
404

نظرية الطاقة الحيوية.. جدلية الهدم والبناء

31/12/2018

يمثل الفردُ الحالة الطبيعية للكائن البشري، ويصبح بمقتضى ذلك كل البشر أفرادا وليسوا أشخاصا، فالفردية تعتبر حالة سلبية للإنسان، باعتبارها صورة بدائية له ينبغي أن يتعالى عنها، عن طريق الانتقال من الفرد إلى الشخص. ومشكلة الإنسان تكمن في كونه يُخزن طاقةً حيويةً، متمثلة أساسا في الحاجات البيولوجية التي أوردها كثير من الفلاسفة بأسماء متنوعة ومتعددة، بل اعتبرها البعض العامل الأساس لظهور الإنسان الصانع والمفكر كما رأى هنري برغسون، حيث اعتبرها طاقةً حيويةً تدفع الإنسان دفعا للانسجام مع عالم الأشياء.

 

والمنحنى الفكري نفسه، نلاحظه عند مالك بن نبي، الذي تحرر من النزعة الكلاسيكية الإسلامية التي تهمل الطاقة الحيوية معتبرة إياها دنسا، فحاول أن يبين مدى ضرورة الاعتماد على الطاقة الحيوية كوسيلة لبناء الإنسان المرجو. والإشكال الذي يفرضه منطق الواقع، كيف يمكن للطاقة الحيوية أن تدخل ضمن العناصر الأساسية لبناء الإنسان؟

 

الإجابة ترتكز أساسا على ما يأتي:

الانسجام: مطلب ضروري بين جميع القوى الفعالة في البنية الإنسانية، للمحافظة على الانسجام الذاتي، والذي يتطلب من المجتمع وضع القيم والأطر التي ترشد الطاقة الحيوية نحو الأفضل، والتحرر من الفوضى الحيوية التي تهدم الإنسان وتخرجه من مرحلة التحضر إلى ما بعده.

 

التكيف: يفرض الواقع على الإنسان أن يتكيف مع شروطه الراهنة، فإذا كان العالم البيولوجي لامارك، حدد فرضا، أن الوظيفة تخلق العضو، فهذا يعني أن الطاقة الحيوية هي أحد أبرز العناصر التي تجعل الإنسان يتكيف مع الواقع.

 

عندما نقيد الطاقة الحيوية، فإننا نهدم المجتمع نتيجة تعجيز الفرد، لأن الطاقة الحيوية تفقد شحنتها المحركة الدافعة إلى النشاط، وترتكن إلى السكون والعطالة

ولقد ورد في كتاب العالم الروسي Serge Takhotine "اغتصاب ضمير الجماهير" أن الطاقة الحيوية هي مجموعة الدوافع التي تحرك الفرد نحو الفعالية، وقد حددها في أربعة عناصر هامة:

 

1- الدافع الغذائي علامته الفم المفتوح. 

2- الدافع الجنسي علامته البحث عن الشريك.

3- الدافع التملكي علامته التسلط.

4- الدافع للبقاء علامته التكيف.

 

وإذا كان العالم Takhotine يربط هذه العناصر بالبناء باعتبارها دوافعَ خلاقة، فابن نبي يعتقد أن الدوافعَ الحيوية ليست دوما عامل بناء، وإنما تتحول في أغلبها إلى عامل هدم وتحطيم، من خلال حالتين للطاقة الحيوية:

 

1- حالة الفوضى:

عندما يُطلق العنان للطاقة الحيوية، فإنها تهدم المجتمع، حيث يفقد الفرد روح الانتماء، وينغمس في فردانيته، وهذه الحالة نلاحظها اليوم بشكل واضح في إنسان الغرب، خاصة حين سادت الأشياء. كما هي علامة من علامات نهاية مرحلة التحضر، وعلامة خروجه من حلبة الصراع والتدافع. إن الوجودية كانت صرخة قوية، نتيجة فوضى الأشياء والأفكار، فالحرية الجنسية كانت من أبرز علامات الأفول والانحلال، ولا عجب أن يتنبأ شبنجلر بقرب سقوط الحضارة الغربية، خاصة حين وصل الإنسان إلى هذه المرحلة الخطيرة. تصبح عندئذ، نظرية داروين أقرب إلى الصواب من منظور فلسفة الانتخاب البيولوجي(Sélection Biologique)_أي البقاء للأقوى_ في حين أن المنطق الإنساني يقر البقاء للأفضل.

 

2- حالة القيد:

عندما نقيد الطاقة الحيوية، فإننا نهدم المجتمع نتيجة تعجيز الفرد، لأن الطاقة الحيوية تفقد شحنتها المحركة الدافعة إلى النشاط، وترتكن إلى السكون والعطالة. شهد المجتمع الإسلامي مع نهاية الحقبة العباسية، فكرا صوفيا، وحركات ونحل، جعلت من قمع الطاقة الحيوية غاية لها، فانجر عنها الانحطاط، سمى القرآن هذه الحالة السلبية بالرهبانية المبتدعة. وعليه يرى مالك بن نبي بأن بناء الإنسان لن يكتمل إلا بمراعاة الطاقة الحيوية وفق مجال حيوي منسجم، ونظرية الحدين تثبت ذلك.

 

                       الإفراط=هدم

الطاقة الحيوية=       التوسط=بناء

                      التفريط=هدم

 

إن وضع الوسطية كحل لمشكلة الطاقة الحيوية، لا يعتبر حلا مفيدا وناجحا، لأن النظرية تجد نفسها أمام أزمة التطبيق. وعليه طرح الإشكال الآتي ضروري: ما القوة أو السلطة التي تخضع الطاقة الحيوية إلى نظرية الحدين والوسطية؟ لا يمكن وضع الطاقة الحيوية في مجال الحدين إلا إذا رجعنا إلى سلطة روحية واجتماعية. وتتمثل السلطة الروحية في حضور الفكرة الدينية، وليس كل دين يحمل ميزة ترويض الطاقة الحيوية، فالمسيحية مثلا، أرادت أن تلغي الدافع الجنسي واستبداله بفكرة القديس العفيف، أي الدعوة إلى الرهبنة الكاملة، لكن الواقع المسيحي داخل الكنيسة يعاني فوضى جنسية بلغت درجة اللامعقول. إن فلسفة القمع والرهبنة تهدم الإنسان؛ وعليه، كان ينبغي على المفكرين أن يتجهوا نحو فلسفة الاحتواء، بدل فلسفة الرفض والإقصاء.

 

يحمل الدين الإسلامي في روح نصوصه الحيوية، فلا تقيد مطلق ولا حرية مطلقة. فلو أخذنا ظاهرة الخمر باعتبارها تمثل حالة لذة مرتبطة بالدوافع البيولوجية والنفسية، فإن النص القرآني تعامل مع ظاهرة الخمر بطريقة فذة، جعلت الضمير الإسلامي تُطبع على صفحاته وسطية التعامل مع الطاقة الحيوية. أورد مالك بن نبي مقارنة رائعة وموضوعية بين قوة السلطة الروحية والسلطة القانونية، كمثال القرآن والقانون الأمريكي في معالجة ظاهرة الخمر.

1_نصٌ أدخل المشكلة في ضمير المسلم ويمثل حلا نفسيا (التكريه).

2_نصٌ أدخل المشكلة في سلوك المسلم ويمثل حلا تربويا (التحرير).

3_نصٌ أدخل المشكلة في قانون المسلم ويمثل حلا تشريعيا(التحريم).

 

الطاقة الحيوية، ينبغي أخذها بعين الاعتبار في بناء الإنسان، عن طريق وضع نظرية ذات بعد عملي، وأن الإنسان الشاهد عند بن نبي ليس كالإنسان الفاضل عند أفلاطون

مواقع التواصل
 

ولعل عائشة (ر) أدركت أن القرآن لو لم يتبع هذا الأسلوب في معالجة ظاهرة الخمر، ما كان لرجل أن يتبع الرسول. إن التدرج وفلسفة الاعتدال في معالجة مشاكل الطاقة الحيوية، جعلت المسلمَ يتعامل مع الخمر من موقف وعي وعزم. ولنأخذ الولايات المتحدة الأمريكية حين تعاملت مع ظاهرة الخمر، فبعد الحرب العالمية الأولى أصدر التشريع الأمريكي مرسوما ينص على تحريم الخمر والمعروف بقانون(VOLSTEAD) ولنلاحظ الخطة:

1_1918_ الصحافة تطرح المشكل على الرأي العام_ الإعلام

2_1919_المشكل يناقش دستوريا                _التشريع

3_1919_ إصدار قانون التحريم                 _التحريم

 

من خلال المثالين نحاول إجراء مقارنة بسيطة بين طريقتي المعالجة، حيث يبدو مدى التشابه في معالجة مشكلة الخمر، لكن الحقيقة خلاف ذلك، إن القرآن حين عالج المشكل، أخذ بعين الاعتبار العامل الزمني، فالتحريم القطعي كان بعد عشرة سنوات كاملة، أما فولستد في ظرف سنتين فقط.

 

استوعب الضمير الإسلامي الفكرة وطُبعت في أسطوانة أفكاره، فصارت نغما متوافقا مع روحه، أما الضمير الأمريكي لم يستوعب الفكرة، بل اعتبرها غير ملائمة له تماما. استطاعت نتائج التحريم في القرآن أن تروضَ الطاقة الحيوية، ويصبح الإنسان الشاهد حتى في حالة تعاطيها شاعرا بالندم والذنب، وعلى امتداد أربعة عشر قرنا لازال النص الحيوي يحظى بحضوره المتميز في ضمير المسلم. بينما مرسوم فولستد، رغم قوة إرادة السلطة، لم يستطع أن ينجح، بل التاريخُ أثبت خطورة الأمر في الأواسط الأمريكية بعد قانون المنع، مما جعل السلطة تتراجع عنه.

 

والمماثلة السابقة، بين أسلوبين في التعامل مع الغريزة، تبين مدى الأبعاد الحضارية والفلسفية للإسلام. ولعل بن نبي يحاول إبراز أن الأفكار الموضوعية، عندما تتعامل مع الطاقة الحيوية تتخذ سبيلين، فإما الإفراط أو التفريط، وكلاهما عائق مشل. تحتاج السلطة الروحية في ترويض الطاقة الحيوية إلى دعم مادي من السلطة الاجتماعية، فشبكة العلاقات الاجتماعية بما لديها من قنوات، تستطيع ترويض الطاقة الحيوية، من خلال توجيه الفرد إلى:

أ- فكرة الجمال: وفق حدس الفرد للأبعاد والغايات المرتبط بطاقته الحيوية.

ب- فكرة المنطق: التعامل مع الغريزة وفق معايير المنطق العقلي.

ج- فكرة العمل: تجسيد الحدوس الجمالية أخلاقيا واقتصاديا.

 

نخلص من كل ما سبق، أن الطاقة الحيوية، ينبغي أخذها بعين الاعتبار في بناء الإنسان، عن طريق وضع نظرية ذات بعد عملي، وأن الإنسان الشاهد عند بن نبي ليس كالإنسان الفاضل عند أفلاطون، فالأول يعتمد على جوانب متعددة ولم يهمل الطاقة الحيوية، عكس أفلاطون الذي اعتبرها فاتحة الشّر ومطية الدّنس.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة