هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




أمين أمكاح
أمين أمكاح
14.2 k

السلام الذاتي للقلوب الطاهرة فقط!

8/12/2018

لا يخفى على أحد تنوع منابع السعادة إذ يستحيل جلبها بشيء واحد فقط، لأنها تستدعي تواجد أشياء متعددة تتراكم في القلب ويكون لها وقع إيجابي على الذات البشرية، لهذا فالناس كلهم يبحثون عن مواطن السعادة ويحاولون ولوج ثغورها، ومن هنا قررنا التحدث عن السلام الذاتي الذي يعتبر من أهم العناصر المركبة التي تصنع السعادة في حياتنا، كما أن وصول المرء إلى هذا السلام في حد ذاته نجاح عظيم لا تصنعه الصدف ولا يأتي هكذا عبثا، بل إنه يتطلب قلبا طاهرا مليئا بالرضا القوي عن الذات وعلى كل ما يصدر منها بالقدر الذي لا يستطيع أحد انتزاع ما تحمله من خير وصلاح، وإن تم حبس الإنسان في مكان مغلق فسيتمكن من الاستمتاع بنفسه؛ وهذا هو المعنى الحقيقي للسلام الذاتي.

 

ولهذا يستدعي حصول السلام الذاتي فهم الإنسان لنفسه ليسهل نيله على الدوام، بغض النظر عن الوضع الاجتماعي للإنسان وظروفه الشخصية وعلاقاته الخارجية، نظرا للارتباط الشديد لهذا النوع من السلام بالقلوب الطاهرة بعيدا عما يحيط بحياة الإنسان من سوء؛ لهذا يظل ما يحدث لنا على المستوى الخارجي ليس ذا أهمية كبيرة إذا ما كنا نتمتع بالسلام الذاتي، وهذا ما يذكرنا بقول ابن تيمية رحمه الله:" ما يصنع أعدائي بي؟! فجنتي في صدري، وسجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة.

 

إننا نتحدث هنا عن السلام الذاتي الذي يكتسح حياة أصحاب القلوب الطاهرة، فبه ينالون السعادة والهناء رغم مواجهتهم للصعوبات والمشاكل في حياتهم، فهذا النوع من السلام له علاقة وطيدة بالمشاعر المتصلة بالمواقف الحياتية التي يعيشها المرء والتي تأخذ حيزا كبيرا في قلبه، فلا توجد قوة في العالم تستطيع أن تسلب من الإنسان سلامه الذاتي ما دام أن قلبه خال من الشوائب التي تلوث طهره.

 

السلام الذاتي ضروري لنيل السعادة وراحة البال، ولا يمكنه أن يتحقق بدون تخلية القلب من الضغائن وتحلية النفس بفضائل الأخلاق، وعمليتي الإفراغ والتعبئة لا تأتيان بسرعة

ليس مهما أن نرد تعريفا وتفصيلا لمصطلح السلام الذاتي، لكن الأهم أن نعرف كيف نعيشه في حياتنا؟ وما الذي علينا فعله لتتذوقه أنفسنا؟ لكي يسهل الكشف التشخيصي لأهم مزاياه وخصائصه وآثاره الجليلة على النفس، فكثيرون منا لا يعرفون أسرار السلام الذاتي ويجهلون الأمور التي يمكن بفضلها أن نكون تحت ظلال هذا السلام، فإحساسنا بالشيء يبقى ناقصا من دون ما أن ندرك حقيقته الكاملة التي بفضلها يكتمل كل ما نحس به.

 

إن الفاقد للسلام الذاتي في حالة حرب مستمرة مع نفسه التي لا تهدأ، فأغلب رغباته تتجاوز القدرات التي يمتلكها، الشيء الذي يجعله يرضى العيش وفق نمط حياتي لا يرغب فيه وغير مرتاح فيه بتاتا، وإن تلذذ بما يصنعه ويقوم به في حياته، فهو يقبل على الدنيا بلا عزيمة وبرؤية غير صائبة تجعله يخضع للظروف المحيطة به، مما يعني عدم استطاعته الاعتلاء بروحه ونفسه لأحسن الأحوال. ومن المؤكد أن السلام الذاتي من أعلى المراتب الروحية التي تجعل المرء متصالحا مع نفسه بصفاء قلبه، وهذا ما يفتقده الكثيرون بالرغم من حاجتنا جميعا إليه لكونه مقصد حياتي لا غنى عنه لتحقيق التوازن النفسي، فكلما كان الإنسان متصالحا مع نفسه إلا وصار الأقرب إلى السلام الذاتي من غيره.

 

وتتحصل الذات على السلام بشكل غزير حين يكون القلب طاهرا متخليا عن الأفعال والتصرفات السلبية مثل: البحث عن الكمال في كل ما يصنعه ويبتغيه، وكإلقاء اللوم على الآخرين، وتمرير الأوهام الواهية والمعتقدات الفاسدة إلى التفكير البشري لمحاولة إقناع النفس بما تقوم به من سلوكيات منحرفة عن الحق والصواب الأخلاقي.

 

وعلى أية حال، فالسلام الذاتي ضروري لنيل السعادة وراحة البال، ولا يمكنه أن يتحقق بدون تخلية القلب من الضغائن وتحلية النفس بفضائل الأخلاق، وعمليتي الإفراغ والتعبئة لا تأتيان بسرعة وفي دفعة واحدة، لأنهما تحتاجان لعزيمة قوية، ولجهاد نفسي مستمر مع عدم تجاهل نداء الضمير الحي، وهذا بحد ذاته دافعا كبيرا للتعامل العفوي الذي لا تكلف فيه مما يضمن التصرف بشكل سوي بعيدا عن فعل الأشياء التي من ورائها مقابل، فالعطاء الإنساني النبيل لا يقترن بالسلوك المبني على النفعية الذاتية فحسب.

 

ففي حالة السلام الذاتي تصبح تصرفات الإنسان سلسة ومتوافقة مع باطنه النقي، لأن الشخص الذي وجد هذا النوع من السلام يتوفر على قدرة كبيرة في مقاومة الفساد الخارجي، كما أنه يتمتع بقوة عظيمة؛ إذ لا يمكن التحكم فيه البتة والنيل من ثقته في إمكانياته، بالرغم من أنه معرض بشكل مستمر للتهديد إلا أنه يتمكن بسهولة من مقارعة الصعاب الدنيوية الذي تعترض مشواره الحياتي.

 

ومما لا شك فيه أن تسليط التفكير على ما هو آني يمنح الفرد نوعا من اليقظة الداخلية التي تمكنه من الشعور في القلب بسلام ذاتي، فيصير الإنسان بذلك مركزا تفكيره في معايشة اللحظة الراهنة بدلا من إجهاد تفكيره فيما مضى أو ما هو آت، فإفراط التفكير في الماضي سيقوده إلى الإحساس بمشاعر سيئة من قبيل الشعور بالندم، وتدقيق تفكيره على المستقبل سيسبب له الكثير من القلق، في حين أن تركيز تفكيره في الحاضر المعاش سيجعل ذهنه يشتغل بشكل مثالي بعيد عن كثرة المشوشات التي قد تعبث به.

 


من هنا تظهر أهمية تعويد النفس على حسن تقييم الظروف المعاشة والاعتدال في النظر إلى المواقف الحياتية، لما لذلك من فعالية في التخلص من كثير من الأثار السلبية الناجمة عن المساوئ التي تصيبنا، ولا ريب أن الاعتياد على النظرة المتزنة لكل ما نمر به هو الحل الأمثل لتحقيق السلام الذاتي الذي لا يقتضي أن ينعم الفرد بحياة خالية من أي منغصات، لكنه يشترط التوفر على قلب طاهر.

 

ويبقى قبول الذات أمر حاسم في الوصول إلى السلام الذاتي كيفما كانت الظروف التي نمر بها، ومهما اشتدت الآلام التي نتجرعها، فالذي الذي يدع العراقيل والمكدرات الحياتية تؤثر في أفعاله يصعب عليه تعديل صفاته السلبية وأخذ القرارات الصائبة، لأن السلام الذاتي قائم على اختيارات متوافقة مع الضمير الواعي والقلب الطاهر لكي يحيا الإنسان حياة جميلة أسسها الصدق والمصداقية، بخلاف الذي يكون اختياره قائما على النفاق الاجتماعي والتبرير البراغماتي، فمنابع السلام الذاتي صافية لا تختلط بشيء معيب أخلاقيا.

 

وتجدر الإشارة إلى أن السلام الذاتي نتاج شخصي يكون بدون عون من أي طرف آخر كيفما كان، فكن إنسانا بمعنى الكلمة والتزام بالقيم النبيلة كالصدق والوفاء ومحبة الناس ومد يد العون إليهم، فذلك سيمنحك قدرا كبيرا من السلام الذاتي، ويبعدك عن التوتر والقلق الذي يعاني منه الأشخاص المشحونين بالكراهية وحب الانتقام والانشغال بأمور غيرهم، وتذكر أن إعمال التفكير فيما يفعله غيرك هو مجرد هدر للجهد والوقت، واعلم أن نيل السلام الذاتي يتعلق بك وحدك فأنت من تتحكم بذلك لا غيرك، والقرار في يدك فاختر ما تشاء وترضاه لنفسك.

 

في الختام، ينبغي على المرء أن يدرك حقيقة السلام الذاتي الذي لا يمكن له أن يكون مجرد محطة نصل إليها بل هو بمثابة رحلة دائمة لا تخلو أبدا من الضغوط والظروف الطارئة التي تباغت الإنسان في مشواره الدنيوي، وإن كان الواقع مؤلما وقاسيا، ومهما تمكنت المعاناة الجسدية من التأثير على الراحة الذهنية إلا أن الرغبة في الوصول للسلام الذاتي يلزم أن تبقى ثابتة، وهذا ما سيجعل الفرد بالذات قادرا على تجاوز المحن والآلام، فالاستمتاع القلبي بكل ما تحمله هذه الحياة أمر مطلوب بشدة للتغلب على ما يمكنه أن يكون سببا للشقاء والتنغيص في الدنيا، والمهم من هذا كله أن يظل المرء صاحب قلب طاهر دائم المبادرة إلى العطاء الإنساني السخي حتى وإن لامس السلام الذاتي في حياته.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة