إبراهيم نصر الله
إبراهيم نصر الله
1.1 k

الفن نصيرًا للفاشية.. حينما تتضخم الأنا

18/2/2018

في فيلمه الرائع (وردة القاهرة القرمزية) يخرج بطل فيلم وودي ألن، هذا، من الشاشة، بعد أن وقع في غرام امرأة تشاهد الفيلم في الصالة، ليبدأ فصل جميل من أفضل فصول السينما وأكثرها رقة وخيالا. يحدث هذا بصورة أخرى في فيلم (قضية رقم 23)، ولكن الأغرب هنا أن من يخرج من الفيلم لينطق بلسان أبطاله، هو مخرجه زياد دويري، ليعيد ما قالته إحدى شخصيات الفيلم، في قباحة لم تعرفها إلا السينما الصهيونية، حين يعيد جملة تضمنها الفيلم، في لقاء صحفي معه (يا ليته شارون مَحاكم عن بكرة أبيكم) والمقصود هنا هم الفلسطينيون!

 

محيّر أمر دويري هذا، الذي بدا مخرجا مبشرا بالكثير في بداياته، بتقنيات عالية، وحساسية سينمائية رائعة، لكنه سخرها في النهاية لفعل الإبادة، كما تسخِّر أي قوة إمبريالية عظمى تقدُّمها وتقنياتها لإبادة الشعوب في كل مكان.

 

لكن الدويري الذي يمكن أن يُسخِّر تقنياته الفردية لإبادة شعب بأكمله، لا يكتفي بهذا، لأنه يضع نفسه في مرتبة عالية مساوية لقوى الغطرسة العالمية، من الكيان الصهيوني، حتى أمريكا، حين يذهب بعيدا في هجومه على الفلسطينيين، إذ يُصرّح: (صراعي ليس مع إسرائيل اليوم. صراعي هو مع حركة المقاطعة العالميّة BDS. وهم لا يخيفونني. أنا أخيفهم!)

 

غريب كيف يقوم دويري بحشد نفسه المفردة، في فيلم (جنون العظمة) هذا، من أجل كرامة شخصية رأى أنها أهينت، بسبب الهجوم الكبير عليه، في العالم العربي وكثير من دول العالم، لتطبيعه المكشوف مع قتلة تدينهم كل المواثيق والقرارات الدولية وكل الضمائر الحيّة. فها هو، يقوم ببطولة فيلم غريب بنفسه، منتقلا من خلف الكاميرا إلى أمامها، ليلعب دورا تكون فيه الضحية هي الشرير، والقاتل العنصري هو الطيب. وفي ذلك قبح لا مثيل له في معادلة (الطيب والشرير والقبيح) التي حملها اسم الفيلم الآسر للمخرج العظيم سيرجيو ليوني. دويري هنا، مستعد للقيام بمساعد للسفاح شارون، في مهمة إبادة الشعب الفلسطيني، وهو، أي دويري هنا، لا يختلف عن أي زعامة عربية كانت مستعدة لإبادة شعبها مستعينة بأي قوة ظالمة قاتلة، من أجل أن تحافظ على موقعها، وهذا منطق لم نعرفه في (الفنانين) بل في الطغاة الكبار والصغار.

 

بعض الناس، إذا ما وصلوا القمة، لا يستطيع أحد أن يراهم، لأنهم يُضمرون العتمة الأكثر حلكة بداخلهم، وبعض الناس يصلون للقمة فنراهم بوضوح، لأنهم يضمرون بداخلهم كل القيم التي أنارت للبشرية طريقها

وتتضخم ذات دويري، بحيث يعلن أن صراعه مع حركة المقاطعة هو الأساس، هو مشروعه، ويعلن أنه لا يخاف منها! من الغريب أن تتضخم الذات إلى هذا الحدّ أيضا، فالكيان الصهيوني الذي لديه واحد من أقوى جيوش العالم، المعزز بقنابل نووية، يرتجف هلعا من حركة المقاطعة، وهو يعرف إلى أي مدى هي مخيفة، ولذا يحشد ضدها الملايين والقوانين الظالمة والتهم والعقوبات، وكل الدول الحاضنة للعنصرية الصهيونية، في حين أن دويري لا يخشاها! وهي شجاعة لم يستطع بنيامين نتنياهو التمتع بقليل منها ليقول ما قاله المخرج الكوني!

 

ما يفعله دويري اليوم نموذج فريد لتعظيم الفرد لذاته، وسقوط الفن بفجاجة غير مسبوقة في عالمنا العربي على الأقل، وكثير من بلاد العالم، ممهدا طريق محو البشر بنشر الكراهية ضدهم، وهذا ما فعلته نماذج كثيرة مهدت لاستعمار الشعوب قديما، ونماذج جديدة، مهدت للقضاء على كل شعلة نور، ومثل هذه الأعمال، قام بها سبيلبيرغ، رفيق دويري هذه الأيام في عنصريته وانحيازه للكيان العنصري حين يعلن استعداه بالتضحية بحياته من أجله. سبيلبيرغ هذا كرّمه البنتاغون، ذات يوم، بمنحه جائزة خاصة لإخراجه (إنقاذ الجندي ريان)، المتغنّي بإنسانية الجيش الأمريكي، رغم المسافة المهنية الشاسعة بين دويري ورفيقه.

 

حالة دويري أعقد من أن يحللها مقال، أو مقالات، فالتاريخ البشري عايش دائما هذه الطفرات السرطانية في مسيرته، لكن، ولحسن الحظ، فإن الحضارة الإنسانية باتت أعمق من أن تبتلعها طفرة كهذه، كبيرة كانت، أو متناهية الصغر.

 

وبعد:

يمضي دويري بخطى، تبدو واثقة بالنسبة إليه، إلى جائزة الأوسكار، بفيلمه الأخير، لكن ما ثبت دائما، أن بعض الناس، إذا ما وصلوا القمة، لا يستطيع أحد أن يراهم، لأنهم يُضمرون العتمة الأكثر حلكة في داخلهم، وبعض الناس يصلون إلى القمة فنراهم بوضوح استثنائي، لأنهم يضمرون في داخلهم كل القيم التي أنارت للبشرية طريقها نحو الحرية والعدالة والتقدّم والجمال.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة