أنس أنزار
أنس أنزار
5.4 k

قضية طارق رمضان.. اغتصاب أم اغتيال للشخصية؟

22/2/2018
لا شك أن "الاغتصاب" من أصعب المواضيع التي يمكن للمرء مناقشتها دون أن يتحسب خطواته وأخذ الحذر من التقليل من معاناة الضحية -في حال صحة الادعاء- أو الوقوع في اغتيال الشخصية -في حال تبين براءة المتهم- فالفرق شاسع بين أن تكون متهما وأن تكون مدانا، كما الفرق هائل بين المدعي(ة) والضحية. ولكن الأخطر من ذلك كله هو تكالب المنابر الإعلامية والصحفية والسياسية على إدانة الشخص بجرم تقشعر له الأبدان خاصة لو كان الأمر يتعلق بمفكر إسلامي، وخصم سياسي معهود للنظام الفرنسي.
 
كريستيل و هندة عياري.. القصة من بدايتها
توجه طارق رمضان نهاية شهر يناير كانون الثاني إلى باريس في تلبية لاستدعاء من الشرطة الفرنسية للتحقيق في ملفين يتعلقان بفرنسيتين اتهمتا طارق باغتصابهما، ولكن منذ ذلك، الوقت انقطعت أخبار المفكر الإسلامي -وهو سويسري من أصل مصري وحفيد مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا- ولا يسمح لزوجته وعائلته بزيارته أو التواصل معه، ذلك بقرار من قضاة المحكمة دون الإدلاء بأي تبرير.

زوجة المفكر السويسري تقول إن توجهه يوم 31 يناير كانون الثاني كان مبنيا على ثقته في براءته وفي العدالة الفرنسية. تحت التوقيف يواجه رمضان اتهامات بـ"أعمال اغتصاب وعنف متعمدة"، ترجع لسنة 2012 وأخرى لسنة 2009. لكن القاضي أمر بالاستمرار في اعتقال الأستاذ الجامعي إلى أن يُحَضّر لمواجهته أمام المدعيتين عليه، و كذلك خوفا من أن يتمكن المفكر السويسري من الهرب أو إسكات "ضحايا" جدد -حسب الصحافة الفرنسية-...

قدم أحد المسؤولين الكبار في فرنسا دلائل توضح تعرضه للابتزاز من طرف "هندة عياري" سنة 2013، ويدعي المسؤول أن "هندة" خيرته بين أن يرضخ لإغراءاتها أو تهديده بدعوى "اغتصاب"
في حين قبلت المواجهة في التحقيق الفرنسية "كريستيل" -وهو اسم مستعار اختارته لنفسها بعد طلبها من القضاء عدم الكشف عن هويتها- وهي تبلغ من العمر 42 سنة، اعتنقت الإسلام عام 2008، وتعاني من إعاقة في إحدى رجليها بعد تعرضها لحادث سير. تدعي أنها كانت على علاقة بالمفكر الإسلامي وتتهمه بـ"اغتصابها" عندما دعاها إلى غرفته في فندق هيلتون بمدينة ليون الفرنسية بعد ظهر التاسع من أكتوبر/تشرين الأول 2009، وأنها "تجمدت من الخوف" بعد ذلك.
 
من جهته تقدم محامي طارق رمضان إلى المحكمة بتذكرة طائرة تؤكد وصول المفكر الإسلامي من لندن إلى ليون بعد الساعة السادسة والنصف، وأن المسافة بين المطار والفندق حوالي نصف ساعة، بذلك يكون ادعاء كريستيل أكذوبة محضة جديدة.. لكن المفاجأة في الأمر أن القاضي أكد ضياع التذكرة من الملف وبذلك لم تأخذ بعين الاعتبار في بداية التحقيق.. 
 
من جهة أخرى، رفضت هندة عياري المواجهة المباشرة مع طارق رمضان، بعد أن تم نشر تقارير صحفية تثبت أن "المدعية"، وهي ناشطة علمانية، سلفية سابقة حسب تصريحاتها، كانت قد أرسلت أكثر من 280 رسالة فايسبوك لطارق رمضان كلها بعد صيف سنة 2014، في حين أنها ادعت أن المفكر الإسلامي اغتصبها في أبريل/نيسان سنة 2012، فكيف يعقل أن تستمر "الضحية" في التشبث بـ"مغتصبها" سنتين بعد "اغتصابها"؟ في المقابل كان رمضان يرفض رسائها بغضب ويرفض مقابلتها. 
 
أمام هذا المشهد، أضاف أحد المسؤولين الكبار في فرنسا دلائل توضح تعرضه للابتزاز من طرف "هندة عياري" سنة 2013، ويدعي المسؤول أن "هندة" خيرته بين أن يرضخ لإغراءاتها أو تهديده بدعوى "اغتصاب". وفي تسريب نشرته الوكالة الفرنسية تبين إثر التحقيق أن المدعيتين كانتا على اتصال منذ أكثر من سنة، و أن كلتيهما كانتا على اتصال مستمر مع القاضي "ميشيل ديباك" والمعروف بأنه على خصومة مع طارق رمضان منذ سنوات. زيادة على اتصالات متكررة لكل منهما مع فياميتا فينر، الصديقة الحميمة لكارولين فورست، بمعدل 116 مرة لكريستيل و156 للعياري، خلال الفترة نفسها من ستة أشهر.
 
هند العياري تحولت من السلفية للعلمانية قبل أن تتهم طارق رمضان باغتصابها (مواقع التواصل)
   
نصرة المستضعفات أم تصفية حسابات...
الجدير بالذكر أيضا أن "كريستيل" كانت وما زالت على علاقة مقربة بالصحفية والناشطة النسوية "كارولين فوريست" التي تعد من خصوم "رمضان" السياسيين، فضلا عن اجتماعها بالمدعيتين رفقة زوجة الباحث في الحركات الاسلامية "جيل كيبيل" الذي هو بدوره خصم لللمفكر الإسلامي. " كارولين فوريست" التي تدعي حصولها على شهادة "كيرسيل" منذ سنة 2009، وقبل مناظرتها لطارق رمضان في إحدى القنوات الفرنسية، المناظرة التي فضح فيها الباحث الإسلامي تدليس الصحفية الفرنسية وتزويرها للعديد من تصريحاته ونشرها في كتابها آن ذاك، حيث هاجمت فيه كلا من الأستاذ الجامعي والإخوان المسلمين والإسلام السياسي... زيادة على منع كتابها من النشر بأمر من بلدية روتيردام في إنجلترا نظرا لافتراءاتها على طارق رمضان متهمة إياه بمعاداة السامية ونشر الأفكار المتطرفة ودعم الإرهاب.. بعد أن تبين أنها محض أكاذيب..
 
نفس الناشطة تم منعها من الحضور لبرنامج نقاش فرنسي نظرا لافترائها في قضية ضد فرنسية متحجبة، كما حكمت المحكمة بتغريم "فورست" 3000 يورو تعويضا للشابة المتحجبة.. كما تم قطع البث أثناء حوار لها مع سكاي نيوز البريطانية بعد أن تعمدت إظهار الرسم المسيء للرسول والذي يعود لمجلة "شارلي إيبدو"، مما دفع المذيعة لقطع البث والاعتذار للمشاهدين عن إساءة الضيفة لنبي الإسلام.. مع كل هذا، يقول محامو طارق إن المحاكمة هزلية وكل الاتهامات ليس لها أي أساس وأن القضاء فضل إبقاء رمضان قيد الاعتقال فقط حتى لا يضغط على "الضحايا" في حالة وجود أي أدلة.. أو تفكيره في الهروب خارج فرنسا.
 
زيادة على تعرض طارق رمضان للتشويه الإعلامي، حيث تعتبره العديد من الصحف والبرامج عدوا لفرنسا ومؤسسا لفكر متطرف يدعم الإرهاب، تستمر العملية الممنهجة في "اغتيال الشخصية" ضد الأستاذ الجامعي متجاهلة الأزمة الصحية التي يمر بها بسبب مرضه بـ"التصلب المنتثر" ومرض آخر لا يزال مجهولا من قبل الأطباء، وقد اعتاد اتباع نظام علاجي منتظم وصارم، لكن ظروف السجن أخلت بذلك مما عرضه للمعاناة من آلام حادة.
  
 
ذلك، في الوقت الذي يتمتع بالحرية العديد من المتهمين بنفس تهمة "الاغتصاب"، في نفس الفترة الزمنية، فمثلا "جيرالد دارمانان" وزير العمل والحسابات العامة في حكومة ماكرون، والذي ما زال يحظى بمساندة البرلمان الفرنسي... وبنفس التهمة "فريديرك ازيزا " الذي مازال يقدم برنامجه التلفزيوني، ما يظهر بشكل فاضح أن القضية تصفية سياسية مع طارق رمضان، فضلا عن الطابع العنصري كما هو المعتاد في العديد من القضايا الفرنسية.

الكيل بمكيالين في بلاد "شارلي إيبدو"
قضية رمضان ترجع للأذهان كيف تعامل الإعلام، بل الحكومة الفرنسية السابقة، مع اللاعب الفرنسي ذي الأصول الجزائرية كريم بنزيمة واستبعاده من المنتخب الفرنسي لكرة القدم، فضلا عن التنكيل به إعلاميا، على إثر "فضيحة" جنسية تبين بعد ذلك أنه بريء منها.. بينما استمر بمسيرته عميدا كرة اليد للمنتخب الفرنسي "نيكولا كاراباتيك" زيادة على استقباله في قصر الإيليزي بعد فوز فريقه.. وطبعا دون التهجم عليه إعلاميا في الوقت الذي كان فيه متهما بقضية جنسية.
 
ولم يفت بلاد "شارلي إيبدو" الكيل بمكيالين في الهجوم على"منال ابتسام" الفرنسية من أصول سورية إثر ظهورها في برنامج "ذا فويس" والهجوم عليها إعلاميا إلى أن قررت الانسحاب من المسابقة، بعد اتهامها بالتطرف الإسلامي ودعم الإرهاب فقط لنشرها مقالات لطارق رمضان ودعم جمعيات خيرية إسلامية على صفحتها الفايسبوكية.. في حين لم تؤثر الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي للفرنسي "أمير"، على مسيرته الفنية وفوزه بمسابقة "ذا فويس" للسنة الماضية...
 
سواء تبث الحكم على طارق رمضان أو تبين أن كل هذه الهجمة مبنية على أكاذيب، فالقضاء الفرنسي ومعه الإعلام و الصحافة، قد عرى عن حقد وكراهية تنخر المجتمع يوما بعد يوم، و تعطي من جديد مثال الكيل بمكيالين، تطفئ بذلك "أنوار" بلد الحرية والمساواة والأخوة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة