غزة.. حين يكفر الشعب بقيادته

26/2/2018

إن شعورنا بالعجز عن التعبير قد يبدو وقاحة أمام العجز الحقيقي عن الحياة لنحو مليوني إنسان محبوسين في 365 كم²، لكننا حقا عاجزون عن فعل شيء، حتى إن تكرار الكتابة عن مأساة غزة دون أن نجد تغيرا ملموسا فيها، ومع هذا الكم الهائل من اللامبالاة من قبل الفصائل الفلسطينية، مقارنة بما يجب فعله، تُعتبر ترفا مقيتا.

 

سيظل هذا المقال ناقصا، ولا أستطيع اختصار آلاف المآسي بين الفقر والمرض والبطالة، ليس لأننا لا نستطيع الاستمرار بعد النقطة التي تضعها رئاسة التحرير في نهاية النص، بل لأننا لا نعرف شيئا عما يحدث في تلك الأرض المنكوبة، لا نعرف سوى ما يتحدث به الأصدقاء وينشره الزملاء في وسائل الإعلام، لا نعرف عن أولئك الذين يتألمون بصمت، وينامون بالبرد لا سقف يأويهم، يجوعون ويحتاجون إلى أبسط الأشياء، لكنك تحسبهم أغنياء من التعفف، فيما لا يعرف آخرون كيف ينقلون وجعهم إلى العالم.

 

الحقيقة الواضحة للجميع أن هناك كارثة إنسانية تتفاقم يوميا في قطاع غزة بسبب الحصار المفروض عليه، ففي الوقت الذي لم تقضِ فيه الحروب الإسرائيلية على المواطنين هناك، استطاع الحصار الذي أدى إلى تردي الأوضاع الصحية قتل عشرات المرضى الفلسطينيين، فيما ينتظر الآلاف دورهم على بوابات المعابر المغلقة، وفي ممرات المشافي التي امتلأت بالقاذورات نتيجة إضراب 832 عامل نظافة انقطعت رواتبهم منذ خمسة شهور، تلاه إضراب الأطباء بسبب أزمة انتشار المخلفات والنفايات الطبية.

 

الكوارث التي تحدث فقط في القطاع الصحي من شأنها أن تقضي على حياة آلاف المواطنين، خاصة بعد توقف المولدات الكهربائية في 3 مستشفيات و16 مركزا صحيا

ما بين نقص الأدوية ونفاد الوقود ومنع المرضى من السفر عبر معبر رفح والمعابر التي يسيطر عليها الاحتلال الإسرائيلي، توفي 30 مريضا في قطاع غزة عام 2017، و10 آخرين منذ بداية العام الحالي 2018. وخلال يوم واحد فقط، وبسبب توقف شركات النظافة عن العمل، كان السيناريو في غزة كالتالي:

 

تم تأجيل مئات العمليات الجراحية بسبب تراكم القاذورات والمخلفات الطبية، وتوقفُ 40 غرفة عمليات جراحية، و11 غرفة ولادة قيصرية، مما يحرم 200 مريض يوميا من إجراء عملياتهم المجدولة، كما يؤثر على الخدمات الصحية لنحو 100 مريض في العنايات المركزة، و113 طفلا في حضانات الأطفال، وعلى الخدمات الصحية لـ702 مريض بالفشل الكلوي في 5 مراكز لغسل الكلى على مدار الساعة، إضافة إلى مئات المرضى في أقسام الجراحة والباطنية والقلب والأطفال والأورام، وأكثر من 200 سيدة حامل، و50 مختبرا طبيا يجري آلاف التحاليل الطبية، و11 بنكا للدم يعنى بنقل عشرات وحدات الدم ومشتقاته للمرضى، فيما ستتضرر أقسام الأشعة والطوارئ التي تعمل على مدار الساعة.

 

الكوارث التي تحدث فقط في القطاع الصحي من شأنها أن تقضي على حياة آلاف المواطنين، خاصة بعد توقف المولدات الكهربائية في 3 مستشفيات و16 مركزا صحيا، في الوقت الذي تحتاج فيه مرافق وزارة الصحة إلى 450 ألف لتر من السولار شهريا، بسبب انقطاع التيار الكهربائي من 8 إلى 12 ساعة يوميا، فيما يصل احتياجها إلى 950 ألف لتر شهريا إذا زادت ساعات الانقطاع على 20 ساعة يوميا.

 

وهذه الأزمة تشكل تهديدا مباشرا على حياة المواطنين، حيث ستنتشر الأوبئة بسبب توقف غسل الأغطية، وفساد كافة الأدوية المبردة واضطراب برنامج التطعيمات بسبب عدم توافر ظروف الحفظ المناسبة، فضلا عن تعرض حياة 113 طفلا للخطر بسبب عدم توفر عقار "السيرفاكتانت"، وهو علاج لاكتمال نمو الجهاز التنفسي لدى الأطفال الخدج، وفقدانه رفع عدد الوفيات إلى 5 أطفال منذ بداية العام بسبب انعدام علاجاتهم التخصصية جراء نفاد 45 % من الأدوية الأساسية واشتداد أزمة الوقود.

 

الصور التي تظهر في وسائل الإعلام لكبار السن وهم يبكون على المعابر والأطفال وهم نائمون في العراء بانتظار السماح لهم بالخروج من غزة إلى العلاج، ما هي إلا انعكاس لـ13 ألف مريض بالسرطان، و702 مريض بالفشل الكلوي، حيث تشير إحصائية لوزارة الصحة إلى أنّ 54% من المرضى لا يستطيعون السفر إلى خارج القطاع بسبب إغلاق معبر رفح ومنعهم من السفر عبر المعابر الإسرائيلية، التي يحجم غالبية المواطنين والمرضى عن المرور فيها بسبب تعرض البعض للاعتقال أو الابتزاز والمساومة ومحاولات التجنيد، فيما يفتقد القطاع الصحي 45% من الأدوية التخصصية و58% من لوازم المختبرات وبنوك الدم.

 

بعيدا عن الأرقام، وصف لي أحد الأصدقاء من غزة وضع المشافي والمراكز الصحية هناك، وبلغته البسيطة قال إنها تحولت إلى أكوام قمامة، الدماء والنفايات على الأرض، والمتطوعون ينظفون دماء المصابين بالكبد الوبائي ويضطرون إلى حمل مواد في غاية الخطورة دون وقاية، وحين تدخل إلى غرف المرضى تجد الأرض مليئة بالدماء والنفايات والفوط الصحية لكبار السن في الوقت الذي لا يمكنك أن تدخل فيه لدورة مياه.

 

تحتاج غزة لحملة كبيرة من قبل الفصائل الوطنية والشعب داخل وخارج فلسطين للضغط على الحكومات والمؤسسات الدولية من أجل رفع الحصار، إضافة لتسليط الضوء إعلاميا على أبسط تفاصيل الحياة

رويترز
 

وسط هذه الكارثة، لفت انتباهي النفس الذي تحدث به معي أحد المسؤولين في وزارة الصحة الفلسطينية برام الله، حول تدهور وضع القطاع الصحي في غزة، عندما أجريتُ معه مقابلة بغرض إعداد تقرير صحفي عن إضراب عمال النظافة في مشافي غزة، حيث اعتبر هذه الأزمة "محاولة ابتزاز رخيصة من قبل "حكومة الظل" -والتي يقصد بها حركة حماس- لضرب المصالحة، مشيرا إلى أن إضرابهم غير قانوني ولن تدفع السلطة الفلسطينية فلسا واحدا لحل الأزمة، لأنها لن تكون بمثابة صراف آلي لحماس التي خلقت أزمة حياة في غزة على حد تعبيره.

 

أثناء المقابلة، بدا لي أن محور الحديث هو الانقسام الفلسطيني وليس حياة مواطنين بسطاء يأخذون أقل من دولار عن كل ساعة عمل، وهذا ما لمسته خلال حديثي مع الكثير من المسؤولين الفلسطينيين الذين سرعان ما يتحول محور الحديث معهم عن حياة المواطنين إلى نقاش سياسي يلقي فيه أحدهم اللوم على الآخر. بعدما سمعت مطولا ما قاله وحاولت الدفاع عن "الإنسان" في غزة وليس "الحزب"، عذرت الشعب في غزة حين كفر بقيادته، وإن بقي الوضع هكذا فلن يبقى صامدا ليقاوم الاحتلال، لأنه الآن في مرحلة الهزيمة النفسية، تلك التي يفكر فيها الفرد مطولا في جدوى ما يفعله للوطن في ظل تفرد نخبة سياسية معينة بكل شيء.

 

ما الذي يدفع هؤلاء إلى استيعاب أن تكون حياة الإنسان مسألة غير قابلة للنقاش؟ أين هم مِما يحصل في غزة من الفقر والجوع والحصار والذل على المعابر من الجانب المصري والإسرائيلي، وانتظار أن تتكرم السلطة في رام الله بالموافقة على التحويلات الطبية، وموت الأطفال وجعا من السرطان؟ لماذا يغيب دور الفصائل عن مثل هكذا أوضاع إنسانية؟ وكيف لنا نحن الشعب أن نساهم في التقليل من المعاناة؟

 

ما تحتاج إليه الآن غزة هو حملة كبيرة من قبل الفصائل الوطنية والشعب داخل وخارج فلسطين للضغط على الحكومات والمؤسسات الدولية من أجل رفع الحصار، إضافة إلى تسليط الضوء إعلاميا على أبسط تفاصيل الحياة، علينا أن نتمرد على هؤلاء السياسيين الوصوليين الذين يتاجرون بحياتنا، هؤلاء الذين تسيطر عليهم عقلية الحزب، ينقصهم الكثير من الإنسانية كي ينقذوا غزة منهم أولا ومما تعانيه أخيرا.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة