محمد الخشاب
محمد الخشاب
1.8 k

نجيب محفوظ.. وفاز الذي كفر!

26/2/2018

من الناس موتى تعيش ذكراهم أبدا وتتجدد أفكارهم كل يوم، وتبقى أسماؤهم خالدة، لا يطولها تراب الماضي مهما مرّت عليها السنون، كالشمس يشرقون علينا كل صباح، فيغمُرنا ضياؤهم، وتهدينا وقفاتهم وآراؤهم، هؤلاء هم الفريدون، الذين يبحثون عن ذواتهم دائما في شيء جديد، مَن ليسوا نسخة تكرارية لأحد، هم الباحثون عن الله وآياته، المُتفكرون في كونه، والساعون إليه بعقولهم وأفئدتهم، الذين يحققون أهدافهم إخلاصا بعد جهد وعناء، ومن الناس أحياء ولا نسمع لهم صوتا، ولا نرى لهم أثرا، يغمرهم ضباب التقليد، وتجمعهم سياج التعود، هؤلاء يبتلعهم الماضي وهم حاضرون، فإذا ما ذهبوا، لم تكن لهم ذكرى حقيقية ولا فكرة منيرة.

اغتيال الأستاذ نجيب

في تسعينيات القرن العشرين، اليوم هو الجمعة 14 من شهر أكتوبر عام 1994، الشمس أوشكت على المَغيب، هنا حي العجوزة بالجيزة حيث نجيب محفوظ الذي جاوز الثمانين من عُمره، ولكن لا شيء يثنيه عن عاداته التي يُحب؛ إذ يستعد لكي ينزل إلى ندوته الأسبوعية في مقهى قصر النيل وسط نفرٍ من مريديه، وينتظره صديقه الدكتور فتحي هاشم بسيارته، ينزل الأستاذ محفوظ ويستقبله صديقه ويُدخله إلى السيارة، وإذ بشخص ينادي من بعيد، فينتظرا كعادة الأستاذ نجيب، قريب، سهل الوصول إليه من قرائه؛ فهو الذي لا تميل نفسه إلى صخب المشاهير، ومواكبهم.

 

نشبت أولى نيران المُشكلة عندما أرسل أحد أدباء الأقاليم مقالا إلى مجلة "المصور"، ينتقد فيه رواية "أولاد حارتنا" و"نجيب والأهرام"، ويقول إنها تنطوي على طعن في الأديان، وتُحاكي صور القرآن، وشخصيات الأنبياء

وفجأة تُنشب آلة حادة في رقبة الأستاذ نجيب، كأنها مخالب وحش بغيض، فيسيل منه الدم نهرا، وينهار صديقه، ولكن لُحسن الحظ، استلهم رشده، وأسرع به إلى مستشفى الشرطة التي تبعد عن منزله بضع دقائق، فيرفض الحُراس دخوله، فيصرخ الدكتور على صديقه؛ إذ هو بين الحياة والموت، فيدخل ويتعرف عليه الأطباء، وسرعان ما وصل إلى غرفة العمليات، ساعتان، ثلاث، أربع، كل هذا وما زال نجيب عالقا، وأصدقاؤه وأسرته يدعون له، هناك حاجة إلى نقل الدم إليه من فصيلة "باء"، ثلاث عشرة عبوة من الدم احتاجها نجيب، الخامسة منذ دخوله العمليات، يخرج نجيب حيا بحمد الله، فما هي القصة؟ دعونا نعود بالزمن إلى الوراء لنفهم.

لماذا "أولاد حارتنا"؟

أمامنا فصل هو الأكثر جدلا في حياة كاتب، وأديب، أبحر بقلمه كتابة ما يزيد عن 50 عاما، أثرى المكتبة العربية فيها بأدب فريد، انتصر فيه للحرية ومكانتها ضد السلطة المُستبدة والتسامح وقيمته، أدب تقرأ فيه عن فلسفة النفس، وسلوكها، تسمع فيه صوت العقل، وترى فيه روعة التصوير والإبداع، أدب تعيش فيه واقعية حقبة مصرية كما لو أنك ولدت فيها، أدب تُوج بالثورة على الواقع ليس فقط وصفه، هو أدبُ الأستاذ نجيب محفوظ الذي بدأ يسطر بداية نوع جديد من الكتابة بعدما أنهى مرحلة الواقعية التي تُوجت بالثلاثية، وقيام الثورة، التي كتب عما قبلها كثيرا.

 

هو الروايات الرمزية أو التعبيرية، فكتب "أولاد حارتنا" عام 1959 ولم يقُل إلى أي حارة يرمز وماذا يريد، روايته التي سيتردد ذكرها كل يوم تطلع فيه الشمس وتستمر الحياة، سلمها إلى جريدة الأهرام التي كان يترأسها محمد حسنين هيكل وقتها، لكي تُنشر في فصول أسبوعية، إلى هنا ليس في الأمر جديد، كل شيءٍ يسير على ما يُرام.

بداية الأزمة

نشبت أولى نيران المُشكلة عندما أرسل أحد أدباء الأقاليم مقالًا إلى مجلة المصور، ينتقد فيه الرواية ونجيب والأهرام، ويقول أنها تنطوي على طعنٌ في الأديان، وتُحاكي صور القرآن، وشخصيات الأنبياء، وكانت نقطة التحول عندما تحدث الشيخ الغزالي عن الرواية وكفّر ما جاء فيها، وقال صراحة: "لو نُشر هذا الكلام في كتاب، فلن نصمت".

كثرت الشكاوى ضد نجيب في كل مكان، النيابة العامة، والأزهر، وتطور الأمر إلى أن وصل إلى رئاسة الجمهورية، ولكن على غير المُتوقع، نُشرت الرواية يوميا حتى انتهت، وهنا تصاعدت الأزمة، فانتدب عبد الناصر لجنة تتابع الأمر وترفع إليه تقارير متجددة، وأوعز إلى مستشاره حسن صبري الخولي أن يعقد مناقشة بين لجنة من الأزهر وفيها الشيخ الغزالي وسيد سابق، وسليمان فياض كاتب لمحضرها أمام نجيب محفوظ ليناقشوا الرواية. حُددت العاشرة صباحا من يوم الاثنين في مكتب المستشار، لكنّ أحدا منهم لم يأتِ لمواجهة نجيب الذي حضر في موعده.

رواية "أولاد حارتنا" (مواقع التواصل)


فقرر عبد الناصر حلا وسطا، ألا تُصادر الرواية ولكن تُنشر خارج مصر، وبالفعل كانت طبعتها الأولى من دار الآداب ببيروت عام 1968، أمام طوفان الهجوم الذي تلقاه الأستاذ محفوظ، قرر أن يتجاهل الحديث عن الرواية، في ذكاء منه وحرص على أن تقرأ الرواية في زمن آخر وسياق مختلف، ومع الوقت تحقق له ما أراد وهدأت وتيرة الحديث عنها، وبدى أنها ذهبت طي النسيان.

نجيب ونوبل

في نهاية الثمانينيات وأثناء التغير الذي طرأ على الشعب المصري وقتها، كان نجيب محفوظ البالغ من العمر 76 عاما، يسير كعادته في الصباح ليشتري الصُحف في طريقه إلى مكتبه بالأهرام؛ ليطالع مقاله الجديد في عمود "وجهة نظر" الذي اعتاد أن يعبر فيه عن تحليله للوضع الاجتماعي والسياسي، يومٌ عادي من بداية فصل الخريف هو الـ 13 من أكتوبر عام 1988، في الظهيرة عاد نجيب محفوظ من عمله ودخل إلى غرفة نومه ليهنأ بالقيلولة كعادته، ظل اليوم عاديا حتى دق جرس الهاتف، لترد زوجته وتجد أحد محرري "الأهرام" يريد أن يبلغه الخبر.

 

فاز نجيب محفوظ بجائزة نوبل للأدب، ولكن كعادة المصريين، لم تمر المناسبة دون أن يضع كل شخص تفسيره وتأويله لحصوله على الجائزة، فانتشرت الأقاويل كالنار في الهشيم، وقال بعض الذين يشوب قلوبهم الكره والحقد على نجيب، "ما حصل عليها إلا لأنه كان مؤيدا لاتفاقية كامب ديفيد"، وحقيقة الأمر أن نجيب كان مؤيدا للتفاوض مع إسرائيل قبل انتصار أكتوبر، وأكدت اللجنة أن الجائزة لا علاقة لها بالسياسة، وإلا لفاز بها في السلام كما فاز بها السادات، ولماذا كان عليه أن ينتظر عشرة أعوام من بعد الاتفاقية؟

 

الحقيقة أن نجيب محفوظ أديب، ساهم في بناء الأدب العربي، بتميز أدبه، وجمال أعماله، ووضوح الإنسانية ومواقفها، وشخصياته التي كانت صوتا للمهمشين، وفصاحة لغته، ومتانة أسلوبه، وتنوع أفكاره.

لعنة الرواية
أخذ الشاب محمد ناجي يتابع نجيب محفوظ وهو هدف سهل، لا موكب له ولا حراسة، وبالتحقيق تبين أنّه ضحية أشخاص آخرين في الجماعة، وأنه لا يُجيد الكتابة ولا القراءة، ولم يقرأ رواية "أولاد حارتنا" من الأساس، يا للسخرية!!

من جديد ظهرت لعنة رواية "أولاد حارتنا"، وفسر الذين اعترضوا على الرواية بداية ظهورها، أن حصوله على الجائزة لا لشيء إلا لأنه كتب "أولاد حارتنا" وأساء بها إلى الإسلام، وفي هذا الوقت من تاريخ مصر كانت جماعات الإسلام السياسي مُسلحة، وكان أسهل شيء لها أن تكفر هذا، وتستحل دم ذاك، ليُسفك دمه، دون أي دعوة أو استتابة صحيحة، وجاء اغتيال فرج فودة، من قبل الجماعة الإسلامية نموذجا لذلك.

 

فكان من الطبيعي أن يُكفر الكثير نجيب محفوظ وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد كشك الذي كتب كتابه "كلمتنا في الرد على رواية أولاد حارتنا" والشيخ عمر عبد الرحمن، والحقيقة أنهم لم ينظروا إلى الرواية من ناحية أدبية صحيحة ولم يدرسونها بنقدية موضوعية، ولم يحاولوا أن يناقشونها مع كاتبها، إنما رأوا أنها فاسدة، وتطعن في العقيدة، ولذلك حصل نجيب على نوبل، فأفتى الشيخان باستحلال دم نجيب محفوظ، فعرضت الداخلية حراسة على نجيب لكنه رفض العرض وشكر أصحابه.

القاتل

كان الشاب محمد ناجي حديث الانتماء إلى الجماعة الإسلامية بمنطقة عين شمس فاستغله أحد الاعضاء وقال له أنهم سيقومون بعملية جهادية، وأن الهدف هو شخص مرتد اسمه نجيب محفوظ، يجب قتله، وأعطاه عنوان منزله، فما كان منه إلا أن أخذ يتابع نجيب وهو هدف سهل، لا موكب له ولا حراسة، وبالتحقيق تبين أنّه ضحية أشخاص آخرين في الجماعة، وأنه لا يُجيد الكتابة ولا القراءة، ولم يقرأ الرواية من الأساس، يا للسخرية! الأكثر غرابة أن المستشار أشرف العشماوي مسؤول التحقيق وقتها يقول كان المتهم لا يعرف اسم نجيب وكثيرا ما قال عليه محفوظ نجيب، سامح نجيب الشابين المتورطين في قتله؛ فهما ضحيتان كما وصف، فهل قرأتم الرواية؟

فاز نجيب محفوظ، لأنه لم يحاول الإساءة إلى الإسلام يوما، بل كان حريصا كل الحرص على الدين الإسلامي وقيمه ومكانته ولغته العربية، وكان هو النافذة التي من خلالها نظر العالم إلينا وإلى أدبنا العربي نظرة احترام وتقدير في عصر نعيش فيه انحطاطا ثقافيا لا نظير له، رحم الله الأديب، وأمدّ في ذكراه خيرا لا ينقطع، لاحقا سنتتبع فصلا جديدا في حياته المُمتلئة بالدروس والعِبر، أخبروني أي أعماله تفضلون؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة