‎تحليل البروفيسور مايكل ساندل للأخلاق "الكانطية"

19/3/2018

‎يناقش إيمانويل كانط في كتابه "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" تساؤلين مهمين؛ الأول مرتبط بالمبدأ الأسمى للأخلاق، والثاني يتعلق بإمكانية الحرية. ويطرح كانط مسألة الدافع الذي نتصرف وفقا له، ويؤكد في هذا الصدد أنه يوجد نوع واحد من الدوافع يتوافق مع الأخلاق، وهو دافع الواجب.

  
‎يلخص كانط الدوافع الأخرى ضمن فئة الميول، حيث يكون أحيانا الدافع لما نفعله هو تلبية رغبة، أو السعي وراء مصلحة ما، ولذلك نتصرف بدافع الميول، وهنا يمكن التساؤل حول دافع الواجب والنية الحسنة، أي هل يوجد أي تصرف أخلاقي عندما نميز بين الواجب والميول؟ أي أنه يكون تمة دافع أناني لا نقوم به. ربما ينطلق الناس غالبا في تصرفاتهم من دوافع مبنية على المصلحة الذاتية، وهذا لا ينفيه كانط، وفي هذا الصدد يستطرد معبرا أننا طالما نتصرف بطريقة أخلاقية فإن ما يُضفي القيمة الأخلاقية هو بالضبط قدرتنا على الارتقاء فوق رغباتنا الذاتية وميولنا، ثم التصرف بدافع الواجب. 

 
‎يقول كانط بأن الدافع الصِّرف الذي ينتج عن الواجب هو ما يعطي للتصرف قيمة أخلاقية، ووجود أكثر من دافع لا يعني أن التصرف قد لا يكون أخلاقيا، وذلك لأن الدوافع المرتبطة بالواجب هو ما يمنحه قيمة أخلاقية، ولا مانع من وجود مشاعر وأحاسيس تدعم القيام بالعمل الصائب، وفي نظر كانط يجب القيام بالتصرفات باسم الواجب، وليس تحت تأثير الميول.
 

عندما يكون هناك وعد كاذب فهل هذا يتوافق مع الأمر الأخلاقي المطلق؟ ينفي كانط ذلك، ويضعنا أمام الاختبار والطريقة التي تمكننا من تحديد أن الوعد الكاذب يتعارض مع الأمر الأخلاقي المطلق

هناك ارتباط بين فكرة كانط عن الأخلاق وفهمه الخاص للحرية، وهنا العلاقة بين الأخلاق والحرية، ويتجلى بوضوح أن الشخص يستطيع تحديد إرادته من خلال طريقتين مختلفتين؛ طريقة الاستقلال الذاتي، وطريقة الانقياد، أي أنه لا أكون حرا إلا عندما تتحدد إرادتي باستقلالية ذاتية، وهذا يعني التصرف وفقا لقانون أضعه بنفسي، وإذا كنا قادرين على ممارسة الحرية بطريقة مستقلة فلابد من القدرة على التصرف ليس وفقا لقوانين يقدمها الأخرون لنا أو يفرضوها علينا، وإنما وفقا لقانون نضعه بأنفسنا.
 
‎هناك نوعان مختلفان من أوامر العقل، ويسمي كانط النوع الأول: الأمر (الوجوب)، والنوع الأكثر شيوعا للأمر هو الأمر الافتراضية، يقول كانط: إذا كان التصرف جيدا كوسيلة لتحقيق شيء آخر فقط، فهذا التصرف هو أمر افتراضي، أما إذا كان التصرف جيدا بحد ذاته، وبالتالي كان ضروريا؛ أي تحتمه ضرورة موضوعية لإرادة متوافقة بحد ذاتها مع المنطق، في هذه الحالة يكون الأمر أخلاقيا قطعيا، هذا هو الفرق بين الأمر القطعي والأمر الافتراضي. كما أن الأمر الأخلاقي يأمر بصورة أخلاقية مطلقة، وهذا يعني ببساطة تجرده من أية غاية أخرى.
 
‎أن أكون حرا بمعنى الاستقلالية الذاتية، فهذا يتطلب مني أن أتصرف ليس بدافع الأمر الافتراضي، وإنما بدافع الأمر الأخلاقي المطلق. فما هو الأمر الأخلاقي المطلق؟ وما هو المبدأ الأسمى للأخلاق؟ هنا يجيب كانط بما يسميه صيغة القانون العام، وفي هذا الصدد يقول: تصرف فقط بناء على مبدأ أساسي حيث في الوقت نفسه ترغب أن يكون هذا التصرف قانونا شاملا. والمبدأ الأساسي عند كانط يعني القاعدة أو المبدأ الذي يوضح سبب تصرفك مثل الوفاء بالوعد.

  

إيمانويل كانط  (مواقع التواصل)


‎عندما يكون هناك وعد كاذب فهل هذا يتوافق مع الأمر الأخلاقي المطلق؟ ينفي كانط ذلك، ويضعنا أمام الاختبار والطريقة التي تمكننا من تحديد أن الوعد الكاذب يتعارض مع الأمر الأخلاقي المطلق، وذلك عن طريق محاولة تعميمه؛ أي تعميم المبدأ أو القاعدة التي سنتصرف بناء عليها، وعندما يعطي الجميع وعودا كاذبة، حينها لن يصدق أحد هذه الوعود، وبالتالي سيكون هناك تناقض، أي أن المبدأ العام سيقوض نفسه، وهذا هو الاختبار، وبالتالي فالوعد الكاذب هو تصرف غير صحيح، وما يعنيه كانط بذلك هو أن هذا هو الاختبار الذي يبين ما إذا كان المبدأ الأساسي متوافقا مع الأمر الأخلاقي المطلق، وليس هذا هو السبب تماما، والسبب الذي يجعلنا نُعمم مبادئنا واختباراتنا هو معرفة إن كنا نمنح امتيازا لاحتياجاتنا ورغباتنا الخاصة على حساب احتياجات ورغبات الآخرين.
 
‎هناك صيغة أخرى عن الأمر الأخلاقي المطلق بالنسبة لكانط وهي صيغة الإنسانية كغاية بحد ذاتها، حيث يعتبر كانط بأنه لا يمكننا أن نبني الأمر الأخلاقي المطلق على أساس أي رغبات أو أغراض أو غايات شخصية، لأنه في هذه الحالة يكون على صلة فقط بالشخص صاحب الغايات، ولنفترض أن هناك شيئا ما وجوده بحد ذاته له قيمة مطلقة؛ أي أنه غاية في حد ذاته، هنا سيتوفر الأساس لأمر أخلاقي مطلق ومحتمل. ويقول كانط بأن كل كائن عاقل موجود كغاية بحد ذاته، وهو ليس وسيلة للاستخدام الاستبدادي من قبل هذه الإرادة أو تلك، وهنا يميز كانط بين الأفراد من ناحية، والأشياء من ناحية أخرى، الكائنات العاقلة عبارة عن أشخاص، ولا يقتصر الأمر على امتلاكهم لقيمة نسبية لنا، والكائنات العاقلة تملك كرامة، وهي جديرة بالاحترام.
   
‎هناك صيغة للأمر الأخلاقي المطلق لدى كانط وهي: "تصرف بطريقة تعامل فيها الجنس البشري، ليس باعتباره وسيلة، وإنما كغاية بحد ذاته". تلك هي صيغة الإنسانية كغاية لذاتها وبحد ذاتها. الفكرة هنا هي أن الكائنات البشرية ككائنات عاقلة هي غايات بحد داتها، وليست متاحة للاستخدام كمجرد وسائل، وعندما أعطيك وعدا كاذبا، فإنني أقصد أن أستخدمك كوسيلة لتحقيق غايتي، وبالتالي فأنا أفشل في احترامك، وتقدير كرامتك. والصفة الإنسانية توجد بيننا بدون تمايز، والسبب الذي يدعونا لاحترام كرامة الناس الآخرين لا يتعلق بأي شيء يخصهم على وجه التحديد، والاحترام من منظور كانط يختلف عن المحبة في هذا السياق، وعن التعاطف والتضامن، لأن مشاعر المحبة والفضائل الأخرى أسباب تدفع للاهتمام بالآخرين، والاحترام بالنسبة لكانط يعني احترام الإنسانية عامة، وكل شخص هو غاية في حد ذاته.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة