هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




قتيبة الخليل
قتيبة الخليل
454

الجانب الآخر لتدوينة "طبقة المنظمات غير الحكومية"

27/3/2018
كان لتدوينة السيد حسام شاكر حول طبقة المنظمات غير الحكومية في موقع مدونات الجزيرة وقعاً صاخباً ضمن العاملين في ذلك القطاع حيث ظن البعض أنها بمثابة التعوذية التي ستحررهم من الشعور بالذنب بمجرد مشاركتها والتأييد الكامل لها واعتقد آخرون أنها الحل لأحجية الدعم الكبير المقدم من قبل الغرب إلى المجتمعات المحلية العربية وإن كان من الصعوبة بمكان مراجعة ومناقشة الأطروحات المفعمة بروح التصدي للمؤامرة المحبوكة تجاه شعوب تستغل هذه النظرية من أجل تفسير تقصيرها وفشلها وتجد فيها شماعة تعلق عليها كل إخفاقاتها وبطئ تقدمها إلا أن الحقيقة تبقى أوسع من الحيز الذي شغلته هذه التدوينة.


ولابد من الشهادة أن تجارب العمل الإنساني المحدودة نسبياً والنامية عموماً تمر بصعوبات كبيرة وصدامات قاسية بين ما هو متجذر بمجتمعاتنا وبين ما هو وافد من ثقافات ما وراء البحار ولعل هذه الصدامات في أزمنة مضت أسست لتقدم كبير في حضارة هذه الأمة وكانت بمثابة الحادثة التي جعلت المجتمعات تتوقف عن اجترار نفسها وتبحث ضمن عروض النظريات والأفكار عما هو ملائم لاحتياجاتها ويعزى فضل تفاعل الحضارة العربية بالحضارات الأخرى إلى دعوة القرآن الكريم للتأمل والتفكر مما شجع فقهاء المسلمين في العصر العباسي إلى الاستفادة من المنطق اليوناني من أجل تدعيم الاستشهاد بالنصوص القرآنية معتمدين على القياس والتأويل.

 

ولم يكن العرب حتى عهد المأمون إلا ناقلين للحكمة اليونانية فأسس بيت الحكمة ليبدأ العرب استناداً على ما نقلوه بالتأسيس لنظرياتهم الخاصة المبنية على الأخذ والرد والقبول والنقد وجوهر الفائدة من هذا الاستحضار يتمثل في ضرورة تلبية مقتضيات العصر بالمراجعة المستمرة للتطور الحضاري في عوالم الآخرين بما فيه من مفهومات حديثة وحلول إبداعية للمشاكل.

العمل الإنساني ليس عملاً تطوعياً بل إن تدني أجور وتعويضات العاملين فيه سيدفع كثيراً من المثقفين والمتعلمين وذوي الشهادات للانصراف لنوافذ التوظيف بالقطاع الخاص

ولا يختلف كثيراً ابتعاث مئات آلاف الطلاب إلى أوروبا لسنوات طويلة من أجل النهل من مصادر معرفتها والعيش في مدنها ومدنيّتها عن وفود آلاف العاملين الغربيين في الشركات الخاصة والمنظمات الحكومية أو بعثات الاستشراق فكل فريق لكلتا الحضارتين يرحل وعلى ظهره حقيبة مليئة بالعادات والمفاهيم الجديدة للآخر يسعى جاهداً أن يترك أثراً مما حمله من وطنه في مستقرة الجديد.

 

ويختلف تفاعل الناس مع هذه المحدثات بحسب حاجتهم لها فمن الطبيعي أن يجد الحافي رضا عن عروض الأحذية التي تقيه شوك الطريق أياً كان عارضها والحكمة تقتضي أن نسعى جهدنا إلى إيجاد حلول لمشاكلنا المجتمعية عبر التفاعل والمراجعة والمواءمة لما انتجه غيرنا أكثر من أن نحرم على الناس اقتناء أحذية الجوالين الغرباء ويكمن عمق عجزنا في الإصرار على تكرار ما نقوم به لمواجهة ما لم نستطع حله بسلوكنا المكرر.

 

فالجمعيات ولجان إحياء المجتمع المدني والاتحادات النسائية التقليدية بشعاراتها وأهدافها وأساليبها وقوالبها ظلت حبيسة ذكرياتها في خمسينيات القرن الماضي رغم التغيرات الكبيرة والجوهرية في بنية مجتمعنا الحالي عن مجتمعات الأمس حتى أصبحت تلك الأجسام النشطة ديكوراً تجميلياً لمجتمع تفجرت مشاكله في عصر الانفتاح والاتصال والتحرر وهذه الإعاقة أحبطت جيلاً شاباً طموحاً صدم بوقوفه منفرداً في مواجهة القضايا المعقدة الراسخة في مجتمعه العاجز عن بناء دولة الحضارة والتقدم إبان ثورات الربيع العربي.

 

فأًصبح شعوره بالعجز والمسؤولية دافعان قويان إلى المسارعة لاستحضار قوالب مسبقة الصنع لحضارات أخرى والبدأ باختبارها عبر الممارسة وتمييز خبيثها عن صالحها عبر اكتساب التجربة وتطور المعرفة وعلى الرغم من حداثة التجربة وقصرها إلا أن مبادرات محلية مشبعة بهوية وطنية بدأت تشق طريقها في عالم التنمية المجتمعية وأصبحت أسماء بعض هذه التجارب محط جذب ونقطة التقاء وتوأمة بين تجارب العمل الإنساني الدولية وتطبيقاتها ضمن هوامش الثقافة المحلية وهذا التفاعل يعبر عن بداية تشكل لحراك مدني جديد سيضيف الحداثة المطلوبة بالضرورة إلى أشكال الحراك التقليدي.


و مع استمرار أزمات المنطقة المؤلمة للشباب وغياب سياسات جدية لإفساح المجال لشباب المرحلة كي يبادر ازداد جذب هذه المنظمات لنخب الشباب وأًصبحوا أكثر شعوراً بالمسؤولية تجاه المجتمع من أقرانهم الذين وجدوا في قوارب اللجوء أو رحلات الاغتراب ملجئاً ليأسهم وعلى العكس فقد أصبحت المنطقة وللمرة الأولى تشهد حركة معاكسة وأصبحت عاملاً محفزاً لعودة المغتربين والفارين من أزمات مجتمعهم وهذا الجذب الإيجابي للشباب العامل في القطاع الخاص بدول الخليج أو أوروبا لم يكن ليتحقق بشكل واسع إلا بعد تمكن المنظمات من إقناع المانحين بضرورة دفع رواتب وأجور تعادل القطاع الخاص.

 

فالعمل الإنساني ليس عملاً تطوعياً وليس عليه بالضرورة أن يكون كذلك بل إن تدني أجور وتعويضات العاملين فيه سيدفع كثيراً من المثقفين والمتعلمين وذوي الشهادات للانصراف إلى نوافذ التوظيف في القطاع الخاص ولوجدت المنظمات مرجاً رحباً لعديمي الخبرة وقليلي الكفاءة ولاعتبارات تتعلق بحساسية العمل الإنساني ازداد حرص المنظمات على جذب الأكثر كفاءة وقدرة فمسؤول الجودة مثلا في القطاع الخاص أقل خطورة في موقعه من منظمة تعتبر مسؤولة عن حياة آلاف المكلومين بالإضافة إلى أن ترك العاملين في المنظمات أمام أطنان من المساعدات الإنسانية وبدون أجور كافية سوف يضع المستفيدين في خطر كبير كالاستغلال والإساءة والابتزاز.

 العمل الإنساني قطاع يشبه غيره من القطاعات التي لا تفتقر إلى مخاطر كبيرة أثناء الاحتكاك بها فهو مزيج ثقافي وحضاري مختلف وهو حديث العمل والتجربة 

وكالة الأناضول
 

المناطق المحررة في سورية أنموذجاً:

عملت المنظمات المحلية في المناطق المحررة منذ العام 2012 بقدرات وتوجهات وخبرات متفاوتة وذلك تبعاً لعمر التجربة وتوجه المانحين وكفاءة العاملين وبالطبع كان تأثيرها في تحسين قدرات النظام المحلي أيضا متفاوت لكنه لا يُعدم ويرجع ذلك التأثير إلى وجود الشريك المحلي القادر على تلبية الاحتياجات بالجودة اللازمة مما جعله منافس قوي لكل الفاعلين من حيث قدرته على الوصول إلى الجميع في أي مكان تقريباً وجودة الخدمات التي يقدمها وتعتبر مديريات الصحة الحرة مثالاً يقتدى للعمل المؤسساتي المحلي المدعوم من المنظمات غير الحكومية.

 

حيث تمكنت هذه المديريات من الاستجابة إلى متطلبات التطور السريع والتحول من نقطة صفر قبل أعوام إلى أكبر الفاعلين في منطقة تتجاهلها خدمات الدولة وتعيش في فوضى عارمة وأصبحت هذه المديريات تلعب دور الموجه والمنسق لعمل المنظمات غير الحكومية خلال أعوام فقط وأصبحت بيئة العمل فيها بيئة مغرية لكثير ممن احترفوا العمل في المنظمات الدولية والقطاع الخاص وبلا شك تعتبر هذه المديريات مؤسسات ثورية حضارية تتصدى لمحاولات النظام القفز من شباك الخدمات إلى المناطق المحررة.

 

ولا يتوقف الأمر عند هذا المثال فمؤسسات أخرى مثل مديريات التربية الحرة وبعض الهيئات مثل هيئة إغاثة سورية والاتحادات كاتحاد الجمعيات الخيرية والمنظمات الإنسانية المحلية مثل شفق وبنفسج وغيرها أيضاً لها دورها وتأثيرها وأهميتها في التنمية المجتمعية ولكن بقيت بعض الجمعيات القديمة واللجان الصدئة محرومة من هذا النجاح كونها لم تتخل عن أساليبها وأهدافها وكوادرها غير المناسبة لهذه المرحلة وتتشابه في ذلك مع عطالة الاتحادات النسائية والأشكال التقليدية الأخرى التي مجازاً تحتفظ إلى الآن بآلة كاتبة وتعتمد على صندوق البريد الخشبي في المراسلات وتفتقد لباقي أدوات النجاح والمواكبة كمعارف الخريجين الجدد ومرونة العمل الميداني وشعارات ترتبط بالمرحلة وآليات إدارية للسيطرة والحوكمة غير "موانة" أكبر الأعضاء سناً.

أخيراً:

إن العمل الإنساني قطاع يشبه غيره من القطاعات التي لا تفتقر إلى مخاطر كبيرة أثناء الاحتكاك بها فهو مزيج ثقافي وحضاري مختلف وهو حديث العمل والتجربة وهو متخم بالمفاهيم الجديدة مما يصح لنا وما يفسد أمرنا ويبقى ضابط أيقاع هذا كله الشريك المحلي الواعي والكفؤ القادر على قيادة وتوجيه المنظمات الدولية والمانحين الغربيين المدرك للغتهم وأبجديتهم والمدافع عن هويته وقضيته وقد دلت التجارب على نجاح الكثيرين في ذلك وإن كان هذا ريحاً فلا تغلق الباب بوجهه لكي تستريح بل اغتنم رياحك وانتفع من هبوبها وذلك ديدن العاقلين.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة