هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




أمين أمكاح
أمين أمكاح
8.9 k

الدافعية للإنجاز لا تكفي!

12/4/2018
إن الواقع اليوم يثبت بما لا يدع مجالا للشك في أن دافعية الإنجاز من العوامل التي تؤثر في توجيه السلوك وتحريكه وتنشيطه تجاه الحاجات الإنسانية، لكونها تخلق نوعا من الرغبة المستدامة في إشباع ما هو مرغوب إنجازه، مما يعني التحميس بدرجة عالية لما يعتلج النفس من طموحات، أي أن دافعية الإنجاز هي بمثابة قوة ذاتية تدفع الفرد إلى سلوك محدد في وقت معين، وقد تسبب تلك القوة الداخلية إلى استمرار السلوك إلى أن يحقق الفرد غايته ويصل إلى هدفه.
 
وعلى ذلك فإن النشاط الإنساني الواعي هو فعل موجه نحو غرض معين أو هدف مرغوب، فلا وجود لدافعية من دون هدف يوجه السلوك وجهة الإنجاز، ويمكن اعتبار الدافعية للإنجاز شكلا من أشكال الاستثارة الملحة التي ينتج عنها نوع من الفعالية أو النشاط نحو الإنجاز، فالإنسان يعيش حياته مدفوعا نحو تحقيق أهدافه وطموحاته التي تبلور معنى الحياة عنده، ومن ثم يمكن لنا تفسير كثير من السلوك البشري في ضوء دافعية الفرد، لأن أداءه وإقباله على إنجاز أعمال معينة مرهون بنوعية الدافعية التي لديه، ولذلك نجد في الموقف الواحد حدوث تباين في سلوك الأفراد سواء من الناحية الكيفية أو الكمية، وقد يرجع أيضا اختلاف السلوك إلى نوعية الدافعية المتبعة.
 
وبالرغم من أن لدافعية الإنجاز أهمية بالغة ودور فعال في الرفع من مستوى أداء الفرد وإنتاجيته في مختلف المجالات، إلا أنها تبقى غير كافية للبدء في الإنجاز وإنهائه الذي يعد محصلة أمور كثيرة ممهدة تسبق مرحلة الإنجاز، والتي بمجرد ما أن يتم إنهاؤها إلا ويصبح تحقيق ما يطمح له ويتمنى بلوغه مسألة وقت لا أكثر. ومما تحتاج له دافعية الإنجاز بشدة هو وجود قوى خارجية داعمة توفرها البيئة التي تحيط بالفرد، لكي تتم إثارة سلوكه السوي المرتبط بما يقوم به الإنسان وبما يفعله، ويتحدد شكل العمل المراد إنجازه بمدى سعي المرء ومثابرته في سبيل تحقيق نجاح ما أو بلوغ أي هدف قابل للإنجاز.
 
قد تضع دافعية الإنجاز الإنسان في مستويات مرتفعة من الأداء والسعي نحو تحقيق ما يصبو له، لكن العمل بمواظبة شديدة ومثابرة مستمرة في ضوء مستوى الامتياز والتفوق لن تمنحه هذه الدافعية
لا تثمر بدافعية الإنجاز أجود الأشياء حينما يفتقر الفعل المنجز للإخلاص الذي هو الجوهر الأساس لكل إنجاز، فالإنجاز الذي يؤدى بلا ضمير وبلا مسؤولية لا يمكن أن يصل إلى مرتبة الإتقان، كما أن الإنجاز غير مرهون بمدى غزارة الإنتاج والعطاء فيه بقدر ما هو مقرون بمدى الإخلاص فيه الذي هو أصل صلاح أي إنجاز كيفما كان، بالسعي على إتباع الطريقة التي تسمح القيام بالعمل المراد إنجازه والانتهاء منه في أفضل صورة وعلى أتم وجه وبكل تفان وإتقان.
 
إن توفر الفرد على دافعية الإنجاز لا يعني أن احتمالية حصول النجاح مرتفعة حين يكون التسويف والتراخي طاغيا على طبع المرء، أي أن الدافعية نحو الإنجاز لا تكفي المتهاون الذي يمارس التأجيل المتكرر أو التأخير الاعتيادي للبدء أو الانتهاء من الإنجاز المطلوب منه لتحقيق أهدافه، الشيء الذي يقلل من فرض النجاح في ما يفعله، ذلك ما يمكن اعتباره تلكؤ، فالذي لديه الاستعداد للإنجاز يلزم نفسه التخطيط المحكم لما يطمح إلى إنجازه ثم يعمل بعد ذلك على تنزيل ما خطط له فيطبقه في واقعه، فبعد وضع الخطط ينبغي الانتقال إلى تنفيذها بدون مماطلة وبلا كلل أو ملل.
 
وعندما تفقد الرغبة في التغلب على العقبات ويحصل الميل إلى الوقوع في حالة سكون نحو إيجاد حل للمشكلات التي تحول دون تحقيق الأهداف، فلا يصبح للدافعية الإنجاز أية قيمة، لأنه يكون الاستسلام وسيلة التي يتعامل بها مع ما ينبغي أن يتصارع من أجله، وكذلك لعدم امتلاك القدرة على اتخاذ القرار، فمثلا الفرد الذي يعتاد على التلكث يكون في تردد مريب؛ هل يواصل نحو الهدف الذي ينشده أم يتوقف؟ مما يعني أنه يلزم لذلك الغرض نوع من الجرأة المعقلنة التي تتطلب أيضا الكفاح والمجاهدة لأداء المهام الصعبة المرتبطة بالأهداف والطموحات.
 

  

كما أن الذي يفشل في الرفع من جهده في مهمة ما لا تصبح لدافعيته الذاتية للإنجاز دور مهم، لأنه حين يتخلى عن بذل الوسع بجد سيقع حتما الفشل في المواظبة على الاجتهاد، ولا يستطاع الوصول إلى أية بغية بعد ذلك لأنه بذلك يفتقد ما يمكنه أن يساعد على تحقيق الأهداف التي تعد محركا رئيسيا للفرد، والإنجاز يتطلب ازدياد قيمة الباعث للنجاح، فكلما كانت المشقة كبيرة، يكون الباعث أكبر قيمة للحفاظ على مستوى الدافعية مرتفعا، ولا ينبغي أن يكف المرء عن المحاولة وإن أخفق، وذلك في حدود احترام القيم الأخلاقية التي تتناسب طرديا مع طاقته، بمعنى أنه كلما كانت قدرات الإنسان كبيرة كان إحساسه بقيمته الإنسانية عاليا.

 

بالإضافة إلى أن الدافعية للإنجاز لا تكفي وحدها لكي لا يميل المرء في المواقف الاضطرارية لقبول الوضعيات التي تتعارض مع المنظومة الأخلاقية السوية ويتطبع معها ما لم يكن صاحب قيم فعالة، وإلا فإنه سيحاول دائما تبرير تصرفاته غير الأخلاقية التي يقع فيها ويداوم ممارستها. وليكون الفرد صاحب بصمة أخلاقية فارقة وفريدة يحتاج لتحقيق الذات النبيلة التي بداخله والتي لا ترتبط بدافعيته الذاتية للإنجاز فقط، وتتضح حقيقة الفرد الإنسانية حين يقوم بترجمة أفعاله وتصرفاته وإمكاناته إلى واقع نبيل ومفيد وذات قيمة إيجابية للآخرين.

 
فقد تضع دافعية الإنجاز الإنسان في مستويات مرتفعة من الأداء والسعي نحو تحقيق ما يصبو له، لكن العمل بمواظبة شديدة ومثابرة مستمرة في ضوء مستوى الامتياز والتفوق لن تمنحه هذه الدافعية، فالذي يرغب في النجاح في مواقف الإنجاز تكون قدراته عالية على التكيف والتعايش مع الأوضاع الصعبة والمزرية، ولا يتعذر بشيء لثقته الذاتية المنبثقة من قوة إرادته الصلبة التي لا تهزم.

 

وفي الختام يبقى الحديث هنا عن عدم كفاية دافعية الإنجاز في تحقيق الأهداف والطموحات لمما ينبغي أن يدعو إلى الاجتهاد والعمل أكثر على مختلف النواحي، وليس أبدا حديثا بمعرض الدعوة إلى التشاؤم والركون.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة