جمعيات العمل الطوعي.. الوجه المظلم للقمر

16/4/2018

مساعدة مرضى الكُلى، الحقائب الرمضانية، كسوة الشتاء، تأهيل المدارس، تأهيل المعوقين، دعم الأسر المحتاجة.. إلخ. كلها أعمال خيرية تطوعية تقوم بها جمعيات روادها من الشباب الذي أحس بالمسؤولية تجاه مجتمعه ويحاول إصلاح ما يمكن إصلاحه، بدافع نبيل وحب عظيم ورغبة قوية في مد يد العون، ونحن لا يمكننا أن ننكر دورهم الفعال بأي شكل من الأشكال، والإحصائيات لأعمال كهذه غير ثابتة لأنها في تزايد مستمر، ولكننا في هذا التدوينة نحاول تسليط الضوء على بعض مواطن القصور، وهدفنا من ذلك كله تجويد الخدمات المقدمة، لأن الأوطان تستحق الأفضل.
 
دعونا نتحدث بجدية وحيادية بعيداً عن العاطفة، وبعيداً عن ثورة الاندفاع للشباب في هذه الجمعيات، هناك ثلاث نقاط مهمة يجب أن ننتبه لها ونتناقش حولها، ونسمع آراءً أكثر بشأنها، هي ليست الوحيدة، ولكن على حسب وجهة نظرنا هي الأكثر تأثيراً على العملية ككل:

 

النقطة الأولى.. غياب التوجيه

كثير من هذه الجمعيات والأعمال الطوعية قائمة في الأساس على مجهودات لشباب يحركه الحماس وتنقصه الخبرة -ليست كلها ولكن الأغلب- هناك غياب واضح للتوجيه والخبرة، وتفكك في الهياكل الإدارية، إن وجدت، وأعداد غير ثابتة من المتطوعين تتزايد وتتقلص بصورة غير مدروسة وفي أقوات غير محددة وغير موسمية. وحتى الهياكل الإدارية المتواجدة، نجد أغلب المسؤولين منها والمشرفين عليها قليلي الخبرة، إذ يعتمد الاختيار في الأساس على الأشخاص الذين بدأوا بالفكرة، أو المعرفة والعلاقة القائمة بين المتقدم للمنصب وشعبيته بين المتطوعين.
 

النقطة الثانية.. عدم أخذ العمل الطوعي بجدية
العمل الطوعي ليس أساس التغيير بقدر ما هو شرارة قوية تساعد على الثورة والتغيير، وجوهر عمله هو التركيز على النقائص في المجتمعات النامية ومحاولة لجعل المجتمع ينتبه لحقوقه

إذ يعتبر -معظم- المنتسبين لهذه الجمعيات العمل ضمنها كهواية غير قابلة لتتطوير يمارسونها في أوقات الفراغ، أو عمل جيد يبعدهم عن الملل ويدمجهم في مجتمعات جديدة يمكن الاستفادة منها ومن تجاربها، أو يمكن أن يكون بدافع العطاء حقيقةً ولكنه ليس بتلك الأهمية لديهم، وهنا أيضاً يجب أن نشير إلى أن معظم المنتسبين لا يؤمنون بضرورة توفر صفات معينة في المتطوع، وكفاءته لتأدية المهام الموكلة إليه، ويعتقد أنه قادر على العطاء لمجرد رغبته بذلك معللاً عدم تقاضيه لمقابل مادي جراء خدماته المقدمة وإن كانت رديئة. كما أن هناك أشخاص لم تتح لهم الحياة فرصة الدخول في مجتمع مختلط، فيجدون في العمل الطوعي نافذة تطل على هذا النوع من المجتمعات.
 

النقطة الثالثة.. هل العمل الطوعي ذا جدوى؟

هناك جمعيات مختصة بقضايا معينة، كقضايا التعليم والصحة ومكافحة الألغام وغيرها، ويلزم في جمعيات كهذه التخصصية في المجال، وهنا أحب أن أغض الطرف عن بقية التخصصات والتركيز على تخصص معين، ليس لشيء وإنما لأنه الركيزة الأساسية التي ترتكز عليها بقية الأشياء، وهو التعليم، والجمعيات الطوعية المختصة بأمور التعليم وإصلاح البيئة المدرسية وما شابه، في جمعيات كهذه يجب أن نتوقف قليلاً ونتساءل بعض التساؤلات المهمة، فلنقل أننا قمنا بكل حماس وجدية وأعدنا ترميم مدرسة آيلة للسقوط وتحسين بيئتها الدراسية، وطلاء الفصول وزرع الأشجار، وتوفير مصدر جيد لمياه الشرب ووجبات غذائية، وطلاب جامعيين تطوعوا لتدريس المواد والمقررات الدراسية، علينا أن نتساءل أولاً قبل كل هذا هل يحب الطلاب المدرسة أصلاً؟

 

ماذا إن كان التلاميذ والطلاب ليس لديهم القابلية للتعلّم من الأساس؟ هل كل ما سبق يكون ذا جدوًى؟ والتساؤل الأكبر: هل المقررات الدراسية هذه تصلح أصلاً؟ هل تساعد في تنمية المهارات والقدرات لديهم؟ هل تلبي احتياجاتهم؟ هل تحرك شرارة الفضول بداخلهم؟ بتوجهات وأعمال كالتي ذكرتها سابقاً لن تكون لكل هذه الأعمال العظيمة والجبارة فائدةٌ تذكر، ولن نساعد في دفع عجلة التعليم هذه قيد أنملة، بل إننا في الحقيقة نبدد أموالاً وجهوداً في أمور لا طائل منها، إننا بهذا كالذي يحمل قطعة إسفنج مبلولة بالماء ويحاول إيقاف التسرب بقطعة أخرى، الماء يتسرب لا محالة، والمشكلة قائمة، وعدد الطلاب الذين يتركون فصول الدراسة في تزايد لا يتوقف. إذاً نحن لم نحل المشكلة، ولم نقترب من الحل حتى. يجب أولاً أن نجيب على هذه التساؤلات ونعمل على إيجاد حلول لها، وبالتالي نكون قد اقتربنا من الهدف المرجو.

 
أكرر أن مواطن القصور هذه تشمل غالبية الجمعيات وليس كلها بالتحديد، هناك جمعيات قوية ومؤسسة على معايير عالية وتهدف لتنمية مستدامة، وتوظف كفاءات وتعمل على تطوير مهارات منتسبيها لتقديم خدمات عالية. يجب أن نعترف أن الدول التي تعمل فيها الجمعيات في توفير أساسيات لا بد منها، كالصحة والتعليم، دول تقع على المحك، دول قريبة من الهاوية.

 

العمل الطوعي ليس أساس التغيير بقدر ما هو شرارة قوية تساعد على الثورة والتغيير، وجوهر عمله هو التركيز على النقائص في المجتمعات النامية ومحاولة لجعل المجتمع ينتبه لحقوقه، لذا يجب أن نغير نظرتنا تجاه العمل الطوعي، ونعمل جادين في تطويره، وتقديم الأفضل. العمل الطوعي ليس الحل، الحل الحقيقي يبدأ منه.

#يتصدر_الآن

تحت عيون الغرب.. هل هناك علاقة بين الدراسات النسوية والخطاب الاستعماري؟

تحليل التفسير الخطابي الذي تصوره النسوية الغربية عن نساء العالم الثالث يمكن اعتباره خطوة أولى نحو مشروع آن أوانه، وهو صياغة استراتيجيات نسوية مستقلة من الناحية الجغرافية والثقافية والتاريخية.

1.7 k
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة