محمد المقدّمي
محمد المقدّمي
289

اللامركزية والانتخابات البلدية في تونس

22/4/2018

تكمن أهمية الانتخابات البلدية القادمة في تونس في كونها أول انتخابات محلية من نوعها منذ أحداث 2011. وقبل أن تنعقد هذه الانتخابات في 6/5/2018 بالنسبة لعموم الناس من غير الأمنيين والعسكريين جيشت الأحزاب كل ما لديها من قوى مادية وبشرية وماكينات إعلامية وانتخابية من أجل حصد أكبر عدد ممكن من المجالس البلدية.


وإذا استثنينا حركة النهضة وحزب نداء تونس في تقديمهما كل القائمات الانتخابية لمجمل الدوائر الانتخابية 350 المنتشرة في البلاد، فإن بقية الأحزاب لم تستطع الوصول حتى إلى منتصف تلك القائمات. وهذا يؤكد مرة أخرى أن جل الأحزاب الموجودة في البلاد هي مثل الفطر الأبيض لا تعدو أن تكون مجرد فقاعات إعلامية وظواهر صوتية مدعومة من رأس المال الفاسد والسفارات الأجنبية.


ولذلك فإن المعركة الحقيقية في هذه الانتخابات هي بين الحزبين الحاكمين: حركة النهضة وحزب نداء تونس. ومع ذلك فإن قدرة هذين الحزبين على توفير قائمات لكل الدوائر الانتخابية لا يعكس حقًا قبولًا لهما في أوساط المجتمع بقدر ما يعكس هيمنتهما على السوق الانتخابي بفضل قدراتهما المالية أو التنظيمية في ظل وجود مؤشرات عديدة تدل على عزوف العديد من الشباب عن المشاركة في الانتخابات.


أما الأحزاب الصغيرة سواء كانت محسوبة على "أنصار الثورة" مثل حركة تونس الإرادة (المنصف المرزوقي) وحزب التيار الديمقراطي (غازي الشواشي ومحمد عبو) وحركة وفاء (عبد الرؤوف العيادي) أو كانت محسوبة على "تيار الحداثة" مثل حركة آفاق تونس (ياسين إبراهيم) ومشروع تونس (محسن مرزوق) والجبهة الشعبية (حمة الهمامي) فإنها لا ترقى إلى منافسة حركة النهضة وحزب نداء تونس بسبب ضعف مقدراتها المالية والتنظيمية وتدني حضورها الشعبي. وهذه العوامل قد ساهمت في تقليص فعالياتها الانتخابية وحضورها في كل الدوائر الانتخابية.

خاض حزب نداء تونس معركته الانتخابية ضد حركة النهضة بالترويج إلى أن الرهان هنا هو المنافسة بين مشروع (الدولة الوطنية) ومشروع (الإسلام السياسي) كما صرح بذلك برهان بسيس

إن نداء تونس باعتباره الوريث الشرعي لحزب التجمع الدستوري ونظام بن علي وهو المعبر الحقيقي عن الدولة العميقة الممثلة لمصالح العائلات الغنية المتحالفة مع امتيازات الشركات الدولية المستعمرة لثروات البلاد، لم يجد أفضل من اتباع أسلوب الهجوم على التيار الإسلامي وتخويف الناس من خطر "أخونة" الدولة والتراجع عن مكتسبات "الحداثة البورقيبية" وبخاصة في مجال "حقوق المرأة والتعليم والحريات الشخصية" في اقتراف المحرمات.


ولذلك خاض حزب نداء تونس معركته الانتخابية ضد حركة النهضة بالترويج إلى أن الرهان هنا هو المنافسة بين مشروع (الدولة الوطنية) ومشروع (الإسلام السياسي) كما صرح بذلك برهان بسيس، المكلف بالشؤون السياسية في حركة نداء تونس. والحقيقة أن هذا التصريح لا يعكس صراعًا حقيقيًّا بين مشروعين مجتمعين في ظل الاتفاقات المبرمة منذ سنوات بين الشيخين (الغنوشي والسبسي) على تقاسم السلطة وفي ظل قبول حركة النهضة بتحولها من حركة ضد الدولة إلى حركة جزء من الدولة.


ومن هنا تتحاشى حركة النهضة إلصاق صفة "الإسلام السياسي" بها، وذلك ليس نابعًا من رفضها للقاموس السياسي لفلسفة الحكم في النظام الغربي الذي لا يتصور (الدين) إلا باعتباره عقيدة روحية تعتني بشؤون الآخرة أو ما يتعلق بها في هذه الحياة من قواعد "الأخلاق" والسلوك الفردي. بل ترفض حركة النهضة هذا المفهوم لما يطرحه من مشكلات سياسية داخلية وخارجية ولأنه يشكل أداة دعائية تستخدم بكثافة ضدها.


وقد سبق لحركة النهضة أن أعلنت الفصل بين "الدعوي" و"الحزبي" وهي تحرص كثيرًا على الظهور بمظهر الحركة الوطنية و"المدنية" المنفتحة والملتزمة بقيم "الديمقراطية والمواطنة". ولعل آخر محاولاتها في إثبات حسن النية لدى الدوائر المتنفذة في الداخل والخارج هو ترشيحها لمواطن تونسي يهودي الديانة على إحدى قوائمها الانتخابية في ولاية المنستير. وهذه المنطقة تحمل دلالة كبيرة عند مستعملي "المشروع البورقيبي" لأنها موطن ولادة ودفن الرئيس الأسبق لتونس وعميل الغرب بامتياز الحبيب بورقيبة.

ومع ذلك فقد استغلت حركة النهضة التصريحات التي أطلقتها سهام بن سدرين، رئيسة هيئة الحقيقة والكرامة، ضد الحبيب بورقيبة وفترة حكمه لصالحها في الحملة الانتخابية. ذلك أن بن سدرين قد فتحت نقاشًا واسعًا حول "وثيقة الاستقلال" التي فرطت في ثروات تونس من الملح والفسفاط والبترول لصالح المستعمر الفرنسي الذي يرفض إلى حد اليوم السماح بالاطلاع على أرشيف المرحلة السابقة واللاحقة لتاريخ 20 آذار/مارس 1956.

هذه الانتخابات سوف تكشف مقدار حجم كل الأحزاب في الأوساط الشعبية وسوف يكون لها تأثير قادم على الانتخابات البرلمانية والرئاسية عام 2019

الجزيرة


وبسبب ما أحدثته تصريحات سهام بن سدرين من تعرية لمنظومة الحكم القائمة في تونس منذ "الاستقلال" وارتباطها بالمستعمر الفرنسي، فقد قام حزب نداء تونس ومواليه من أيتام فرنسا وأطياف اليسار الانتهازي (محسن مرزوق) والاستئصالي (حمة الهمامي) بهجمة مرتدة عندما رفضت كتلهم النيابية التمديد لهيئة الحقيقة والكرامة للقيام بأعمالها رغم أن القانون الأساسي للهيئة لا يعطي الحق لمجلس الشعب في القيام بذلك.


وأمام هذا الهجوم لأيتام فرنسا على سهام بن سدرين وهيئة الحقيقة والكرامة والضغط الكبير الذي مارسه حزب نداء تونس على ملف العدالة الانتقالية أعلنت حركة النهضة في بيان لها يوم 28/3/2018 تخليها السياسي عن الهيئة مع تمسكها بمسار العدالة الانتقالية بـ "قطع النظر عن من يدير هذا الملف"، وبالإضافة إلى ذلك أعلنت الحركة احترامها لـ"مؤسسات الدولة ورموزها ورفضها لكل أشكال المس منها". 


إن حركة النهضة وحزب نداء تونس يدخلان الانتخابات على قاعدة التباين في الموقف قبل الاقتراع والتعايش في الحكم بعد صدور النتائج، رغم أن الظاهر بينهما هو التنافس على قاعدة التضاد بين "الحداثة الغربية" و"الإسلام السياسي". ولكن الراجح أن تنتهي المنافسة بين الحزبين بمقتضى اتفاق الشيخين على تقاسم الأغلبية بينهما بما يشكل استمرارًا لشراكة الحكم تحت رئاسة رئيس الوزراء يوسف الشاهد الذي لا يحل ولا يعقد أمرًا إلا بتوجيه محكم من صندوق النقد الدولي.


ومع ذلك فإن هذه الانتخابات سوف تكشف مقدار حجم كل الأحزاب في الأوساط الشعبية وسوف يكون لها تأثير قادم على الانتخابات البرلمانية والرئاسية عام 2019. ومن هنا تأتي أهمية اللامركزية التي تدفع بها بعض الدوائر الغربية في هذه الانتخابات وغيرها من الانتخابات المحلية؛ لأن نتائجها مهما كانت سلبية على الأحزاب الصغيرة فسوف لن تؤثر على وجودها في أية انتخابات قادمة.

للامركزية سوف تكون إعادة تدوير وتوزيع للفقر لأن الحكومة المركزية سوف تلقي بالديون الخارجية والداخلية على كاهل البلديات ومجالسها المحلية التي لن يكون أمامها سوى العمل على تسديد هذه الديون

إن اللامركزية في ظاهرها هي منح السلطة للبلديات في سياق إعطاء مزيد من المسؤوليات والقدرة على محاسبة المسؤولين الحكوميين المحليين فيما يتعلق بالبطالة وخدمات المواصلات والنظافة ومشاريع البنية التحتية وتجاوز سياسات التهميش والإقصاء التي عاشتها المناطق الداخلية لعقود من حكم الدولة البورقيبية ودولة الطرابلسية (نسبة إلى ليلى الطرابلسي وإخوتها في عهد زين العابدين بن علي).


لقد أقر دستور 2014 في الباب السابع بضرورة إضفاء الطابع اللامركزي للحكومة من خلال تعزيز الحكومات المحلية، ومع ذلك فإن مجلس الشعب لم ينجح في وضع إطار قانوني محدد لآلية تنفيذ اللامركزية أو التنسيق بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية. والسبب وراء ذلك أن مشروع اللامركزية لم يكن نابعًا من قناعة عند الفئات الحاكمة بإعادة توزيع الثروة والسلطة في البلاد بل هو جاء في سياق تنفيذ أحد شروط البنك الدولي الذي ربط بين اللامركزية وحزمة جديدة من القروض يقدمها البنك الدولي للإعمار والتنمية التابع للبنك الدولي.


والحقيقة أن اللامركزية والتي سوف يترتب عليها منح البلديات الاستقلال المالي والإداريِ، لن تكون في ظل الدولة الحالية القائمة على الارتهان إلى المستعمر وأدواته النقدية والمالية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي) لن تكون سوى تنصل قانوني ودستوري لهذه الدولة من مسؤولياتها السياسية في رعاية شؤون الناس وعدم تحمل أية ردود فعل شعبية على فشل السياسات والخطط المحلية النابعة من المجالس البلدية.


وبعبارة أخرى فإن اللامركزية سوف تكون إعادة تدوير وتوزيع للفقر لأن الحكومة المركزية سوف تلقي بالديون الخارجية والداخلية على كاهل البلديات ومجالسها المحلية التي لن يكون أمامها سوى العمل على تسديد هذه الديون بدل العمل على حل مشاكل الجهة أو المحليات الموجودة فيها.


إنه من الأكيد أن الفشل سوف يكون مصير تلك المجالس البلدية التي سيتولاها في العموم عديمو الكفاية وأصحاب الولاء للحاكم والبراء من الشعب، فهي مجالس لن تكون سوى ضغثًا على إبالة باعتبار أنها لن تكون سوى مجرد وعاء يتم فيه تفريغ الديون وتوصيات الدول الاستعمارية الغربية وأدواتها الضاربة عبر القارات من شركات ومؤسسات دولية التي تتحكم في ثروات البلاد في الأرض وتحت السماء.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة