سليم بلقاسم
سليم بلقاسم
917

الإعلام التونسي ورهانات الثورة

23/4/2018

ظل التونسيون طيلة 60 سنة من حكم بورقيبة وبن علي يستهلكون نفس الطبق الإعلامي الخاضع لسلطة النظام الحاكم والمتحدث الرسمي لسياساته التسويفية في خرق واضح لأخلاقيات الرسالة الإعلامية حتى حل الربيع العربي ذات شتاء من سنة 2011 بانتفاضاته حامل معه نسائم الحرية. حاولت وسائل الإعلام التونسية العامة والخاصة خلال فترة انتفاضة 17 ديسمبر- 14 جانفي نقل صورة مغايرة للواقع وتمرير خطاب وحيد متمثل في خطب وبيانات صادرة من نظام بن علي محاولة منها المساهمة في تثبيت حكم المنظومة الفاسدة، إلا أن الحراك الشعبي كان أقوى بكثير وخسر بن علي الحرب الإعلامية والميدانية.

 

دور الإعلام البديل في نجاح مسار الثورة

الحق يعلو ولا يعلى عليه يبزغ شمسه رغم أنف غيوم وظلام الباطل، كلما حاولوا طمسه وإخفائه تمسك بالظهور والخروج للعلن. بقدر الانحياز المفضوح من الإعلام الرسمي وتغييبه لأخبار الاحتجاجات التي جدت بكامل تراب الجمهورية وإن تطرق لها فالغرض الأساسي كان التشويه ونسبها لشرمذة من اللصوص، تمكن التونسيون من كسر هذا الحصار والتمكن من نقل الأحداث الدموية وتخليد شهدائهم بفضل التكنولوجيات الحديثة المتمثلة أساسا في فيسبوك وتويتر والمواقع الإخبارية الغربية بالرغم للحجب الكبير الذي كان تمارسه الشرطة الإلكترونية لنظام بن علي. ساهمت هذه المنصات الإعلامية البديلة في نشر أخبار الانتفاضة ومواكبة تحركات الشعب التونسي بجميع أطيافه وحساسياته السياسية والاجتماعية بكل نقطة من تراب الوطن الجريح.
 
الإعلام البديل كان له فضل هام ليس بنقل الحقيقة المخفية فقط بل أيضا ساهم في كسر حاجز الخوف الذي كان مقيدا للتونسيين لسنين طويلة ولحد الآن يظل فيسبوك مثلا الناقل الرسمي لأخبار المنسيين والمهمشين لدى الإعلام الرسمي العمومي منه أو الخاص الذي لم يرتق إلى مستوى الأحداث والتطلعات التي جاء من أجلها، فقد بوصلته ودخل جوقة الإعلام المبتذل، الركيك والناشر للميوعة. أثناء انتفاضتهم وثورتهم وجد التونسيون قناة الجزيرة الملاذ والصدى لإبلاغ صوتهم وتدويل قضيتهم وثورتهم ونقلها لجميع أنحاء العالم الذي صفق كثيرا لصمود ورغبة التونسيون للتحليق في سماء الحرية وإزاحة جدار الصمت بعد سنين طويلة من الكتمان والحرمان.

 

غياب الحياد في زمن الحرية
منذ اعتلاء الباجي قائد السبسي لسدة الحكم صحبة حزبه نداء تونس شاهدنا تغيير في الخطاب الإعلامي ب 180 درجة وغاب النقد وأصبحنا نشاهد إعلام مساند ومطبل

الرسالة الإعلامية من أهم ثوابتها الأمانة ونقل الحقيقة كما هي والوقوف على نفس المسافة بين جميع الأطراف السياسية خاصة في دولة تعرف حراك وتنوع سياسي غير مسبوق إبان 14 جانفي 2011، شهدت المنابر الإعلامية العديد من التجاوزات اللاأخلاقية وغياب الحيادية والحرفية المهنية أين احتلها أشباه المحللين وتكرار استضافتهم والحاملين لنفس الفكر والتوجه السياسي الموالي لحزب التجمع المقبور مع محاولة التطبيل للنظام في مشاهد خلناها اختفت برحيل الدكتاتورية.

  

سأتطرق إلى حالتان مهمتان سقط فيهما الإعلام في فخ ازدواجية الخطاب وغياب الحيادية:

الخطاب الإعلامي قبل وبعد 2014

منذ انتخابات المجلس التأسيسي وإفرازه لحكومة الترويكا وتقلد المنصف المرزوقي رئاسة الجمهورية، جيش الإعلام نفسه وانطلق في حملة لم يكن الهدف منها تقديم صورة الإعلام الناقد الموضوعي إنما وقف موقف المعارضة السياسية ضاربا بكل أبجديات العمل الصحفي عرض الحائط واضعا نفسه تحت سطوة المال السياسي والإيديولوجيا المخالفة لنظام الحكم في تلك الفترة. رأينا الفبركات الإعلامية والأكاذيب من كل صوب وحدب محاولة منهم إضعاف الحكومة وحاكما عليها بالفشل من اليوم الأول وإن أقر بنفسي بفشلها وضعفها وعجزها على تحقيق أهداف الثورة لكن إسقاطها يكون عبر صناديق الاقتراع وليس من خلال المنابر الإعلامية.

  

 

من جهة أخرى منذ اعتلاء الباجي قائد السبسي لسدة الحكم صحبة حزبه نداء تونس شاهدنا تغيير في الخطاب الإعلامي ب 180 درجة وغاب النقد وأصبحنا نشاهد إعلام مساند ومطبل للنظام ومبرر لفشله وحتى لسقطاته اللأخلاقية ورئيس دولة فوق سهام النقد بالرغم لكل الإهانات التي توجه بها للإعلاميين منذ عودته للحياة السياسية.

 

السقوط أمام بن سدرين وهيئتها

أثارت وثيقة الاستقلال التي كشفت عنها سهام بن سدرين عديد التعاليق وأسالت من ورائها الكثير من الحبر، كان الاعتقاد أن الإعلام سيطرح الموضوع بصفة المدقق والناقل الموضوعي للقضية، إلا أننا تفاجئنا بحملة مسعورة تجاه الهيئة وبن سدرين ومحاولة التضليل على الحقيقة المكشوفة واستدعاء بعض المؤرخين والذين خرجوا في ثوب المدافع على المستعمر السابق حتى المؤرخ الكبير والمشهود له بالكفاءة عبد الجليل التميمي صاحب مؤسسة التميمي للبحث والمعلومات لم يسلم من سهام النقد المسمومة وأصبح عرضة للهجومات من أشباه الإعلامين والمحللين لا لشيء لأنه أقام ندوة فكرية تمحورت حول الاستقلال والوثائق المستخرجة من الارشيف الفرنسي. للأسف هرب بن علي إلى السعودية وترك خلفه أبواق دعاية وسياسة إعلامية متواصلة لأصوات سلكت نفس الاسلوب من المغالطة وقلب الحقائق.

 

إلى متى سيظل الإعلام في تونس بعيد عن الحقيقة؟ ومتى سنرى إعلام محايد وموضوعي مصطف ومناصر لقضايا شعبه؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة