هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




خباب مروان الحمد
خباب مروان الحمد
436

هل تُدنّس السياسة دين الفقيه؟

30/4/2018

من نافلة القول أنّ السياسة لا تليق بأي أحد؛ ونحن ههنا نتحدث عن السياسة الشرعيّة التي تقوم على وزان المبادئ الشرعيّة؛ فكيف إذا كان حال القائم بالسياسة في زمن كثر فيه المكر والخداع، والمكائد والحِيل، ويعمل في جو يُنحّى فيه الدين، وتُجنّب الأخلاق عن اعتبارها في خِضمّ العمل السياسي القائم على المصالح والمنافع والأكاذيب.

 

طبيعيٌ مع هذا كلّه أن تكون السياسة لها سلبياتها التي تؤثّر على العاملين بها في حقل الدعوة الإسلامية، مِمّن يرجو في عمله الخير والنفع العام. العمل السياسي لا يليق بأيّ أحد؛ لئلا يُنزل ذلك العمل من أقدار الرجال الذين لهم مكانة سامقة في أعين الناس؛ ومن هنا نفهم مغزى ألمح إليه الصحابة الجليل عمر بن الخطّاب؛ بعدما كتب إليه أُبَيّ بن كعب -رضي الله عنهما- وقال له: مالك لا تستعملني؟ فقال له عمر بن الخطّاب: أكره أن يُدنّس دينك) (السير، للذهبي: 1/ 398). وبهذا الاعتبار نأخذ أهميّة تنحي أكابر الفقهاء والعلماء عن خوض العمل السياسي، المُراد به إدارة أحوال الناس وشؤونهم السياسيّة؛ مع ضرورة أن يكونوا المرجعية الشرعية في حالة الاستشارة وإبداء النصيحة والمراقبة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ومعارضة الفساد.

 

ما نراه في واقع كثير من الحراك السياسي الإسلامي: تحييد السماع لعلماء الشريعة في صناعة القرارات السياسية؛ بل يُطلب أن يكون العالِم مُوافقاً على رؤية القيادة السياسية

لقد كان أُبي بن كعب من أكثر الصحابة إقراءً للقرآن؛ ولهذا كان يرى عمر بن الخطّاب - رضي الله عنه - أنّ وجود أبي في عمل كهذا؛ قد يصرفه عن متابعة الإقراء لكتاب الله، وينشغل بأعباء السياسة وقد يحصل فيها من تقصير أو مُجاوزة للحد؛ وخاصّة أنّ هذا العمل يحتاج لتجربة وخبرة؛ ولم يُعلم أنّ أبيّ بن كعب - رضي الله عنه - قد مارسه سابقاً؛ فيكون من تقصيره سبب لنفور الناس عنه أو اتّهامه بما لا يليق به؛ فتنحيته عن أداء هذا الدور من النصح للمسلمين؛ طبقاً لقاعدة: الرجل المناسب في المكان المناسب.

 

وقد يكون بعض من رزقهم الله علماً من أقوى الناس في علومهم؛ لكنّ بنيتهم النفسيّة أو الجسديّة لا تقوى على متابعة وإدارة الحياة السياسيّة؛ فإذا ما ولجوا إليها؛ وقعت هنّات وزلاّت وعثرات؛ فظُنّ بهم السوء؛ وقيلت عنهم الأقاويل؛ ولم يكن ذلك بسبب فساد في نفوسهم؛ بل غفلة وضعف وسوء إدارة. روى الترمذي في جامعه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما أقلّت الغبراء، ولا أظلّت الخضراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذرٍ) فهذا الصحابي مع صدقه، ونزاهته مع نفسه؛ إلاّ أنّه لا يُناسب استعماله في إدارة شؤون الناس؛ فقد روى مسلم في صحيحه أنّ أبا ذر قال: (قلت: يا رسول الله ألا تستعملني قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال يا أبا ذر إنك ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) وفي رواية أخرى في صحيح مسلم فقال لي رسول الله: ( يا أبا ذر إني أراك ضعيفا وإني أحب لك ما أحب لنفسي لا تأمرن على اثنين ولا تولين مال يتيم).

 

قال الإمام الذهبي معلّقاً: (فهذا محمول على ضعف الرأي، فإنّه لو ولي مال يتيم لأنفقه كلّه في سبيل الخير؛ ولترك اليتيم فقيراً؛ فقد ذكرنا أنّه كان لا يستجيز ادّخار النقدين، والذي يتأمر على الناس يريد أن يكون فيه حلم ومداراة، وأبو ذر- رضي الله عنه كانت فيه حدّة؛ فنصحة النبي صلّى الله عليه وسلّم) (السير، للذهبي: (2 /75) ).

 

إنّ الضعف الوارد على أبي ذرٍ قد يَرِدُ على غيره؛ ليس من باب خيانة الأمانة، أو طمع النفس في الدنيا؛ بل المقصود أنّ الواجب في الإمارة والولاية القوّة والمسؤولية وحسن الإدارة؛ وهي صفات لا تجتمع في أبي ذرٍ، وما ضرّ أبا ذرٍ ذلك؛ فصيانته عن ذلك لم تُخلّف لنا من يتّهمه بسوء. ومثله ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي مُوسَى الأشعريّ رضي الله عنه، قال: دَخَلْتُ على النبي صلى الله عليه وسلم أنا ورجلان من قومي، فقال أحد الرجلين: أمّرنا يا رسول الله، وقال الْآخَرُ مثله، فقال صلى الله عليه وسلم: (إِنَّا لَا نُوَلِّي هذا من سَأَلَهُ، ولا من حَرَصَ عليه)؛ فنلحظ أنّ الإمارة لا تُعطى لمن طلبها وحرص عليها لذاتها كمنصب أو تقلّد رئاسة ووجاهة؛ لأنّ مجرّد هذا الطلب يعني وجود القابلية من البداية للدخول في حظوظ الدنيا؛ التي قد تؤدي لفساد النفوس.

 

لقد صار عددٌ من الناس يلحظون تحييد فقهاء الدين على مستوى القيادة؛ أما مستوى القاعدة الجماهيرية فيوجد تقليل من قيمة فقهاء الشريعة

رويترز
  

هذا لا يعني أن تكون أيلولة ذلك-ونحن نتحدث عن العلماء الفقهاء -أن تُتّخذ ذريعة لتحييدهم؛ فإنّ عدم كفاءة (بعضهم) على العمل السياسي؛ لا يُلغي وجود آخرين يقودون الناس ويسوسوهم؛ فلئن لم يُنصح أُبيّ بن كعب بالولاية؛ فإنّ عمر بن الخطّاب قد اختار الستّة الذين جعل الأمر شورى بينهم، وكانوا جميعاً قد جمعوا مع كفاءة العلم قوّة الإدارة والسياسة؛ وقد نقل الإمام ابن حجر عن الطبري قوله: "لم يكن في أهل الإسلام أحد له منزلة في الدين والهجرة والسابقة والعقل والعلم، والمعرفة بالسياسة ما للستة الذين جعل عمر الأمر شوى بينهم" (فتح الباري، ابن حجر ( 17 / 45).

 

رُمّانة الميزان في ذلك أن من يطلب الولاية لمعرفته عن نفسه إتقانها؛ وليس لأجل حظوظ الدنيا، والترفع على الخلق؛ بل يقصد في ذلك نصرة الدين فإنّه لا حرج فيه؛ وله في ذلك سلف من فعل يوسف عليه الصلاة والسلام حين مكّنه عزيز مصر لاختيار ما يشاء من المناصب؛ فاختار عملاً حساساً بإدارة الشؤون الماليّة لمعرفته بذلك وأمانته؛ ولفساد كثير ممن يقوم بولاية هذا الشأن فقال يوسف عليه السلام: "اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ".

   

ومثل ذلك قصة أخو صداء حيث أورد عنه ابن القيم أنه قال: "وكنت سألته قبل أن يؤمرني على قومي، ويكتب لي بذلك كتاباً، ففعل، فلما فرغ من صلاته قام رجل يشتكي من عامله. فقال: يا رسول الله إنه أخذنا بذخول كانت بيننا وبينه في الجاهلية، فقال رسول الله: (لا خير في الإمارة لرجل مسلم) ثم قام آخر، فقال: يا رسول الله! أعطني من الصدقة، فقال رسول الله : إن الله لم يكل فسمتها إلى ملك مقرب ولا نبي مرسل حتى جزأها ثمانية أجزاء)

  

يقع الثناء على الفقهاء وقت تأييدهم لقرار سياسي صادر وكتابة ما يُسوّغه شرعاً، والنأي بهم في صناعة قرار سياسي والتأثير فيه أو معارضته!

يقول ابن القيم عن هذه القصة: (وفيها جواز تأمير الإمام وتوليته لمن سأله ذلك إذا رآه كفئاً. ولا يكون سؤاله مانعاً من توليته. ولا يناقض هذا قوله في الحديث الآخر: إنا لن نولي على عملنا هذا من أراده، فإن الصدائي (زياد بن الحارث) إنما سأله أن يؤمره على قومه خاصة، وكان مطاعاً فيهم، محبباً إليهم. وكان مقصوده إصلاحَهم ودعاءَهم إلى الإسلام. ورأى أن ذلك السائل (الذي في الحديث الأول) إنما سأله الولاية لحظ نفسه ومصلحته هو، فمنعه منها. فولى للمصلحة، ومنع للمصلحة، فكانت توليته لله، ومنعه لله) (زاد المعاد، ابن القيم: 3 /668 ) فالمسألة راجعة لحسن التعقّل في الاختيار الكفؤ.

 

إنّ ما نراه في واقع كثير من الحراك السياسي الإسلامي: تحييد السماع لعلماء الشريعة في صناعة القرارات السياسية؛ بل يُطلب أن يكون العالِم مُوافقاً على رؤية القيادة السياسية مِمّن يقل فيهم المتعمّق بأصول الشريعة وفهم الواقع والوقائع؛ ويكون جلّهم من أهل الكفاءات العلميّة الطبيعة؛ فإنّ هذا سيكون مآله عدم إبراز الجانب الشرعي الديني في ذلك المُكّون أياً كان حزبه!

 

لقد صار عددٌ من الناس يلحظون تحييد فقهاء الدين على مستوى القيادة؛ أما مستوى القاعدة الجماهيرية فيوجد تقليل من قيمة فقهاء الشريعة، والنأي عن تصدرهم للقيادة، والدفاع عن القائد السياسي، والاعتذار له؛ وفي المقابل النيل من اختيارات بعض الفقهاء الصادقين بدعوى التشدد؛ ويقع الثناء على الفقهاء وقت تأييدهم لقرار سياسي صادر وكتابة ما يُسوّغه شرعاً، والنأي بهم في صناعة قرار سياسي والتأثير فيه أو معارضته!

 

صحيحٌ أنّ القائد ليس من شرطه أن يكون عالماً شرعياً؛ لكن تحييد العلماء عن صناعة القرارات والاستماع إليها معضلة، ويبدو أنّ طبيعة الاجتهاد الشرعي تقف دون بعض اجتهاد القادة السياسين؛ مما يؤدي لهذا التحييد والتجاهل لرؤاهم!! ومن هنا فقد يحصل التدنس السياسي؛ ممن يريدون الهرب منه بسبب تحييد فقهاء الشريعة عن التأثير في العمل السياسي؛ فيقعون في التدنس بعدما تضعف مداركهم في القضايا الشرعية!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة