هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




حسام الغمري
حسام الغمري
502

هل يفعلها السفير معصوم؟

30/4/2018

استجاب الشعب المصري لدعوات مقاطعة مسرحية انتخابات (فرعون- وموسى) 2018 ولم يجد في نخبته من يخبره كيف يجب أن تكون خطوته التالية، ذلك لأننا نفهم جيدا ما الذي يجب فعله حين نتجه للهدم، ونحتار كثيرا ونتردد حين يتعلق الأمر بالبناء. نحن حقا بارعون في توجيه سهام النقد الحادة، وإطلاق النكات اللاذعة، والسخرية الصاخبة، ولكن حين يتطلب الأمر تخطيطا مدروسا لما هو آت، نحتار حيرة الإبل.


ولكن وسط هذه الأمواج المحبطة، والغيوم المعتمة، وتدريبات الفشل المنظمة، خرج علينا رجل بقلب محارب وعقل دبلوماسي بفكرة انشاء حزب اختار له اسم حزب "الناس" الديمقراطي، عساه أن يكون أملا متجددا في رب الناس أن يتحد شباب الثورة من جديد، تحت راية واحدة تهدف إلى إنقاذ هذا الوطن، الذي وصفه صاحب فكرة تأسيس هذا الحزب - وهو السفير معصوم مرزوق - بأنه وطن يتعرض لخطر وجودي، ويا له من وصف.


الذي جذبا اهتمامي في هذه الفكرة أمران:
أولاهما: أن السفير مرزوق دعا أن تكون قيادة هذا الحزب لمن هم دون الخمسين، وهذا اعتراف ضمني بفشل مساعي جيل حاول واجتهد ولكنه حتى لم يستطع الحفاظ على ثورة الشباب عام 2011، فعادوا بنا إلى المربع الأول، مربع خمسينات القرن المنصرم.


الوصول إلى السلطة يعني إعادة تشكيل ملامح المجتمع بما يضمن رفاهة مواطنيه الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، هذا ما تخبر به كتب العلوم السياسية

وثانيهما: أن جعل هذا الحزب باسمه الموحي والملهم "الناس" عابرا للأيدولوجيات، متجاوزا اياها ادراكا منه بأنها الثقب الذي نفذ منه العسكر لتفتيت شركاء الثورة، وليس أدل على ذلك من مسلسل حرق الكنائس الذي افتتح به وصولا إلى مذبحة ماسبيرو.


لتعيد إلينا هذه الفكرة السؤال الفلسفي: الحرية أم الأيدولوجية، بأيهما نبدأ؟ أن الهدف من تأسيس الأحزاب هي المنافسة للوصول إلى الحكم، وسوى هذا ديكور لم يختبره العالم إلا في ظل الأنظمة العسكرية الشمولية، أفهم أن يتحالف حزب سياسي مع حزب يحكم تحالف مؤقت بهدف تحقيق بعض المكاسب، ولكن أن تتماهى الأحزاب السياسية مع السلطة وتسير في ركابها تنتظر إحساناتها، فهذا هو العجب العجاب الذي تحفظ أم الدنيا لنفسها حقوق الملكية الفكرية في تدشينه وإهداءه لشعوب المنطقة.


والوصول إلى السلطة يعني إعادة تشكيل ملامح المجتمع بما يضمن رفاهة مواطنيه الاقتصادية والاجتماعية والنفسية، هذا ما تخبر به كتب العلوم السياسية، أما في مصر، فالوصول إلى السلطة يعني مليارات الدولارات التي تنهب لتجد طريقا إلى بنوك الغرب.


وبالعودة لأول دستور في تاريخ البشرية ضمن حقوقا متكافئة، وأسس للمواطنة، وجعل الجميع مسؤولين عن حماية الدولة وضع في المدينة المنورة، نجده وضع بعدما تخلص المسلمون الأوائل من ضغط كفار كريش وتضييقاتهم المستمرة، وتعطروا بنسائم الحرية لأول مرة، فتأسست الدولة ونظام الحكم وتم بناء المسجد.

إذن نستطيع أن نقول بدرجة ثقة تامة أنه لولا مناخ الحرية الذي تمتع به الجميع - حتى المنافقين - في المدينة، لما صدر عن النبي (ص) إعلانه الدستوري وصارت المدينة دولة تعلن الحرب وتوقع على المعاهدات، ومن دولة المدينة انطلق هذا الفكر المدني وتوسعت حدوده حتى صرنا امبراطورية مترامية الأطراف تبدر الدنيا أمنا وعدلا.


مناخ الحرية في المدينة سمح بمعارضة الخلفاء ومراجعتهم في قراراتهم، والقصة المشهورة تحكي كيف قامت امرأة بمراجعة قرار للخليفة القوي عمر رضي الله عنه وأثنته عنه، دون أن تخشى درته التي كان العرب يهابونها كما لم يهابوا جميع فرق الأمن المركزي وقوات الشرطة، بل والجيوش من بعده.

 يصبح نضال الحرية في تقديري أسبق وأهم من نضال الأيدولوجية، والشباب أكثر قدرة ليس فقط على إذابه جراح الماضي، بل وإذابة الفوارق الإيديولوجية بينهم

رويترز
 

وعندما يتمتع الإنسان بالحرية على الأرض كما أراد له خالقه يستطيع أن يختار لنفسه الأيدولوجية التي ينتمي إليها ويدعو لها ويدافع عنها، وفي هذا الصدد يجب أن نفرق بين الأيدولوجية والدين، فغالبيتنا في مصر مسلمون ولله الحمد والمنة، حتى من نظنهم في معسكر الشر، سرعان ما تطالعنا الأخبار أنهم يتوجهون لبيت الله الحرام حجا أو عمره، حتى شريك السيسي في مذبحة رابعة وزير الداخلية السابق اللواء محمد ابراهيم بمجرد إقالته توجه إلى بيت الله الحرام لزيارته، والعاقل لا يشق على قلب أحد، وكما يطلب القصاص العادل يتمنى الهداية لنفسه وللناس جميعا ومن الله المغفرة، هذا من الدين، أما الأيدولوجية فهي رؤية لنظام الحكم وأهدافه، قد تبنى على مقاصد الإسلام العليا، وليتها دائما تكون كذلك، وقد تبنى على فكر ليبرالي أو اشتراكي أو ناصري، مهما تكون، ولكن تظل في النهاية أفكار يظن معتنقوها أنهم بتطبيقها سيضمنون للناس حياة أفضل.


ويكون كذبا لو ادعى أصحاب أي ايدولوجية أنهم يتصرفون باتساق تام مع ما يؤمنون به ويدعون الناس إليه في ظل غياب الحرية، بل تكون الصورة الظاهرة أشبه بالمسوخ المتنقلة، بدليل ما سمعناه من معظم أقطاب الليبرالية في مصر تأييدا لانقلاب عسكري فاشي. وهكذا يصبح نضال الحرية في تقديري أسبق وأهم من نضال الأيدولوجية، والشباب أكثر قدرة ليس فقط على إذابه جراح الماضي، بل وإذابة الفوارق الإيديولوجية بينهم، أو تنحيتها قليلا في أقل تقدير من أجل انقاذ وطن عانى كثيرا بسبب أطماع بعض أبنائه، وهنا تكمن أهمية الفكرة التي طرحها السفير معصوم مرزوق بإنشاء حزب بالناس وللناس لا يديره إلا الشباب، أو من هم دون الخمسين.


ويبقى أن تتحمس النخبة للفكرة، وتعمل على دعمها، وأن نحاول قتل الذاتية البغيضة التي تمكنت منا، وأن ننزع جميعا رداء "أبو تريكة" المخلص الذي يحرز وحده هدف البطولة، لنجتمع تلقائيا وبروح الأخوة في الوطن حول الفكرة الصالحة متى وجدناها وسمعنا بها، ومهما كان شخص مطلقها، فما بالنا لو كان أحد أبطال حرب أكتوبر 73.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة