هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




عبد المجيد سباطة
عبد المجيد سباطة
806

كيف تترك التقنيات الرقمية بصماتها على أدمغتنا؟

12/1/2019
العقل الإنساني شديد المرونة، تغيره التجارب والخبرات التي تؤثر فيه وتترك بصمتها لمساعدته على التكيف باستمرار مع بيئة تتغير وتتطور باستمرار. ولكن ماذا عن التكنولوجيا وأثرها الواضح على تغير هذا العقل؟
 

كتابنا لهذا الأسبوع هو "تغير العقل" للخبيرة البريطانية في العلوم العصبية سوزان غرينفلد، صدر لأول مرة عام 2015، قبل أن تقدمه سلسلة "عالم المعرفة" الكويتية الشهيرة في واحدة من ترجماتها القيمة، شهر فبراير من العام 2017. (العدد 445)، ترجمة إيهاب عبد الرحيم علي. يحاول هذا الكتاب الإجابة عن سؤال محوري: "كيف يتأثر العقل البشري وظيفيا وتشريحيا بسبب غرقه وانشغاله الدائم في عوالم التكنولوجيا والإنترنت؟" يدرس الكتاب بشكل مستفيض هذه الآثار، من خلال تركيزه على مواقع التواصل الاجتماعي، ألعاب الفيديو ومحركات البحث، ويبدأ بالفرد، قبل أن يصل إلى العائلات والمجتمعات ومعها السياسات العالمية.

 

تشير الكاتبة إلى أن الإنسان الحديث قد تحول إلى إنسان رقمي، تأثر بالتقنيات الرقمية التي تدخلت في مهاراته المعرفية، نمط تفكيره، ثقافته، تطلعاته الشخصية، بل وحياته كلها، لتدق ناقوس التحذير بشأن تعرض النشاط الإنساني لخطر شديد، مع تضييق دائرة هذا النشاط الطبيعي بشكل تدريجي، خاصة فيما يتعلق بالأجيال الجديدة التي جرى تصنيف أفرادها ك "مواطنين رقميين"، وقد شرحت الكاتبة ذلك بالقول: "منذ العام 1970 تقلص نصف قطر دائرة نشاط الطفل، وهو مقدار المساحة المحيطة بالمنزل التي يتجول فيها الطفل بحرية، بدرجة مذهلة بلغت 90 في المائة. ويعد هذا التقييد للعب أمرا غير مسبوق..".

 

تقارن كاتبة "تغير العقل" بين أجيال كان فيها اللعب بالدمى ينبئ بالقدرة على الاعتناء بالأطفال، وتنمية حس العمل الجماعي، وبين الأجيال التي واكبت ظهور ألعاب الفيديو التي فصلت المتعة

أو: "سلطت المعلمة السابقة، سو بالمر، الضوء على قائمة بالأنشطة البسيطة التي يجب أن يكون الطفل قد مارسها قبل أن يصل إلى مرحلة المراهقة، مثل تسلق شجرة، والتدحرج أسفل تلة كبيرة، وتخطي حجر، والركض تحت المطر. من المحزن أن هذه الأنشطة الطفولية، التي كانت تعد أمرا مفروغا منه قبل جيل أو نحوه، تُسرد الآن كأهداف محددة، والتي قد لا تتحقق بخلاف ذلك!".


فيما يخص مواقع التواصل الاجتماعي، تشير الكاتبة إلى الكيفية التي تغير بها نمط العيش والاجتماعي، بعدما تحول البشر إلى عبيد لشاشات حواسيبهم وهواتفهم، فتوفر الشاشة يعطي فرصة غير مسبوقة للتخلي عن التفاعل بين الأشخاص على نطاق غير مسبوق، ما يترتب عنه اختزال شامل لخطر الإحراج ومشاعر الانزعاج التي ينطوي عليها التفاعل الاجتماعي، ومع تغير طبيعة الحياة الاجتماعية يتأثر العقل وتترك هذه التغييرات بصمتها عليه.

 

بالمرور إلى ألعاب الفيديو، تقارن الكاتبة بين أجيال سابقة كان فيها اللعب بالدمى ينبئ بالقدرة على الاعتناء بالأطفال، وممارسة الرياضة تساعد على الاعتناء بالصحة البدنية وتنمية حس العمل الجماعي، وبين الأجيال التي واكبت ظهور ألعاب الفيديو التي فصلت المتعة المستمدة من أي متطلبات قيمة للبقاء تمكنت هذه الألعاب من تحقيقها.

 

 

  

نحن أمام انفصام بين القرن العشرين الذي ميزته كثرة الأسئلة وقلة الأجوبة، والقرن الواحد والعشرين الذي طبعته قلة الأسئلة وكثرة الأجوبة، ما يقتضي دراسة مستفيضة تتضافر فيها الجهود وتمكننا من التغلب على المردود السلبي للتكنولوجيا على العقل الإنساني السائر بشكل واضح نحو السلبية والخمول.

 
الجميل في هذا الكتاب -الذي أنصح به، وبشدة- أنه مناسب لكل شرائح القراء، رغم التصور الأولي بكونه كتابا علميا متخصصا موجها بالدرجة الأولى لفئة معينة من الخبراء، فقد عملت الكاتبة على تبسيط كل المفاهيم الشارحة لأفكارها بما يمكن القارئ من مسايرتها وتتبعها طوال صفحات العمل، كما أن الترجمة جيدة إلى حد ما، كما هو مألوف في كل ما يخص الأعمال التي تصدرها سلسلة "عالم المعرفة" التي لا يمكننا إلا الإشادة بفضلها ومجهودها الكبير في توفير كتب مترجمة قيمة وبأثمنة رمزية (لا تتجاوز الدولار الواحد فقط شهريا)، ربما يبقى تحفظي الوحيد على جمع الهوامش في آخر الكتاب، وهي نقطة مزعجة بعض الشيء بسبب تفضيلي لمواكبة الهوامش أثناء القراءة وعدم الاضطرار إلى العودة للصفحات الأخيرة في كل مرة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة