ياسين عبد الله جمول
ياسين عبد الله جمول
1.1 k

هل يكون التعليم الحجرة الأساسية لإعادة إعمار سوريا؟

22/5/2018

ليس يخفى الحزن الذي ضرب نفوسَ السوريين ومحبّيهم الصادقين بنكبة الغوطة وخروج الناس منها بعد سنوات من الحصار الجائر وأسابيع من الصمود الأسطوري فيها، ثم كيف أتى على ما بقي في النفوس نكسة ريف حمص، وأن هذا الحزن انقلب طوقاً من يأسٍ أخذ بتلابيب كثيرين منّا، فنعَوا الثورة السورية وأسلموا للقنوط قيادَهم. وليس غريباً في مثل هذا أن نهرع إلى مَن ندين الله أنه قدوتنا وأن سيرته صلى الله عليه وسلم دستور لحياتنا؛ فإن نظرنا فيها فإنّا واقفون على مواقفَ يحسن بنا تذكّرها ومراجعتها؛ فالنبي الكريم على ربّه بعد أن أدّى الأمانة وعرض الرسالة على أهل الطائف آذوه وأدمَوا قدمَيه، فتراجع منهم ولجأ إلى ظلّ يستجمع فيه نفسه، فجاءته المؤازرة الربانية وناداه جبريل وعرض عليه أن يُطبق عليهم جبلَين يحيطان بها، فكان الدرس النبويّ لكل الأمة حتى قيام الساعة: "لعل الله أن يُخرج من أصلابهم من يعبد الله"؛ فنبّه بهذا على أهمية (الإنسان) في إعمار المجتمع الذي يريده عليه الصلاة والسلام.
   
ولأن حَمَلَة الرسائل السامية يعترضهم في طريق رسالتهم الكثير من العقبات وينالهم في سبيلهم الكثير من الأذى، ولأن الباطل يخاف الحقّ ونورَه أن يبدّد ظلمتَه ويكشف عواره؛ مرّ بالنبي الكريم مواقف أخرى لم تنتهِ بأذيّة أهل الطائف له، فها هي قريش تجمع الجموع للقضاء على النبي الكريم في مهد دعوته الجديدة، وتستنجد على أبناء عمومتها بأغراب غرباء جمعَهم معهم عداوة الحق، ورأوا ذلك أهم مما يربطهم بمن يحاصرونهم وإن كانوا إخوتهم وأقاربهم ومن لحمهم ودمهم. لكن النبيّ الكريم يصبر لا يستسلم، ويجمع أصحابه لتجهيز ما يقابل به الهجوم والحصار، وشاركَ بنفسه في الحفر والتدشيم، لكنه في ظلمة العمل والحصار وتكالب الأعداء كان يضرب فتلتمع الصخرة، فكيف جاء تفسيره عليه الصلاة والسلام لها؟

 

اليوم مع التراجع العسكري والسياسي والإغاثي في سوريا تزداد الحاجة لإعمار النفوس إلحاحاً، ويتزايد عدد الأطفال في الطرقات وعلى إشارات المرور وفي الزوايا المظلمة

إنه كان توجيهاً نبوياً تربوياً رائعاً، ففي حديث البراء بن عازب في غزوة الخندق قال: (أمرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق، قال: وعرض لنا فيه صخرة لم تأخذ فيها المعاول، فشكوناها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء فأخذ المعول ثم قال: باسم الله، فضرب ضربة، فكسر ثلث الحجر، وقال: الله أكبر، أُعطيتُ مفاتيح الشام، والله إني لَأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا، ثم قال: باسم الله، وضرب أخرى فكسر ثلث الحجر، فقال: الله أكبر، أُعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا، ثم قال: باسم الله، وضرب ضربة أخرى فقلع بقية الحجر، فقال : الله أكبر، أُعطيت مفاتيح اليم، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا) رواه أحمد. وفيه أن النبي الكريم عملَ مع أصحابه في الأخذ بالأسباب، ومع اشتداد العقبات ساعدَهم بنفسه، لكنه في هذه الظلمة بشّرهم بما يبدّدها من الفتوحات القادمة، فليس يعين على الصمود والثبات شيء مثل استحضار العاقبة الحسنة والتفاؤل بالصباح الجميل يبدد الليل الحالك. وفي هذا كذلك إعمار للإنسان كذلك.
 
الإنسان السوري الذي خرج من بيته في هجرة تلتها هجرة وربما هجرات، داخل سوريا وخارجها هو رأسمال الوطن، وحفظ رأس المال هو الأساس؛ وفيه يبدأ الإعمار. إننا بنظرة سريعة في إحصائيات المنظمات والهيئات الدولية المعنية بالتعليم نقف على أن نحواً من مليونَي طفل سوري يفتقدون خدمة التعليم جزئياً أو كليّاً، وأن نسبة التسرّب والتأخّر عن المدارس تتراوح داخل سوريا وخارجها بين 20 في المئة في مناطق لتتجاوز عتبة 75 بالمئة في مناطق أخرى؛ إنها حقاً كارثة!! تابعنا بأسى وأسف ما كان من المسلّح الذي اقتحم أحد المشافي في المناطق المحررة وهدّد الكادر الطبّي بكل رعونة وحماقة؛ إنها حقاً كارثة!! وتابعنا من قبل ما كان عند تحرير عفرين من حالات السطو والسرقة، وإن كانت فردية محدودة طبّل فيها المطبّلون، لكنها حصلت ولا يمكن إنكارها؛ إنها كارثة!! ويوماً ما كنت في لجنة أحد المعابر وعايشت مأساة مخيم كان فيه، وكيف باع أناس بيوتهم وأهدروا كرامتهم لنيل كرتونة إغاثية أو ظرف نقدي، وكيف يتعاجز صاحب المهنة أن يعمل لأنه يؤمن أن سلّته آتية عمل أو لم يعمل؛ إنها كارثة!!

  

 

أما العالم الافتراضي فليت كل ما فيه افتراضي، وليت ما نشاهده ويشاهده معنا كل العالم من الطعن والتشهير والتخوين كان افتراضياً، لكنه اخترق على الناس خصوصياتهم وهتك أعراضهم، بل وتعدى ذلك إلى قلوبهم ونواياهم؛ إنها كارثة!! وهل ننسى مع مئات الحالات من التميّز والتفوّق الدراسي والصناعي والتجاري للسوريين المهجّرين المكلومين تلكم الحالات التي يخجل المرء من ذكرها داخل سوريا وفي دول اللجوء لسوريين سرقوا أو قتلوا أو اغتصبوا؟ إنها كارثة!! وقد تطول الحرب أكثر، وتشتد الأزمة أكثر، ويخف الدعم والتأييد كما نرى أكثر وأكثر، فكيف سيكون حالنا؟
 
الكل موقن اليوم أن الحرب إلى نهاية، وأن الثورة السورية في أتعس أيامها عسكرياً وسياسياً، وأن الخارطة النهائية لسوريا يتم إعداد مراحلها الأخيرة في أروقة بلدان أخرى؛ فما الذي يعيد للسوريين زمام المبادرة؟ ما الذي يمكن للسوريين العمل عليه ليثبتوا أن الثورة ثورتهم، وأن الأرض أرضهم، وأن ما تحقق من نصر ما كان ليكون لولا دماءٌ أريقت منهم أولاً وأرامل أُيمت وأطفال يُتمت وأمهات ثُكلت وفُجعت؟ إنه الإنسان، وهو رأس المال الذي يرسم خارطة البلد ويكتب تاريخ الغد لسوريا الحرّة. فلنبدأ به في الإعمار، فإن أول الرسالة المحمدية كانت (اقرأ)، وأعظم الجهد كان الدعوة لبناء الإنسان، ورأينا كيف استثمر عليه الصلاة والسلام أشد الأوقات في إعمار الإنسان. ولنستذكر: أقيموا دولة الإسلام في نفوسكم تقم لكم على أرضكم؛ نعم، إننا إن أعدنا إعمار الإنسان بالشكل المطلوب ديناً وخُلقاً وعلماً تقم لنا دولتنا التي خرجنا في الثورة من أجلها.

 

واليوم مع التراجع العسكري والسياسي والإغاثي تزداد الحاجة لإعمار النفوس إلحاحاً، ويتزايد عدد الأطفال في الطرقات وعلى إشارات المرور وفي الزوايا المظلمة. تبخرت في العمل العسكري ملايين الدولارات، وتناثرت في الإغاثة والطبابة مثلها أو يزيد، فما الذي قُدّم في التعليم والتربية؟ أما آن لنا أن ندقّ ناقوس الخطر لنقول: عليكم بالتعليم فإننا أمام كارثة، أمام كارثة هي الماحقة للثورة والبلد إن لم يتداركنا الله بلطفه وتوفيقه فنسلك كل السبل لإنقاذ الجيل التائه. لن ننتظر الدول حتى تدخل علينا بالحفارات والآلات لتعمر سوريا؛ فسوريا نعمرها بأيدينا، وسوريا نعمرها إن أعدنا إعمار الإنسان؛ فالإنسان إن أعدنا إعمارها عمرَ بيديه بلده من جديد، كما عمرها أجدادنا على مرّ التاريخ، فإنها ليست المرة الأولى التي تُدمَّر فيها البلد، لكنها هذه المرة قاسية لأن التدمير نفذ من الجدران واخترق الإنسان، لا نلتفت لبناء الجداران مع خراب الإنسان! فلنبدأ بالإنسان (اقرأ).

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة