الأفكار.. بين التعلق والتحرر

26/5/2018
إن ما تحتاج إليه حقًا لتحقيق السلام النفسي هو أن تصل إلى الاستقلالية، تلك المرحلة التي تدرك فيها أنك لست في حاجة إلى شيء أو إلى إنسان لتستمر بك الحياة، تلك المرحلة التي نتحرر بها من  التعلق، فذلك هو المؤشر الحقيقي للوصول إلى حالة السلام، تلك الحالة التي تعد أعظم النعم على الإطلاق، فهناك تشعر بالتحرر من مكبلات الدنيا، هناك تستشعر تخلصك من قيود الأنا "إحدى مكونات النفس" ذلك المكون المتطلب الذي لا يستقر إلا بغزل خيوط تقيدنا إلى العالم المادي، سواء بالتعلق بماديات الدنيا أو بالتعلق ببعض البشر، وكلاهما قيودٌ تمنعنا السلام، فارتباط النفس البشرية بكل مادي سعيًا وراء وهم السعادة يعيقه عن استمرار تلك الحالة من الاستقرار الروحي كلما توهم اقترابه من تلك السعادة المتوَهَمة.

  

التباس المفاهيم أحد أهم أسباب توالد الأفكار الخاطئة، لذا فإدراك المفاهيم والتمييز بينها هو إحدى الطرق الفعالة في السيطرة على طبيعة الأفكار المتولدة

والحقيقة أنه وللتخلص من تلك القيود علينا البدء من حيث توجد الأفكار، فالسيطرة على ما يخالجنا من أفكار يمكنّا من السيطرة على ما نقدم عليه من سلوك، وقد ألزم الله الإنسان بالامتناع عن إيذاء النفس "وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ" وتبدأ التهلكة دائمًا من حيث تكون الأفكار، كثيرًا ما نتوهم أن الوصول إلى السلام النفسي يتطلب تحقيق الأهداف، أيًا كانت طبيعة تلك الأهداف خيرًا كانت أم شرًا، لن يغير ذلك من شيء، فالإنسان عادةً لا يرى في أهدافه شرًا بل أنه في حالةٍ دؤوبة مستمرة لأن يجد مبررًا لكل ما يريد تحقيقه أيًا كان، إلا من رحم ربي، وعليه فإن الأهداف والمساعي التي يلهث خلف تحقيقها توحي إليه بأنه حتمًا سيصل إلى حالة من الاستقرار والراحة النفسية بمجرد تحقيقها، وذلك ليس من السلام النفسي في أي شيء، ذلك ليس سوى مُسكّن لحظي خادع، مُسكنٌ قصير المدى.


دعونا نتناول مثالًا مبسطًا لتوضيح ذلك، مفهوم الانتقام كهدف على سبيل المثال يظن البعض بأن تحقيقه في موقفٍ ما سيجلب الهدوء والاستقرار النفسي وبالتالي السلام النفسي، والانتقام سلوك تختلف آلياته كما تختلف درجاته، فأبسط أنواع الانتقام يكون بلغة الجسد ويتدرج في قوته بين الانتقام اللفظي والانتقام الكيدي وغيرها من أساليب الانتقام إلى أن يصل إلى حد القتل وازهاق الأرواح، وجدير بالقول أن مجرد التفكير بالانتقام هو تفكير سلبى يمد الإنسان بقدر كبير من الطاقة السلبية والتي تعمل علي اجتذاب طاقات أخرى على نفس شاكلتها، فتتصاعد الأفكار "والتي هي الموجّه الرئيسي للسلوك" لامتطاء تلك الموجات السلبية المتلاحقة، فتطغى نبرة الانتقام على صوتك وشرارته على نظرتك وغشاوته على إدراكك وتحيط أسواره بوعيك وتغمر معانيه ألفاظك فتتهيأ ذاتك بأكملها للانتقام.

   

ثم وبعد الانتقام، يأتي الندم، فالدافع للانتقام هو دافعٌ أنوىّ بحت لا علاقة له بالسلام، وإنما هو وعدٌ كاذبٌ من نفسٍ أمّارة حيث وعدت بحلول السلام، وإن السلام النفسي من ذلك لبريء، فمبادئ السلام تترسخ على مفاهيم العفو والتسامح والصفح والإحسان والدفع بالتي هي أحسن، وتلك النتيجة يعاني منها البشر على اختلاف أحوال قلوبهم ودرجات صفاء أنفسهم، فحتى أولئك الذين وجدت على قلوبهم أقفالها، لا تهدأ أنفسهم بالانتقام بل تزداد اشتعالًا وتتأجج نيرانها لتحرق المزيد من السلام متوهمين خطئًا أنهم في سعيٍ دؤوبٍ إليه، فنتيجة الانتقام في كل الأحوال هي أبعد ما يكون عن السلام، وإنما هو اقتراب الى المزيد من الهم والحزن والأرق والإجهاد والفراغ الوجداني.


إذن فإننا لن نصل إلي تحقيق السلام في معزلٍ عن التحكم بالسلوك، وأقصر الطرق للتحكم بالسلوك هو التحرر من التعلق الدنيوي، أيًا كانت طبيعة ذلك التعلق سواء كان تعلقًا بمادة أو بإنسان، ففي النهاية ما التعلق سوى فكرة ولكنها فكرة مدمرة لا تختلف في أثرها النفسي عن الأثر الجسدي للإدمان، ويعد التباس المفاهيم أحد أهم أسباب توالد الأفكار الخاطئة، لذا فإدراك المفاهيم والتمييز بينها هو إحدى الطرق الفعالة في السيطرة على طبيعة الأفكار المتولدة، فإذا ما تناولنا المثال السابق علي سبيل المثال وجدنا أن هناك التباسًا حادًا بين مفهومي الانتقام والقصاص، فالانتقام يكون من النفس، ما من معيار أو قوانين تحكمه إلا قانون الأنا، بينما القصاص هو عدلٌ ربّاني له آلياته الدنيوية المشروعة والتي تقدمه وفقًا لقوانين ومعايير وتشريعات واضحة "فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ" علينا أن ندقق في التمييز بين المفاهيم حتى نستطيع تكوين أفكار واضحة، فتلك الأفكار هي الخطوة الأولى التي تقود إلي كل شيء، فالتعلق فكرة والتحرر فكرة والاختيار لك. 

#يتصدر_الآن

تكلفة البقاء ضمن الأنظمة الاستبدادية.. الحصاد المُرّ!

تطور الفكر السياسي الحديث بمقارباته ومداخله وأدواته ومناهجه، قد أفرز عدة نماذج للحكم وإدارة المجتمعات الحديثة، وأُثْرِيَ البحثُ السياسيُّ بمنظومة جديدة من القيم والأسس والأفكار التي تتماشى مع تطور الإنسانية.

824
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة