في غيابات الأرض

3/5/2018

يَقِفُ الزمانُ هنا وأمُر بين أجداثِ الأحياء ألقي التحية وأنفض عن قلبي غبارَ الغياب والماضين بلا عودة، أُودعُ المارين وأعبرُ إلى حيث الحياة أَعْلَنت زفرتها الأخيرة، ما الذي تغير؟! بيد أن معالمَ الموتِ أصبحت معلنة أكثرَ من السابق.. تترددُ في ذاكرتي إذاعتُنا الصباحية وهتاف العلم عاش الوطن ثَغْري باسمٌ والعينُ غريرة أُقبلُ كفك الذي وهبني وطناً مباعاً على طاولاتِ المخادعاتِ الدولية وبعد التحيةِ والسلام صاح المذياعُ "على هذهِ الأرض ما يستحقُ الحياةَ" قالها درويش وعلا صوتهم يهتفون كانت تُسمى فلسطينُ، ما زالت تسمى فلسطين، وجَفَّ حِبْرُ محابِرهم ونسوا أن الوطن يقتله الهُجْران وأن الحياةَ لا بد أن تُعاش كما هي، حتى نحترمَ طَيفَ الموتِ حين نُزوله، ونودعَ الحياةَ غير متعلقين ولا فائتين، انقضتْ مهمَتُنا فانقضينا، وعادت النفسُ المطمئنةُ مقرورةً إلى بارئِها.

أنتمي إلى حيث الحياة محاصرة والموت أمثاله وافرون، إلى حيث يُقتل الأنسان على نارٍ هادئة وتُسرق أحلامُه ودنياه بخفةٍ غير مسبوقة واللصوص كعادة محاكم الدنيا منصفين وأصحاب حق، ونحن سادةُ حقٍ نتمناه ولا نطاله، وحقُ التمني يُدفع ضرائب باهظة على طاولةِ قمار ورهان طويل إلى متى صمود المعذبين بلا متنفس الهواء ودواء العجز وطعام الأيتام، السالة التائهين، أو أبناء الغائبين، ضحايا الحرمان كثيرون، هنا ألفُ مسجدٍ ونور الله يسكن مدينة الظلام، حيث لا حياة كافية لنتقاسمها كما كل شيء أخر، لا ماءَ ولا دواءَ ولا هواءَ، لكن السماء تحتضن الساهرين، هي ملجأ الباكين، وان ضاقت الأرض بما رحبت ؛ فإن السماء بمصراعين. 

تذاكر الحرية لا تُباع هنا عليك أن تعبر الحاجز هرباً أو غرقاً، وانتظار طوابير المؤونة أو كما أُسميها جرع المسكنات الإنسانية، يُخمد الجوع ويحيا الطفل الرضيع ليَكبُرَ ويتعلم الطريق الى مخازنِ الطحين، ويدرس في المناهج المدرسية أن من حق الإنسان السفر أو عبور البحر أو الهرب من القهر، ويحلم بالطائرات العملاقة، متى أعبر من ذاك الممر ويسأل العابرون إلى أين المفر؟ والأم والجدة ومن يترددون على مخازن الطحين جميعا يخطئون في الإجابة على تساؤلاتِ الطفل الصغير منذ متى ونحن على موعد مع هذا الضياعِ المبكر؟ نسير ببطء الخطى على قارعاتِ الرحيل، وهي حياةٌ لا نعرف عنها سوى مسمياتٍ لفظية عن الحياة، الكل يراهنُ على صمودِ الجبارين وكأن الغاية إضاعةُ فكرة الحقِ والزمانِ والتاريخ والوطن، في سعينا لإخماد الأمعاءِ الخاوية وفي تخبطنا بالبحث عن حياة بين مغاسل الموتى وكفن المُنْقَذين من جحيم العذاب. 

هذا الوطن يحتاج الى ضمائرَ كاملةٍ وعزائمَ حية لا ترضيه الأفواه المكمأة ولا تحرره الكلمات المبتورة

الجزيرة
 

اليوم فليشهد العالم هذه المجازر الجماعية وليصفق مجلسُ الأممِ الماكرةِ على مآتم الراحلين خلف سحاب الليل، أن هذه الأرض السحيقة بالألم مهما اعتادت الحزن فأنها لم تعتدْ يوماً اليأسَ والخوف، أن هذه الأرض ليست ذابلة ولستم سقاتها، نحن الوطن ونحن الحرية، نحن الصوت والصدى، نحن الغُيَّاب المتيمون، نحن الذين وله الحب منا ومن هوانا أقتبس، ان الوطن ليس صفقةً مبرمةً، بل هو حيث يمتد الياسمين ويزهر الأقحوان البري، حيث عكا تحتضن الساحل وتتحداه، حيث صبية يلهون ويعلو ويرفرف العلم، ليس في باحتنا المدرسية وحسب، بل فوق كل تلةٍ صماء، كل همةٍ علياء، كل مسجد إباء، بالبندقيةِ والغصن، وصدق انتماء. 

نحن نحمل في أفئدتنا أرق الهوى لهذا الوطن، مهما كان هذا الهوى عسيراً مثل انتظار المطر ووجه الفجر، كزهرة تشرين الوحيدة، قاسيةٌ على ترابها رغم أن هذه الرياح أقسى وصحراء الدنيا جائرة، أن حبنا لهذا الوطن نار وحبهم ماء، ان حبنا خالد وحبهم هباء، نحن رغم كون الكهرباء تغيب وكوننا اعتدنا الظلام وأعيننا اعتادت السهر، يبقى الفؤاد متعلقاً بجذر هذه الأرض، أن حبنا القابع خلفَ الذاكرة وخلف الحق أعتى من كل خيبةٍ وكل سطو، إلى أن يستوعب العالم أن الوطن لا يُباع بالطحين، بل أن له حرمة البيع والشراء، معصومٌ عن الوهب والعطاء، ان الوطن هو القابعُ تحت المدافع، الصامد رغم كل الأطماعِ والنوائب. 


بيد أن هذا الوطن يحتاج الى ضمائرَ كاملةٍ وعزائمَ حية لا ترضيه الأفواه المكمأة ولا تحرره الكلمات المبتورة، أن المسافة بيني وبين بلادي ليست حلماً أو رماداً، سيحيا الوطن بملء قلبي، سيحيا ما دمنا نُقسم باسمه، ما دمنا نثور له، نحن لسنا عالقون نرتجي فرارا، بل نحن محاصرون نرتجي حقا، أن السواعد المرهقة، والعيون الغافلة، وكل معالم الاستسلام والضعف ليست لنا، نحن المتمردون على كل الترْضِيات الوهمية، يتامانا يكبرون ليخبروا الدنيا أن جوف الأرض حي بدماء أباءهم، لولاهم لتفشَّى الموت منذ زمن، لكانت هذه الأرض هزيلةً، بل ضائعة .

تموتُ فكرة الزمان السائرِ حين أحبك يا وطني بملء قلبي، حين يُزهر رَبيعك وتنتشي الأرضُ بعبيرها، فزع الفقد وحده من يملأ أرواحاً بك معلقة، قلوبنا التي يبعثرها شوقها للحرية، وهذه الأرض العطشى، سحيقةٌ بظلمهم وظلامهم ،علية عتية عليهم، إلى أن ترتوي. لطالما كانت الحرية على موعد مع التربة الحمراء، يوما ما سيغفو الحلم المذعور على جذع زيتونة ليستيقظ على خيوط الفجر وعرس الأرض.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة