عادل أعياشي
عادل أعياشي
671

هل نمثِّلُ النصفَ الفارغ من كأس العالم؟

22/6/2018

انتهت آمال العرب في نهائيات كأس العالم بمستوى كروي رديء ينضاف إلى رداءة الصورة العربية المريضة التي باتت مكشوفة للعالم، ورغم الهالة الإعلامية المبالغ فيها لتزيين صورة المنتخبات العربية إلا أن الواقع كان أكبر من كل الوعود المزيفة، ليستمر مسلسل الهزائم ويرتفع معه ضغط دم الشعوب العربية فتصاب بالأزمات والنكسات القلبية، وكل من تتبع مسار المنتخبات العربية في روسيا يظهر له جليا أن الفرحة تجانبنا في كل مرة نحاول فيها ولو رسم بسمة كاذبة على محيا الشعوب تُغيّر من قسمات وجوهها المكفهرة.

صراحة أنا لا أعترف بعبارة "اللعب الجيد" أو مَقولة "قدّمنا مستوى رائعا في المباراة رغم الخسارة" أو "الحظ لم يحالفنا" وما إلى ذلك، هذه المواقف إنما تُميط النقاب عن واقعٍ مزري يُريد أن يمنع أشعة الشمس بالغربال، لقد تربينا في صغرنا على أن الطموح شيء بعيد المنال، صعب المراس، مضيعة للوقت، وعلى أن النجاح بمعدل 10 يكفي لأن التطلع إلى أكثر من ذلك لن يحمل معه جديداً يُذكر، والطموح الدراسي هو بمثابة سجنٍ كئيب، وفي كل الأحوال فإنك مقبلٌ على البطالة لا محالة، وينتظرك واقعٌ مرير وأفق مسدود وما إلى ذلك من تدميرٍ للنفوس، فيموت الأمل موتاً سريرياً في القلوب قبل أن يولد.

 

لقد تعودنا على أن المشاركة في محفلٍ دولي أو تنافسية من أي نوع كانت هي في حدّ ذاتها شرف، دون الطموح إلى الفوز باللقب أو الجائزة أو المرتبة الأولى، لقد تربّينا دون شخصية حقيقية تفرض نفسها حين يتعلق الأمر بالتباري في الميدان على المراتب المتقدمة في منافسة ما، فنفتقدُ إلى شخصية الفوز، هذه الشخصية المهمة التي تُدرّس اليوم كعلمٍ دقيق قائم بذاته يملك قواعد وأساسيات تسعى إليها المجتمعات الراقية حتى تُعطي أكلها ونتائجها المرضية ولو سُجّل في المقابل ضعفُ المؤشرات المادية الأخرى، إن الطموح إلى الفوز جزءٌ أساسي في تربية النشء الصاعد، وهذا النوع من التربية نجده حاضراً بقوة في المناهج التعليمية للدول المتقدمة وغائبا تماما في مناهجنا العربية.

 

السياسة تؤثر على الرياضة، والاقتصاد يضغط على السياسة، والرياضة الناجحة انعكاسٌ لقوة الاقتصاد، ونهضة المجتمعات تنعكس على المستوى الاجتماعي والسياسي والرياضي

فعلى سبيل المثال نجد المنتخب الروسي منتخباً متواضعاً بالنظر إلى مقاييس الكرة بلغة اليوم، ورغم أن كرة القدم رياضة ثانوية لا تحظى بالشعبية في روسيا، إلا أن المنتخب الروسي أبان عن شخصية الفوز عالية المستوى، وأبان عن طموح وإرادة وإيمان بالقدرة على تحقيق الانتصار، وهذا في حد ذاته كاف لتجاوز كل العقبات الأخرى، نفس الدرس يقدمه المنتخب الأيسلندي الذي أبان هو الآخر عن علوّ كعبه في مباراته الأولى ضد رفقاء ميسي، فأبناء الفايكينغ لا يعترفون بالهزيمة.


يُراد لنا دائما أن نفرح ونبتهج لأننا خسرنا بحصة مشرفة، ومتى كانت الهزيمة مبعثاً للشرف والنخوة، ولأننا سجلنا ضربة جزاء، أو قدمنا مستوى محترما، ومتى كانت الرياضة تعترف بالعواطف فهي تقوم أساساً على التنافسية والنتيجة وحصد الألقاب كما يعلم الجميع ولا نعلم نحن، وإذا أردتَ اليوم تحقيق الفوز في المحافل الرياضية الدولية وتسجيل اسمك في سجلات التاريخ، فلا مناص من إعداد مشروعٍ لفريق متوازن من جميع الجوانب، ينافس بشخصية الفوز وليس الاكتفاء بتمثيل البلد فقط أو تقديم مستوى طيّب، فهذا لن يشفع لنا في طريقة تعامل المنتظم الدولي معنا حتى في قضايانا السياسية المصيرية.

 

وقد لا يعلمُ الكثير منا أن المجالات باختلاف أنواعها هي مجالات مترابطة متكاملة، فالسياسة تؤثر على الرياضة، والاقتصاد يضغط على السياسة، والرياضة الناجحة انعكاسٌ لقوة الاقتصاد، ونهضة المجتمعات تنعكس على المستوى الاجتماعي والسياسي والرياضي فيها وهكذا، فاحترامنا لحقّنا في تحقيق الانتصارات الرياضية في المنافسات الدولية، والإصرار على ذلك من شأنه أن يفرض احترامنا وهيبتنا على الآخرين، وهذا هو السبب في أن منتخباتنا العربية تتعرض في كل مرة لظلمٍ تحكيمي واضح وأخطاء تحكيمية ساذجة كانت ستكون غائبة كلياً لو كان الطرف المنافس بلداً من البلدان الوازنة.


إن تحكم المسؤولين في مفاصل الرياضة لا يترك لها حرية الحركة، لتبقى في النهاية مقيّدةً بين أنياب المصلحة والزبونية والانتهازية، فإذا حققوا بصيص نجاح خجول نسبوه لمجهوداتهم الجبارة وذكائهم الخارق، وإذا حصدوا الهزائم المتتالية نسبوها للحظ العاثر وقوة الخصم، أما إذا انتقد العارفون بأبجديات الرياضة العربية أعراضها المتفاقمة، فإنهم سرعان ما يتهمون بالجهل وافتقاد روح الوطنية.


إن الرياضة العربية عموما قد لُخِّصتْ وضعيتُها الميؤوس منها في مقابلة السعودية ضد روسيا في افتتاح نهائيات كأس العالم، حين خسرت أمام الملايين من المشاهدين بخماسية نظيفة، ورغم الأموال الطائلة التي تغدق على اتحاد الكرة السعودي ورغم الإمكانيات المُهولة والأجواء والدلال إلا أن عقلية اللعب وفن التنافسية كانا هما الغائبين الأكبرين في المقابلة، لتتحقّق مقولة "الرياضة هي مشروع دولة" تعكسُ مستوياتِ التعليم والنضج الإنساني والاقتصادي فيها وليس مجرّد لعبة.


من الملاحظ أن الرياضة العربية تعاني من قلة التنافسية إلى حدٍ يُعتَبر فيه الفوز والخسارة بالنسبة للرياضي سيان، فلا روحاً قتالية في الميدان، ولا إصراراً واضحا يدل على الإرادة الجادة للفوز، بل يدخل الرياضي العربي غمار المنافسة وقد استقرت الهزيمة في ذهنه مسبقا، فتكون النتيجة طبعا كما توقعها بالفعل هزيمة وإقصاء مبكراً وخروجاً من الباب الضيق كما جرت العادة.

 

ثم تأتي بعد ذلك مرحلة التلاسنات وتبادل الاتهامات على وسائل الإعلام، فالرياضي يتذرع بنقص الإمكانيات وضعف الاستعدادات والتشويش على التدريبات، والمسؤولون يعزون الفشل لنقص الخبرة ويعدون بنتائج أفضل في المنافسات القادمة، وهكذا تدور الأمور دائما في حلقة مفرغة منذ أول عهدٍ لنا بالرياضة كمتتبعين على شاشات التلفاز وفي المقاهي والأحياء، ودائما ما كنا نتشبث بالأمل ليس انتظاراً لمعجزات من أحد، وإنما عشقاً للوطن والانتماء.

لا بد وأن نلوم أنفسنا أشد اللوم حين نفشل في تحقيق حلم أو هدف، فذلك يمنحنا الطاقة لإعادة تصحيح الأخطاء، واتباع المسار الصحيح، والإصرار على الوصول

رويترز
 

لا يمكن للرياضة العربية أن تشق طريق النجاح إذا لم تتوفر قاعدة متينة من التجهيزات الرياضية والملاعب والقاعات وصالات التداريب بنسب تتوافق مع عدد وتوزيع السكان، وإذا لم تتحول الرياضة إلى مادة أساسية في مناهج التعليم تُدرس بطريقة علمية صحيحة، إذ لا يمكن تصور تفوق رياضي في تخصص ما دون أرضية حاضنة لهذا التفوق، ولا يمكن الحديث عن مواهب رياضية في غياب فضاء يتبناها ويصقلها وبالتالي يحميها من الاندثار، ولن تتقدم رياضتنا العربية خطوة واحدة إلى الأمام إذا لم تُفتح الملاعب الرياضية بالمجان كما فعلت اسبانيا، أو بثمن رمزي في وجه العموم، وإذا لم تتراجع الدولة عن وضعها تحت وصاية جمعيات انتهازية تتخذها مشاريعا مدرّة للربح، تتحكم فيها كيف تشاء فتخصص أثمنة خيالية لأبناء الحي المغمورين مقابل إجراء مقابلة واحدة في كرة القدم! ولا يمكننا توقع مستقبل زاهر للرياضة العربية إذا لم يواكب تطورها بالموازاة تطور كل المجالات الأخرى.


تساءل معظم المتفرجين في مباريات المنتخبات العربية من الصغار والكبار، ومن المتدينين والملحدين، ومن الميسورين والمقهورين، هل ليس من حقّنا أن نفرح ولو من طريق كرةِ جلدٍ منفوخة بالهواء؟ في ظل واقع عربي لا يمت بصلة إلى الرضا والقبول، هل ليس من حق الشعوب العربية أن تعيش لحظة الفوز؟ فيرتفع مستوى الأدرينالين لديها تنسى في نشوته الهموم والآفات؟ ولماذا نمثل نحن العرب النصف الفارغ من كأس العالم؟ بينما يحظى النصف الآخر بالفرجة والمتعة وروح القتالية والثقة في تحقيق الفوز.

لا بد وأن نلوم أنفسنا أشد اللوم حين نفشل في تحقيق حلم أو هدف، فذلك يمنحنا الطاقة لإعادة تصحيح الأخطاء، واتباع المسار الصحيح، والإصرار على الوصول، والانتقاد البناء والحوار الجاد، والخنوع إلى الواقع المعاش والحظ السيئ والنفاق البواح والكلام المنمق، لن يزيدنا إلا تقهقراً واستمراراً لمسلسل الإخفاقات في جميع المجالات!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة