أحلام مصطفى
أحلام مصطفى
412

لماذا أردنا أن نكسب مباراة كرة قدم؟

23/6/2018

أذكر مباراة كأس أمم آسيا التي لعب فيها العراق ضد السعودية، جاءت هذه المباراة بعد احتلال العراق ودماره التام. جلست أنا وإخوتي وأمي في غرفة المعيشة بعد أن أددنا الأجواء للمتابعة. منذ اللحظة الأولى ونحن نلهج بالدعاء، بما فينا الوالدة، نكرر ونعيد، ننفعل مع ;ل هجمة، نصرخ ونتقافز. كان الأمر مرهق نفسياً. ولمّا فاز منتخب العراق بكينا جميعاً. أتطلع إلى نفسي الآن في تلك الصورة وأجدني كنت أبكي لأن الناس فرحت، أهل العراق الذين احترقت الأرض والسماء من حولهم، فرحوا قليلاً. نعم سيعودون غداً للحياة التي لن تغير فيها هذه المباراة شيئاً، لكنهم خلاف كل يوم فرحوا قليلاً أو كثيراً.

 

هذه الأيام تلعب المنتخبات العربية في كأس العالم ونحن نراقب الخسارة تلو الأخرى، نتلقى الصفعة العلنية تلو الأخرى، نتأمل أي نوع من المواساة ربما، لكن من الواضح أننا لا نستحق حتى هذه. الموضوع ليس له علاقة بالجماهير التافهة، ولا بأن كرة القدم أفيون الشعوب وطريقة لإلهائهم والسيطرة عليهم، لا شيء يلهي الناس عن حياتهم المكروبة التي يعيشونها، كل المسألة أن الناس تختار أن تضع طاقتها في هذا الأمر الآن لأنه خارج دائرة الهم والغم الذي يغرقون فيه.

 

أٌشاهد الأخبار وأقرأ وأسمع وأتفاجأ في كل يوم بمستوىً جديد من البؤس لم أعرف أنه كان ممكناً، لم أعرف أنهم كانوا يقدرون عليه

لقد شاهدت الصغار والكبار، المثقفين والحرفيين، الشيوخ والعلمانيين، أناس لم يسبق أن عهد عليهم اهتماماً حتى بكرة القدم، أنا شخصياً لم أتابع كأس العالم منذ عام 1998! ولكن لسبب ما هذا العام التفت الناس إلى هذه الكرة التي يجري وراءها 11 لاعباً وجعلوا منها مهرباً مؤقتاً يخفف من قتامة الصورة، فزادتها قتامة وكشفت عن قاع يلي القاع. نعم كنت من الحمقى الذين قالوا ربما نفوز، ولما خسرنا تمنوا أن نخسر بفارق ضئيل على الأقل، وإذا سمعنا أن فريقاً خسر في اللحظات الأخيرة نشعر ببعض المواساة، وكأن خسارة عن أخرى تشكل فرقاً. ونعم فكرت في ملايين اللاجئين والمحرومين والمنسيين وراء الشمس، وقلت لا نستحق الفرح وهم هكذا، ولكنني بشر، لا أريد أن أموت كمداً، أريد أن أخرج من ذلك الثقب الأسود الذي يمتص روحنا شيئاً فشيئاً.

 

وصلت لمرحلة أتقبل فيها حقيقة أنني لا يمكنني الهروب من واقعنا، من الأوطان التي تخوننا وتقتلنا، ومن العالم الذي يخذلنا ويزداد وضاعة كل يوم. نحن منكوبون منهوبون لا نملك من أمرنا العام شيئاً. كل ما نملكه هو أن نسعى نحو سلامتنا فرادى أو جماعات. نحاول أن نغير شيئاً وفق ما نستطيع دون أن نبالغ في الأمل، ودون أن ندخل بأرجلنا صومعة المتعالمين العُمي المجاذيب.

 

كنا نريد أن نفوز في مباراة كرة قدم يشاهدها العالم لأننا مكسورون من كل جهة، معدمون غير معروف متى نستطيع أن نقف من جديد. نعافر في هذه الحياة حتى لا نخسر إنسانيتنا التي سلبها منا كل من كان له يد علينا، صاحب الوجه الأبيض والشعر الأشقر، ذلك الغريب، وصاحب الوجه الأسمر والشعر الأجعد الحالك، الذي يشبهنا، كلاهما خانا حقيقتنا.

 

أٌشاهد الأخبار وأقرأ وأسمع وأتفاجأ في كل يوم بمستوىً جديد من البؤس لم أعرف أنه كان ممكناً، لم أعرف أنهم كانوا يقدرون عليه، أٌقول لنفسي لماذا ما زلت تتفاجئين؟ وأجيبها لأنني لا أريد أن أصدق أن البشرية أصبحت بهذا السواد. ولكن ماهي إلا لحظات وأدرك أنني لم يكن ينبغي أن أتفاجأ. أنت تعرفين أن هذا حدث سابقاً، والإنسان هو الإنسان، مهما مرّ من الزمن وتغيرت الثياب والدواب.. يبقى هو الإنسان.

 

لم نكسب مباراة كرة قدم هذه المرة، لعل ذلك أفضل، حتى نلتفت إلى المباريات الأخرى التي يمكننا أن نكسبها في هذه الحياة

مواقع التواصل
 

ولهذا أيضاً كان من الضروري أن نأمل أملاً كاذباً وشبه مستحيل، في شيء تافه ككرة القدم، لأننا لشهور أو لأيام كنا نعيش في خانة الممكن. لأن حياتنا كلها تمضي في خانة الفاسد والمدمر والضائع، أردنا أن نقضي بعض الوقت في مكان آخر، فربما لسنا ملعونين بكل صورة؟ ربما يبيض وجهنا أمام الشعوب الأخرى قليلاً؟ ربما نرى أنفسنا على شكل آخر غير الخوف والذل والخسارة؟ ربما لهذا تجاهلنا كل الأفكار الفلسفية، والمبادئ القيمية، والخبرات السابقة، وقلنا: ربما؟ يمكن؟ لعل وعسى؟

 

على كل حال، لقد انتهى الأمر بأن عدنا إلى خانتنا الأليفة، التي نقبع فيها منذ زمن، نعرفها ونعتادها كما يعتاد المريض طعم الدواء. عدنا لنتلقف الفظاعات الواحدة تلو الأخرى، عدنا لنشاهد العالم وهو يغرف في الوحل أكثر فأكثر. ربما تكون حالنا جدية، وحياتنا تسير بسلام، فمكرمات الله كثيرة، لكن مجرد وجودنا في عالم يحرق فيه أطفال ويسرقون في وضح النهار، عالم بلا ضمير، كل شعاراته البراقة كاذبة، لا صوت فيه إلا صوت الأموال والمصالح، هذا الوجود يغشينا كغمامة سوداء.

 

واليوم سنبحث عن شيء جديد يحمل ذلك الاحتمال، احتمال أن نكون أفضل، ربما ندرك أن هناك من يضحون بحياتهم من أجل أن ينقذوا الآخرين؟ هذه علامة إنسانية جيدة أليس كذلك؟ ربما أن هناك أمهات وآباء قد يفعلون أي شيء ليضمنوا أن أطفالهم سيكبرون ويصبحون كائنات سوية عادلة؟ هذا أيضاً جيد، صحيح؟ وهناك المصلحون والمتطوعون والناشطون والمعلمون الطيبون والأطباء المخلصون والغرباء العاديون المبهجون، كل هؤلاء يمكنهم أن يخرجونا من الثقب الأسود يوماً ما إذا تجمعوا بأعداد كافية، ربما؟ لم نكسب مباراة كرة قدم هذه المرة، لعل ذلك أفضل، حتى نلتفت إلى المباريات الأخرى التي يمكننا أن نكسبها في هذه الحياة.. أليس كذلك؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة