انحياز البقاء.. حينما تخدعنا تجارب الآخرين

30/6/2018

"أثرياء العالم لم يتابعوا دراستهم وحققوا أموالا طائلة وأمجاد خيالية رغم انقطاعهم عن التعليم النظامي"


عبارة ومثيلاتها ترسخت في أذهاننا وتناقلتها الألسن، تُمجد للفشل الدراسي وتجعلنا جاهزين لتقبل الفشل ومُطبعين مع الهدر المدرسي رغبة في تحقيق أمجاد عظماء الأموال، بيل غيتس مارك زوكربيك وأخرون ما فتئوا يصرحون ويتفاخرون في خرجاتهم الإعلامية أنهم لم يتمموا دراستهم، مدغدغين بذلك مشاعر كل من يبحث عن صناعة المجد والحذو مثلهم.

هذا البحث عن النجاح، يجعل البعض يلتجأ للكتب والمقالات التي تم تأليفها حول كبار الأغنياء والتي تتحدث عن مساراتهم وخطواتهم الأولى في ميدان المال والأعمال وماذا يفعل ذلك الناجح بحياته كل يوم وما الرياضات التي يمارسها والكتب التي يقرأها، أو كم ساعة ينام يومياً، طامعين في سبر أغوار ارتقائهم على سلم ريادة الأعمال وأملا في إيجاد الوصفة السحرية التي تجعلهم أيضا أغنياء.

رغم أن هاته الطريقة قد تنجح نادرا إلا أنها تُغير من نظرة الناس للعالم، فتجعل الناجح قدوة للأخرين يحتدون به  لكن ما يُغفل عنه هنا هو جميع الأشخاص الذين تركوا الدراسة ولم ينتهي بهم المطاف كأفراد ناجحين. لأنه في الواقع عند النظر إلى العينة الكلية نرى أن الحائزين على شهادات جامعية يكونون أكثر نجاحا ويجنون مالا أكثر وأقل عرضة للوقوع تحت طائلة الديون. هاته الحالة تسمى في علم النفس بانحياز البقاء.

حين نتجول بين مأثر مدننا القديمة، نتباكى على أطلال الماضي الجميل ونمدح قوة البناء وجماليته ونشتكي من تدهور نمط البناء الحالي وعلى أنه لم يعد يُبنى بنفس الجودة كما كان سابقا  لكن: هل هذا صحيح فعلا؟ لأننا لا ننظر إلى كل المنازل التي وجدت حينها، نحن في الحقيقة ننظر فقط إلى عينة مختارة منها. البنايات التي تمكنت من الصمود إلى يومنا هذا. لذا من المنطقي جدا القول أن هذه المنازل تمثل أفضل ما بني وما تم الحفاظ عليه، وعليه فهي لا تمثل ولا تعطي فكرة صحيحة عن الطريقة التي كانت تبنى بها الأشياء في ذلك الوقت. حالها حال العديد من الانطباعات التي نكونها عن الكثير من الأمور.
 

النجاح معقد الجوانب ولا يأخذ جانباً معيناً، ولكن ليس من الحكمة أن ننظر إلى جانب دون آخر، وأن لا نقدس الأشخاص ونقلدهم في كل جوانب حياتهم

انحياز النجاة أو انحياز البقاء (Survivorship): يظهرُ هذا الانحيازُ عندما نُركِّزُ فقط على الأشخاص أوِ الأشياء التي "نجت" دون النَّظر لتلكَ التي "لم تنجُ" ممّا يُؤدِّي إلى حدوثِ العديدِ من الأخطاء الناجمةِ عن سوءِ تقديرٍ للوضعِ الرَّاهن. فقد نعتقدُ مثلًا أنّ الشُّروعَ بِمَشروعِنا الخاص أمٌر بسيط ونجاحُه (نجاتُه) أمرٌ محتَّمٌ، وذلك فقط لأننا لم نسمع من قبل عن أولئك الذين فشِلوا في تحقيق نفسِ المشروع الذي ننوي إقامته (أولئك الذين لم تنجُ مشاريعُهم).

انحياز البقاء  له أنواع كثيرة، هو يشمل كل ما استطعت الوصول إليه، ولذلك من الصعب تجنبه، ربما تجد في مدينتك يوميَا  حفلات زفاف فتعتقد أن الزيجات أصبحت أكثر من الماضي، ولكن الحقيقة أنها فقط أصبحت تصل إليك بشكل أكبر، ربما يخبرك أحدهم أن تفتح شركة مستقلة بحجة أن جوجل وأبل وفايسبوك نجحوا، وهو يتجاهل  أن هناك ملايين الشركات الأخرى التي أفلست في أول 3 سنوات لها، انحياز النجاة لا يحله سوى التفكير المضاد، عندما تفكر بمن نجحوا يجب أن تفكر أيضًا بمن فشلوا، لتجعل هناك توازن من نوع ما.

ولا يجب إخفاء أن أغلب هؤلاء الناجحين المعروفين كان للحظ نصيب في نجاحهم ولا أقصد بالحظ هنا ذلك المفهوم السحري الذي يجعل حياتك مثالية ولكن أقصد به العشوائية العمياء، وهي ببساطة تلك الأفضلية التي تتمتع بها ولم يكن لك أي دخل مباشر أو غير مباشر فيها. بالنهاية النجاح معقد الجوانب ولا يأخذ جانباً معيناً، ولكن ليس من الحكمة أن ننظر إلى جانب دون آخر، وأن لا نقدس الأشخاص ونقلدهم في كل جوانب حياتهم كي لا ينتهي بنا المطاف مدمنين على لبس سراويل الجينز والأقمصة السوداء طيلة حياتنا لأن كتابا ما ذكر أن ستيف جوبز كان يلبسها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة