مها شحاده
مها شحاده
905

لماذا يسيء بعض المتدينين أخلاقهم؟

8/6/2018

سؤال كثيراً ما طرح على المسامع وربما كان سبباً لنفور البعض من الدين لعدم مقدرتهم على إيجاد إجابة شافية. فما السبب الذي يجعل أناساً من الفئة المتدينة تسيء السلوك وتسبب هذه الروابط السلبية للدين في أدمغة الناس، ليظهر ديننا الإسلامي السامي بمظهر العاجز عن تربية أولئك الأفراد وتزكية أرواحهم وقلوبهم، مما يفتن من يتعامل معهم فينفر من الإسلام أو يلحد أو يفقد الثقة بهذا الدين العظيم.

بداية نود أن نوضح حقيقة هامة بأن الدين يؤخذ من أصوله التي تمثلت في القرآن الكريم والسنة المطهرة التي نجحت في تربية مجتمع جاهلي ليصنع حضارة لا تغيب عنها الشمس، وإن الإساءات الأخلاقية التي يقوم بها الناس تعبر عن أشخاصهم وليس عن الإسلام، فالإسلام يمثله نبيه الكريم وهو أحسن الناس خلقاً، وسائر الأنبياء الذين صنعهم الله على عينه، وباقي البشر هم بين محسن ومسيء.

ولكن هذا لا ينفي الألم الذي نتجرعه عندما نجد من يدعى "التديّن" يكذب ويظلم ويفتري على غيره..، فكيف يمكن أن يفعل إنسان مثل تلك السلوكات التي تدل على انطماس بصيرته وهو يتكلم بالقرآن والحديث الشريف بل وقد يكون حافظاً للقرآن الكريم مما يجعل الناس تصاب بالذهول عندما ترى أن الفارق بين الحال والمقال كالفارق بين المشرق والمغرب، وحقّ لنا أن نذهل فكبر مقتاً عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون. دعونا نفسر ما يحدث وفق أبحاث الدماغ لنعلم كيف أن ديننا العظيم بريء من تصرفات هؤلاء.

فما الذي يحدث داخل أدمغة هؤلاء المسيؤون؟
إذا تربّى الإنسان منذ صغره في أجواء شحنت دماغه بالغيرة أو الحسد أو الإحساس بالنقص، وكبر على هذه الحال وتديّن، ستكون مشاعره السلبية هي المسيطرة

قد سبق وتكلمنا عن الدماغ العامودي المسؤول عن السلوك الأخلاقي، وهو الذي يمنحنا البصيرة والحكمة والوعي بما نفعل، وهو الجزء الهام بداخلنا الذي يتأثر بعملية تزكية النفس "وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا، فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا، قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا" (الشمس/7-10)، فلماذا لا يتزكى هذا الدماغ المسؤول عن الأخلاق من خلال قراءة القرآن الكريم وتعلم العلم الشرعي؟ وهل الدين عجز عن تزكيتهم؟


هناك سببان رئيسان لذلك:
أولاً: حتى تتم التزكية يجب أن يمتلك هؤلاء مشاعر إيجابية في منطقة اللوزة لأن مرور المشاعر السلبية فيها يحجب الحكمة والمنطق والأخلاق والبصيرة والوعي، فإذا تربّى الإنسان منذ صغره في أجواء شحنت دماغه بالغيرة أو الحسد أو الإحساس بالنقص أو السخط أو الغرور أو التكبر أو الخوف أو النفاق مثلاً، وكبر على هذه الحال وتديّن، ستكون مشاعره السلبية هي المسيطرة والموجهة لقراراته بحسب قوة هذه المشاعر السلبية لتحجب الوعي بما يَعرف من هذا الدين فيَخرجُ تصرفه عارياً من التأثّر بالدين موجهاً بمشاعر التوتر المشحونة في منطقة اللوزة.

ثانياً: حتى يغير الدين من هؤلاء الذين تربوا على هذه الأمراض القلبية يجب أن تكون مشاعر الإيمان أعلى من مشاعر الأمراض السلبية لتغلب وتهذب اللوزة ومنطقة ذاكرة المشاعر وهي الحُصين، وهذا لا يحدث إلا في حالة واحدة وهي أن يتألم الإنسان من أمراضه ويرغب في التغيير من خلال إيجاد البيئة الصالحة والإقبال على ذكر الله تعالى بتأمل وتدبر في آيات الله ليفرز هرمونات عميقة في الدماغ تطهّر منطقة اللوزة والحُصين، ليتوازن ويبدأ النور بالدخول إلى قلبه وعقله وتبدأ إشعاعات البصيرة بالنفاذ إلى قراراته وسلوكاته، وهذه العملية لا تحدث بيوم وليلة بل تحتاج سنينا، وتصبح أصعب كلما كبر الإنسان وتقدم في العمر، لأن الخلايا العصبية تكون قد أشبعت بهذه المشاعر السلبية.

وأما من يقرؤون القرآن فلا يجاوز حناجرهم فلن يستفيدوا من هذه القراءة لأنها غير واعية، وأما إذا كانوا يقرؤون القرآن ليقال قارئ ويظهرون بمظهر المتدين ليقال متدين فاعلم أن هؤلاء سيزيدهم تدينهم انطماساً في بصيرتهم لأن نيتهم خاطئة حتى في تدينهم، وهؤلاء هم أول من يُلقى في النار كما حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هناك فئة نشأت نشأة طيبة، لم تشحن مشاعر طفولتها بالنفاق أو الغيرة أو الحسد، ثم عرفت الله، فهؤلاء هم منارات الهداية ينشرون الخير أينما كانوا ويمدهم الله بتأييده وتوفيقه

غيتي


إن الفئة التي تظهر بمظهر التدين تنقسم إلى ثلاث:
فئة نشأت بقلوب مريضة تغار وتحسد وتكذب وتظلم وتطغى ولا تشعر بالذنب بسبب أن أمراض القلب تُطفئ الضمير الأخلاقي من "الران" الذي يتراكم على قلوبهم، والذي تفرزه مشاعر المرض المستمرة التي تغذي أدمغتهم بشكل يومي، فلا تحدث لهم عملية استبصار بأخطائهم ولا يراجعون أنفسهم حتى لو تمت مراجعتهم، بسبب الأوهام التي يعيشونها في عقلهم اللاواعي والتي رسمها الشيطان بأحبار أمراضهم، فيرون صورة وهمية مزينة يسيرون نحوها تُسكن أنين أمراضهم بلذة الأذى، تجعلهم يُسيئون ولا يتراجعون. اعلم أن هؤلاء يعاقبون في الدنيا قبل الآخرة، فيُحرمون التوفيق والبركة في الحياة الدنيا ويعيشون بألم الضياع وسلْب التوفيق عمرهم كله، ناهيك عما ينتظرهم في آخرتهم. فاعلم أن الله لهم بالمرصاد، فدعهم لله.


فئة خلطت عملاً صالحاً وآخر سيئاً، وهي الفئة التي تقوم بأخطاء وتمر بتوترات سلبية في منطقة اللوزة فتُحجب عنها البصيرة في بعض المواقف، وتحسن في مواقف أخرى بحسب ما يمر باللوزة من مشاعر إيجابية أو سلبية، وذلك بحسب التربية التي تربوا عليها والمشاعر السلبية التي تشربوها في طفولتهم، وإن معرفتهم بعيوب أنفسهم مع صدق إقبالهم على الله لتزكية أنفسهم وتنقية مشاعرهم سيجعلهم يتقدمون نحو الفئة الثالثة لتحيا قلوبهم ويصبحوا منارات هداية، أو يتراجعون نحو الفئة الأولى ليصبحوا منطمسي البصيرة مضطربي السلوك.


فئة نشأت نشأة طيبة، لم تشحن مشاعر طفولتها بالنفاق أو الغيرة أو الحسد أو السخط أو الجبن أو الخوف أو غيره، ثم عرفت الله وأقبلت عليه بإخلاص، فهؤلاء هم منارات الهداية ينشرون الخير أينما كانوا ويمدهم الله بتأييده وتوفيقه.


فلنجتهد أن نكون من الفئة الثالثة الطيبة الصادقة، ولا نفتن في أي فئة أخرى، لأن كل إنسان سيحاسب فردا، وكل إنسان مسؤول عن نفسه، قد أعذر الله إليه أن أمده بفطرة خير في أعماقه توجهه للخير، وأرسل له رسولاً صادقاً رحيماً، وأنزل معه كلامه من فوق سبع سماوات لنهتدي به عندما تضطرب أمامنا الرؤية، فنخرج من الظلمات إلى النور ونرتقي في مدارج الإيمان، وتصبح لوزتنا مشحونة بمحبة الله وتقدير عطائه، ومحبة خلقه ومحبة الخير لهم، ونصبح حقيقة نموذجاً وقدوة. "أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" (الأنعام/122).

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة