بسملة مدحت الحلو
بسملة مدحت الحلو
556

هل أخذك علمُك لإنسانيتك أم بعد؟

1/7/2018

قبل كتابتي لهذا الموضوع طرحتُ بعض العناوين على صديقاتي المعماريات، وسألتهن عن أول ما يتبادر إلى أذاهنِهن عن، "كيف يمكن أن يكون محتوى نصٍ يحملُ عنوناً مثل العمارة والطبقية أو العمارة والعنصرية أو العمارة والقولبة؟"، ملخصُ الردود التي وصلتني حول عمارة الأغنياء والترف أو العمارة في عصر السلاطين والعثمانيين والعمارة التي كانت تخاطب طبقة معينة محصورة من الناس.

أما عن نفسي أنا، رُبَما كنت سأحمل نفس الرد لو لم يكلفني أستاذي قبل آخر عدوانٍ حصل على قطاع غزة بتقريرٍ عن المهندس "راسم بدران" أو قبل أن أقرأ في أحد المجلات المعمارية عن مشروع الفوضى، أو حتى قبل مشاهدتي لتيدكس بغداد لمنهل الحبوبي أو تيدكس رام الله مع سُعاد العامري، حينها فقط بدأتُ أفكر أنني بعيدةٌ عن طموحي ما لم أفكر بأبعد وأعمق وأقرب نقطة بالعمارة وهي "الإنسانية".

حربٌ، والناس جميعاً في حالة هلع مما يحدث ينتظرون دورَهم بالموت، أما أنا فكنتُ متعلقةً بأنْ ليسَ بعد، فسأعود إلى جامعتي أقدم تقريري لأستاذي، وهذا غيرُ كافٍ سأُعد تقرير مميز جداً، وعليه انزويت مع حاسوبي للبحث عن المعماري راسم بدران، بحثت عن سيرته وكتبه بشغف إلى أنْ صادفني كتابٌ يشمل أعمالَه "The Archiecture of Rasem Badran Narratives on people and place".

يقول إيلين جيلكرست: "كل ما عليك عمله لتعليم طفل هو أنْ تعلمه القراءة وتتركَه وأيّ شئ غير ذلك فهو محاولة لغسل دماغ"

شد انتباهي غلافُ الكتاب حيثُ كان يحمل صورة أحد الأدراج وما نال إعجابي وأوقد حواسي أكثر هو التفسير لهذه الصورة وهو أن الدرج لا يمثل لراسم بدران عنصر أو فراغ انتقالي في المباني، الأدراج مكانٌ للالتقاء الاجتماعي، يلتقي سكان البنايات مع بعضهم البعض على الأدراج، لذلك حاز هذا الفراغ على اهتمام بدران كي يعزز هذه العلاقة الاجتماعية العفوية التي تصادفنا دون تمعنٍ بها، ثم أثناء الهدنة التي حصلت ثلاثةَ أيام استكملنا دراستنا وتم إلغاء هذا التقرير وتحوّل إلى تقرير بعنوان إعادة إعمار مدينة غزّة.


نعم، قد أُلغِيَ التقرير الأوّل من مهامنا لكن كلمات راسم بدران لم تفارقني، وضعتُ كل اهتمامي بالتقرير الثاني ورسمت لغزّة لوحة جديدة شديدة الإحساس والقوّة، عندها فقط أدركت أنّ ما يُصنع بحبٍ يصل بحب فأشاد بي أستاذي أنه لم يمر عليه تقرير يثيرُ مشاعرَه ويشعر بحب كاتبه كهذا التقرير، وبهذا بدأ فكري المعماري يتحول من عمارة نَحتية تثير الناظرين إلى عَمارة "إنسانية".


الفكرة التصميمية هي أكثر ما يستهلك من طاقة المعماري عند أيِّ تصميم، حيث حسب رأيي المهندس "محمد ربيع" مصمِّمُ مشروع عُرف بـ "مشروع الفوضى" أنّ الفكرة التصميمية هي (ما تودُّ أن توصله لكل مَن يمُر بمشروعك وكيف لك أن تُحدّث الناسَ جميعاً بكافّة شخصياتِهم واهتماماتهم بلغة مِعمارية دون أن يكونوا معماريين) وعليه بدأت أفكّر، هل حقّاً للعمارة لغة؟


بالتأكيد، وأجمل تلك اللغات ما يتركُ منها أثراً لا يُنسى في نفوس المستخدمين وليس فقط المشاهدين، فالعمارة ليست نصْباً تِذكاريّاً، العمارة انعكاسٌ لتفاعل الإنسان مع بيئته، وإنْ لم يسْكنها الإنسان وتكُن ملائمةً لاحتياجاته التي تتعدى الاحتياجات المادية لا تُسمّى معمورةً. وهذا التفكير انعكس على مشروعي الذي كان قيد التصميم في الجامعة حيث فكّرت بطريقةٍ أتركُ فيها أثراً على المستخدمين، حتى وإن كانَ مستخدمي مشروعي "أبقاراً" ضمن مشروع مزرعة أبقار ومصنع ألبان، قرأتُ عن طبيعة حركة الأبقار وأنّ عمودَهم الفقري لا يسمح لهم بالتفافٍ حاد، فبحثتُ عن أكثر الزوايا سلاسةً في التنقل لتخطيط مسارات حركتهم داخل المشروع ومن ثم طبقتها لتعيشَ البقرة في أفضل ظروف يمكن لي كمعماريّة أنْ أوفرها لها.

"مين فهّمنا إنّه إحنا أحسن ناس بالدّنيا وإحنا مَ اخترناش حتّى إسمنا؟"، هذا السؤال الذي ألحَّ عليّ بالتفكير بعد سماع حديث المعمارية سُعاد العامري، حديثها جعلني أتذكّر وأنكر ما فعلناه بالمدرسة ذات يوم مع صديقتنا أسيل، أسيل من أصولٍ مجدليّة يعني "لاجئة" وأصولي أنا وبعض الصديقات غزيّة يعني "مواطنين"، وبطريقة أو بأخرى كنّا متشَبّعين فكرياً بأنّ المواطن أفضل من اللاجئ، فبدأنا الاستهزاء بها بقول: "المجادلة بُخلاء"، رغم أنه لم أصادف من المجدل أحداً سوى أسيل الجميلة.

 

تبنَّيت مع فريق تخرجي فكرة تصميمية عميقة البعد تقول "العمارة تستطيع حل مشاكل تتعدى المسكن والملجأ"، وحاولنا إثبات أن العمارة يمكنُها حَل مشاكل بيئيّة، اجتماعية، واقتصادية



مواقع التواصل
 

لكن، ما أورثنا إياه المجتمع من أسلوب الحكم وإبداء الرأي عن جهل حَجَّم عقولَنا لنصل لدرجة أن نُفَاضل بين أشخاصٍ لم يختاروا أصولَهم، هذا لا يقتصر على اللاجئ والمواطن، بل يشمل كل قالب ورثناه يصنع كل تلك العنصرية من ذكر أو أنثى أو مهندس ودكتور وعامل أو غني وفقير أو أبيض وأسود أو رُبَما ما يواجهُني شخصياً أنّني مهندسة (إنّه بنت ومهندسة مش زابطة)! أو حتّى قالَب الجمال، حيثُ أنّ هناك مواصفات للجمال بحسب رأي المجتمع وإنْ لم تتواجد بنا فينبغي أنْ يُشعِرنا هذا بالنقص!


لذلك يقول إيلين جيلكرست: "كل ما عليك عمله لتعليم طفل هو أنْ تعلمه القراءة وتتركَه وأيّ شئ غير ذلك فهو محاولة لغسل دماغ". أضيف أيضاً أن العمارة تعلّمك الكثير ومما علمتني إياه، أنّ هناك مدارس معمارية كثيرة متعارضة ومختلفة تتعاكس بالرأي لكن رُغم هذا لا يوجد احتمال أن تكون إحداهن خاطئة، فمن هذه المدراس ما يجعل الوظيفة تتبع الشكل ومنها ما يجعل الشكل يتبع الوظيفة، وهناك مَن وضع أُسس جمالية من اتِّزانٍ، إيقاع، تماثل وغيرهم، ثمّ جاءت العمارة التفكيكة كي تضع معاييراً جمالية خاصّةً بها نابعة من كل شيء غير مألوف فصنعت من كل ما يعتبر قبيحاً جميلاً بمذاقٍ جديد.


وما حدث من تغيُّر بفكري الشخصي انعكس بشكل مباشر على التغير بالفكر التصميمي، ابتداءً من أول تصميم لي خلال دراستي للعمارة وصولاً لمشروع تخرجي، حيث تبنَّيت مع فريق تخرجي فكرة تصميمية عميقة البعد تقول "العمارة تستطيع حل مشاكل تتعدى المسكن والملجأ"، وحاولنا إثبات أن العمارة يمكنُها حَل مشاكل بيئيّة، اجتماعية، واقتصادية من خلال التصميم المعماري، وأول المشاكل الاجتماعية التي أدرجناها كانت، الطبقيّة. وأخيراً سأقول أنّ علاقة العمارة بالعنصرية، القولبة والطبقية أنّها شفاءٌ لكلِّ واحدةٍ منهم، ليس العمارة فقط بل إن لم يَزدْك علمُك إنسانيّةً فعليك أن تُعيد حساباتك.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة