منصور سليمان
منصور سليمان
2.2 k

مصائرُ الدولة الوطنية بين إريتريا وإثيوبيا

10/7/2018

يصعب وصفُ المشهد السياسي في منطقة القرن الأفريقي هذه الأيام، وصفا دقيقا جامعاً، بسبب كثرة الأحداث والتحوّلات المتسارعة التي تمر بها. مع ذلك، يمكن اعتبار الزيارة التاريخية التي قام بها آبي أحمد إلى أسمرة في 8 يوليو/تموز 2018، منعطفاً جديداً في مسار العلاقات البينية بين دول القرن الأفريقي وبصورة خاصّة قد تكون بداية لمرحلة جديدة في علاقات الشعبين الإثيوبي والإريتري، يطويان من خلالها ملف نزاع حدودي شائك استمر لعقدين من الزمان. وسنفرض مقال خاص يتابع تداعيات زيارة آبي أحمد إلى أسمرا، ونراقب تطورات الملفات العالقة بين البلدين.

في واقع الأمر، الأحداث تسارعت منذ إعلان اللجنة التنفيذية للائتلاف الحاكم في إثيوبيا (الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا ـ المعروفة محليا بالإهودق) قبولها التام لاتفاقية الجزائر الموقعّة بين البلدين في سنة 2000، واستعدادها كذلك لتنفيذ مخرجات لجنة الحدود الإثيوبية الإريترية لسنة 2002. وهو الأمر الذي دفع الرئيس الإريتري، إسياس أفورقي، للإشادة بالقرار الإثيوبي ضمن خطاب ألقاه مؤخرا، في 20 يونيو/حزيران 2018، بمناسبة الاحتفال بـ"يوم الشهيد"، رحبّ فيه بما أسماه "الإشارات الإيجابية الصادرة عن الحكومة الإثيوبية والمتوافقة مع خيارات شعبها المتشوّق للعيش في سلام ووئام مع جيرانه"[1].

 

لم يكتفي الرئيس بهذا الإطراء، إنما ذهب أبعد من ذلك ليقول إن "مسألة التكامل بين الشعبين والدولتين بما في ذلك العمل على حماية مصالحهما وازدهارهما، يعتبر من بين الأهداف التي سعينا من أجل تحقيقها وقدمنا من أجلها التضحيات على مدى جيلين"[2]. وبناء على تلك الإشارات، أعلن الرئيس أفورقي بأنه سيرسل وفدا إلى أديس أبابا، "من أجل تقصي حقيقة التطورات هناك على نحو مباشر وعميق ومن أجل المساهمة في وضع خطة لمواصلة العمل في المستقبل"[3].

 

وبالطبع، لم يدع الرئيس الإريتري الفرصة تمر دون توجيه انتقادات شديدة لحلفائه السابقين خصوصا جبهة تحرير شعب التجراي والإدارات الأمريكية السابقة باستثناء إدارة ترامب، واتهمها بتبني سياسات خاطئة قامت على تأجيج "محاور مناوئة لإريتريا، لم تعرقل عجلة التنمية في المنطقة فحسب"[4]، وإنما كلفت الشعبين الإريتري والإثيوبي خسائر باهظة على مدى عقدين من الزمان. يبدو جليا إذاً، أن تلك الإشارات المذكورة في الخطاب وما صاحبها من إرسال وفد إرتيري رفيع المستوى إلى أديس أبابا، تمثل توجّهاً إريترياً جديداً فاجأ جميع المراقبين. ذلك، لأن النظام الإريتري ظل متمسكا بموقفه من تنفيذ بنود اتفاقية الجزائر الموقعّة بين البلدين في 12 إبريل/نيسان 2000، وبصورة خاصّة تطبيق حكم اللجنة الحدودية الصادر في لاهاي في 13 إبريل/نسيان 2002، قبل الشروع في أي حوار مع الطرف الإثيوبي[5]

المشكلة الأعمق بالخلاف الإرتري الأثيوبي، تكمن في استنكاف وكُره أفورقي لتحوّل إثيوبيا إلى نظام حكم فيدرالي قائم على أساس عرقي، أفضى إلى تأسيس "الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا"

لكل ما سبق، يحذّر المراقبون من مغبة أي تسوية سريعة بين النظامين تقفز فوق جراحات سنوات طويلة من الخصومة بينهما. ومن أبرز التصريحات التي قرأتها ما كتبته "برونوين بورتون"[6]، التي تشغل منصب نائب مدير مركز أفريقيا بمجلس دراسات الأطلسي في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى نشاطها ضمن اللوبيّات التي تدافع عن النظام الإريتري وتدعو صراحة إلى رفع الحظر الاقتصادي المفروض عليه. تقول بورتون "إن الخلاف بين إثيوبيا وإريتريا لم يكن في حقيقة الأمر نزاعا حدوديا. بل ظل نزاعا حول حزمة كاملة من الخلافات، وبالتالي يتعيّن على المسؤولين ابتداءً القيام بإيجاد حلول لتلك الخلافات حتى يشيع السلام بين البلدين"[7].

 

وتضيف السيدة بورتون بأن "المشكلة الأعمق في هذا الخلاف، تكمن في استنكاف وكُره أفورقي لتحوّل إثيوبيا إلى نظام حكم فيدرالي قائم على أساس عرقي، أفضى إلى تأسيس "الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا". والموقف نفسه ينسحب على الجبهة لأنها هي الأخرى قامت على أساس ائتلاف متعدد الأحزاب تتألف عضويته من أحزاب سياسية ذات مرجعية عرقية"[8]. وبعد هذا التشخيص لأسباب النزاع بين البلدين، تخلص السيدة بورتون إلى القول إن "النظام الإثيوبي الحالي - أي النظام الفيدرالي العرقي - يحتاج إلى عملية إصلاح [من جديد] بما يضمن استدامة السلام في البلاد ويحول دون عودة جبهة تحرير شعب التيجراي مرة أخرى إلى السلطة"[9]

 

المفارقة الأولى هنا هي أن تصريحات برونوين بورتون، الباحثة المقرّبة من النظام الإريتري، بخصوص أصل الخلاف الإريتري ـ الإثيوبي، تعزز من جديد الأسئلة التي طرحتها في مقال سابق لي، كنت نبهت فيها إلى أن قضية "نظام الحكم" قد تكون واحدة من بين أهم القضايا التي فجّرت الخلاف بين النظامين الإريتري والإثيوبي. لا أريد هنا الدفاع عن تفسيري لأصل النزاع، لأنني أدرك تماما بأن إثبات صحة ذلك يحتاج إلى قرائن كثيرة تثبت بدرجة كافية من الوضوح واليقين بأنه كان السبب الرئيسي للنزاع.

 

على العكس من ذلك، فهدفي في هذا المقال يذهب إلى استنطاق الفكرة نفسها من أجل فهم الحيثيات التي يُطرح بها الموضوع. ضمن ذلك، أطرح التساؤلات التالية: لماذا يجري التركيز على نقد النظام الفيدرالي بهذه السرعة والكيفية؟ ألم يكن من الأجدى بحث ومناقشة طرق تنفيذ اتفاقية الجزائر والمسائل المتصلة بها كقضية ترسيم الحدود؟ والسؤال الأهم من كل ذلك، هل يعتبر النظام الفيدرالي القائم في إثيوبيا سيئا لهذه الدرجة التي تجعله يتبوأ أولويات الحوار بين البلدين، بل ويستدعي من الباحثة أن تدعو إلى إصلاحه من أجل استدامة السلام في إثيوبيا؟

 

وعليه مادام النظام الإريتري والمنظّرون من أنصاره يصرون على طرح مشكلة نظام الحكم بوصفه عقبة في تطبيع العلاقات مع إثيوبيا، فلا مناص من تناول تجربة البلدين السياسية والاجتماعية والاقتصادية لنرى ما إذا كان النظام السياسي قد أعاق بالفعل مشروع بناء الدولة الوطنية في البلدين. أو بمعنى آخر، إلى أي حد ساهم نظام الحكم المتبع في البلدين في تحقيق الاستقرار والازدهار في عملية بناء أسس الدولة الوطنية؟ للإجابة على هذه الأسئلة سأقوم باستعراض تصورات النظامين لشكل نظام الحكم، بعد ذلك أعرج على منجزات كل واحد منهما في مجالات الاجتماع والسياسة والاقتصاد، المقترنة بمسيرة بناء الدولة الوطنية.

من المعروف أن إثيوبيا تحتضن نحو 85 مجموعة عرقية تتميز بتنوعها اللغوي والثقافي، ومع ذلك فقد حُكمت لقرون مديدة عبر نظام حكم يقوم على مركزية مطلقة

رويترز

حصاد النظام السياسي في إثيوبيا:

قبل الشروع في استعراض منجزات النظام السياسي في إثيوبيا، يجدر بي أن أنبه القارئ بأن تناولي لهذه المسألة سيقتصر على إبراز العلاقة بين النظام السياسي وعملية بناء الدولة الوطنية، وبالتالي فلن أخوض في استعراض التاريخ السياسي الإثيوبي بصورة معمّقة.

 

 أولاً، كيف كانت طبيعة الحكم في إثيوبيا قبل وصول الائتلاف الحاكم إلى السلطة في إثيوبيا؟ وهل كانت المكوِّنات العرقية تُمثّل بصورة متوازنة في حكم البلاد؟ الإجابة على هذين السؤالين تساعدنا بشكل كبير في الاقتراب من أسلوب مزاولة السلطة والثروة في إثيوبيا. من المعروف أن إثيوبيا تحتضن نحو 85 مجموعة عرقية تتميز بتنوعها اللغوي والثقافي، ومع ذلك فقد حُكمت لقرون مديدة عبر نظام حكم يقوم على مركزية مطلقة، سيطرت عليه نخب الأمهرا والتيجراي في أغلب المراحل التاريخية. وقد أفضت هذه السيطرة إلى حدوث مظالم تاريخية تجلّت في تهميش حقوق الأعراق الأخرى مما كان يثير حنقها ونغمتها ضد الحكومة المركزية، إلى أن وصلت تلك الاحتجاجات في فترة السبعينيات إلى ثورة مسلحة تطالب إما برفع المظالم أو تدعو صراحة للانفصال.

 

ثانيا، في محاولة لمعالجة مسألة مزاولة السلطة وتقسيم الثروة، بدأت المجموعات الثائرة على سلطة الحكومة المركزية بطرح موضوع الحكم الفيدرالي اللامركزي في إثيوبيا لحل الإشكاليات التاريخية المتصلة بمسائل تقاسم السلطة والثروة من جهة، وباعتبار ذلك قالبا سياسيا توافقيا يُتيح المشاركة لجميع الأعراق. يتبين من هذا، أن طرح مسألة الفدرالية القائمة على القواعد العرقية لم تأتِ بصورة اعتباطية إنما جاءت في إطار تسوية تاريخية هدفت إلى توسيع دائرة المشاركة السياسية لجميع الأعراق خصوصا المشاركة في السلطة والثروة.

 

عندما سقط نظام منغستو هيلي ماريام في سنة 1991، أنشأت الأحزاب المنتصرة في الحرب حكومة مؤقتة وبرلمانا وطنيا يكفل الحقوق لجميع الأعراق. وبعد مداولات وحوارات كثيرة بدأتها الجبهة الثورية الديمقراطية لشعوب إثيوبيا، توصلت الأحزاب السياسية إلى اعتماد "الفيدرالية العرقية أو ما يعرف بـ "Ethnic-based Federalism"، أساسا للحكم، تتيح الحكم الذاتي لكل مجموعة عرقية بما في ذلك تداول لغاتها وتقاليدها الثقافية داخل إقليمها. وفي النهاية، توجّت تلك الحوارات بمصادقة البرلمان على دستور 1995، الذي جرى من خلاله التشريع لنظام فيدرالي لا مركزي في البلاد.

 

من بين ثمرات هذا التحول السياسي، شعور القوميات بالانتماء الوطني، لأنها أحسّت لأول مرة بأنها تحكم وتمارس ثقافتها ولغاتها داخل مناطقها الخاصّة. لم يكن هذا ميسورا من قبل، بسبب نزوع الحكومات السابقة في إثيوبيا إلى فرض اللغة والثقافة الأمهرية وحظر تداول سواها في جميع دوائر الدولة.

 

لم يكن التحول إلى الفيدرالية المسؤول الوحيد عن هذا الاستقرار، فقد كانت لرؤية رئيس الوزراء الراحل، ملس زيناوي المتصلة بتوطين مشروع "دولة إنمائية ديمقراطية، دورا كبيرا في إرساء دعائم الاستقرار السياسي والاقتصادي

شمل هذا التحول انفتاح البلاد سياسيا وإقامة نظام ديمقراطي متعدد الأحزاب، مما أتاح للمعارضة الإثيوبية المشاركة في أول انتخابات حزبية جرت في 2005، أشرف عليها مراقبون دوليون. صحيح، أن الائتلاف الحاكم استحوذ فيها على أغلبية مقاعد البرلمان والمعارضة من جهتها ظلّت تتهمه بتزوير الانتخابات، إلا أنها كانت تجربة مهمة في بلد لم يعرف في تاريخه السياسي أي تداول سلمي للسلطة. أهم حصائل التحول إلى نظام الحكم الفيدرالي، أنه حقق استقرارا كبيرا في إثيوبيا على المستويين السياسي والاقتصادي، مما جعلها واحدة من أكثر بلدان أفريقيا استقرارا على مدى سنوات طويلة.

 

في الواقع، لم يكن التحول إلى الفيدرالية المسؤول الوحيد عن هذا الاستقرار، فقد كانت لرؤية رئيس الوزراء الراحل، ملس زيناوي المتصلة بتوطين مشروع "دولة إنمائية ديمقراطية Democratic Development State، دورا كبيرا في إرساء دعائم الاستقرار السياسي والاقتصادي. بحسب تلك الرؤية، تلعب الدولة دورا محوريا في مشاريع التنمية بداية من تحويل مسار اقتصاد يعتمد بصورة كلية على الزراعة إلى اقتصاد تنموي تقوم فيه الدولة بإدارة الاستثمار في مجال البنية التحتية وقطاعي الصناعات والخدمات. وفي هذا الإطار، اعتمدت إثيوبيا ما يعرف بالخطة الخماسية أو ما يطلق عليها خطة النمو والتحول Growth and Transformation Plan، لتدشن من خلاله مشاريع ضخمة في مجال التصنيع والبنية التحتية.

 

نخلص من كل ما سبق إلى القول إن إثيوبيا حققت تقدما ملحوظا في مجالات الاجتماع والسياسة والاقتصاد، المقترنة بمسيرة بناء الدولة الوطنية. ليس ذلك فحسب، بل أن تقديرات البنك الدولي – المرفقة في الرسم التوضيحي أدناه – تشير إلى "أن أثيوبيا أصبحت واحدة من بين الدول الأسرع نموا في العالم، وسجلت في العقدين الماضين معدل نمو يبلغ ما بين ثمانية في المئة إلى أحد عشر في المئة".

 

مع ذلك، يبقى أن نشير إلى أن تجربة النظام الفيدرالي العرقي كغيرها من التجارب الإنسانية لم تكن مبرأ من الأخطاء، فقد عانت من تغلل كوادر حزب جبهة تحرير شعب التيجراي في مفاصل الدولة خصوصا في مؤسسات الجيش والأمن. وهو ما أجبر الائتلاف الحاكم الرضوخ إلى الاحتجاجات الشعبية الهادرة التي شهدها العامين الماضين، ودفعه في النهاية إلى ترشيح آبي أحمد لرئاسة الوزراء. في الواقع، لم يكن لهذا التغيير أن يحدث لولا حكمة الائتلاف ورهانه على العمل الجماعي المشترك، وهو الأمر الذي هيأ لوصول آبي أحمد إلى السلطة عبر التوافق والتراضي داخل الائتلاف الحاكم في إثيوبيا.

رسم توضيحي 1 معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي في إثيوبيا في الفترة من 2006 إلى 2016


حصاد النظام السياسي في إريتريا:

عند استعراض التجربة السياسية والاجتماعية والاقتصادية للنظام الحاكم –أي الجبهة الشعبية للديمقراطية والعدالة– الذي استلم السلطة في أسمرا سنة 1991، يلاحظ المرء أنه رفض منذ البداية مسألة اشراك القِوى الوطنية الأخرى التي ساهمت في الكفاح المسلّح، بل كان بعضها رائداً في تفجير الثورة. وبالتّالي لم يسعى إلى إجراء المصالحة الوطنية التي كان يتوقعها الشعب، إن كان على المستوى الاجتماعي باشراك المكوِّنات الاجتماعية في إدارة دولاب الدولة أو سياسيا بدعوة الفصائل الإريترية المعارضة للبلاد.

 

على العكس من ذلك، فقد رأى الحزب أن أنسب طريقة لحكم بلد مستقل حديثا كأريتريا هو أن ينفرد لوحده بمسؤولية بناء الدولة فيه. ليس ذلك فحسب، بل قام كوادره بحملات تشويه قذرة ضد خصومهم السياسيين وصلت إلى درجة إلغاء وجودهم من الساحة إما عن طريق التصفية الجسدية أو بزجهم في السجون. وهكذا، جرى إسكات الأصوات المطالبة بالحقوق للمكونات الإريترية المغيّبة من التمثيل في السلطة بمبرر خلق وطن متجانس، لا مكان فيه لدعوات الأعراق. وعلى ضوئه، راجت في أدبيّات الحزب الحاكم الشعار الذي يقول "إن الحكومة الإريترية تسعى عبر كل الطرق لمواجهة مخاطر الإثنية وتعمل بكل الوسائل من أجل القضاء عليها". وتضيف تلك الأدبيات بأن الحكومة "تظهر اهتماما بالغا بمسألة تكوين أمة متجانسة تحتضن كل من يعتنق الهوية الإريترية".

 

والسؤال هنا، هل حرصت الحكومة الإريترية بالفعل على مسألة تكوين أمّة متجانسة؟ وهل تمكنت بعد مضي سبع وعشرين سنة على الاستقلال في تحقيق دولة متجانسة تكفل حقوقا وفرصا متساوية لجميع مواطنيها؟

 

وكما ذكرت في مقالي السابق، فالحكومة الإريترية رغم ثرثرتها الكثيرة حول مسألة التجانس الوطني وسعيها عبر كل وسائل التعبئة لتدجين المجتمع بفكرة التجانس، لم تخفق في تكوين مجتمع متجانس فحسب، بل كرّست لهيمنة عرقية التجرينية -التي ينحدر منها الرئيس– على كل مفاصل الدولة خصوصا على مستوى إدارات الدولة العليا ومراكز صنع القرار المهمّة في مؤسسات الجيش والأمن والإدارات العليا الأخرى المماثلة. ضمن ذلك، ذكرت النتائج التي توصل إليها الباحث الإريتري المرموق أحمد راجي في سياق دراسته الموسومة بـ "قوس قزح التنوع المفقود في إريتريا"[10]، التي أشار فيها إلى أن "واقع التنوع الاجتماعي والثقافي في إريتريا، من المنظورين اللغوي ـ الإثني أو الديني ـ الإقليمي، كان في وضع أفضل نسبيا في فترات الإدارات الاستعمارية المتعاقبة في إريتريا من حيث التمثيل في القطاع العام، مقارنة بما هو عليه الآن في ظل الحكومة الإريترية الراهنة". وبحسب دراسة راجي، فإن السبب وراء هذا التراجع يكمن في "سياسات الحكومة الراهنة، التي لم تبقِ الفوارق التاريخية غير متكافئة فحسب، وإنما جعلت تلك الفوارق أكثر حدة".

 

تجدر الإشارة هنا، إلى أن الباحث أحمد راجي توصل إلى الخلاصة السابقة عبر دراسة معمّقة اعتمدت على احصائيات دقيقة متاحة في سجلات الحكومات المتعاقبة على إدارة إريتريا. ونظرا لدقة بحث أحمد راجي وأهميته الفائقة بالنسبة لموضوع مشاركة كل مكونات الشعب الإريتري بصورة متوازنة في حكم البلاد، سأتبنى دراسة حالة واحدة من بين الحالات الكثيرة التي عالجها بحثه المرموق. وسيقتصر ذلك على تناول التركيبة العرقية لكبار المسؤولين في إقليم "بركة والقاش سيتيت، في سنة 1965، أي فترة استعمار إريتريا من قبل نظام هيلي سيلاسي الإثيوبي، ومقارنتها بالتركيبة العرقية لكبار المسؤولين في سنة 2009، أي في ظل الحكومة الإريترية الراهنة.

 

إضافة إلى ذلك، سأجري مقارنة أولية أراجع من خلالها تجارب التعليم الأهلي بين فترة الاستعمار وبين الحكومة الراهنة لنرى منجزات الحكومة الإريترية في مجالات الاجتماع والسياسة والاقتصاد، المقترنة بمسيرة بناء الدولة الوطنية.


سيلاحظ القارئ الفارق الكبير بين تمثيل المسلمين في فترة الاستعمار الإثيوبي في إدارة الإقليم، وبين وضعه في ظل الحكومة الراهنة. هذا رغم أن فترة نظام هيلي سيلاسي في 1965، كانت تعتبر فترة تراجع في المكتسبات التي حققها المسلمون في فترة الإدارة البريطانية 1941-1951.

 

تجارب التعليم الأهلي بين فترة الاستعمار وبين الحكومة الراهنة:

لعل القارئ يتذكر تفاصيل أول مظاهرة شعبية شهدتها أسمرا في نهاية أكتوبر 2017، التي خرج فيها سكان أسمرا احتجاجا على إغلاق مدرسة الضياء الإسلامية في أسمرة. أهم الأسباب التي أدّت إلى إغلاق المدرسة تمثّل في عدم تدريس اللغة العربية ومنع استخدام المناهج الدينية ومنع الطالبات من ارتداء الحجاب وفرض اختلاط الذكور والإناث من الطلاب في فصول مشتركة. غير أن المدرسة ممثلةً في رئيس مجلس إدارتها الشيخ موسى محمد نور، رفضت قبول تلك الشروط، باعتبارها مدرسة أهلية خاصة تمارس حقها في خدمة المجتمع بما لا يتعارض مع النظم والمعايير التعليمية المتبعة دوليا.

 

في 31 أكتوبر/تشرين الأول، 2017، خرج الطلاب والأهالي في مظاهرة احتجاجية يعبرون فيها عن تضامنهم مع إدارة المدرسة، يرفضون كذلك شروط الحكومة المجحفة بحق المدرسة. فما كان من الحكومة إلا أن تواجه هذا الاحتجاج الحقوقي برصاص حي، واعتقال جميع الكادر الإداري في مدرسة الضياء الإسلامية بما فيهم رئيس مجلس الإدارة التسعيني، الشيخ موسى محمد نور. الجدير بالذكر، أن مدرسة الضياء الإسلامية تعتبر من بين المدراس الأهلية القليلة التي تبقت تدرس باللغة العربية، وبذلك تريد الحكومة الإريترية أن تقضي على أي تجربة تعليم أهلي تستخدم فيها العربية كلغة تدريس. والسؤال هنا، كيف كان وضع التعليم بالعربية في ظل الحكومات الاستعمارية السابقة؟

 

لا ينسى فينوسا أن يذكر دور "تجار الجبرتا" في أسمرة، ومساهمتهم الفعّالة في "دعم وإنشاء المساجد الدينية في أسمرة وفي عموم إقليم حماسين"

يذكر جوزيف فينوسا مؤلف كتاب "مسارات تشكيل الأمة: الإسلام والمجتمع في إريتريا"[11]، الصادر في سنة 2014، من جامعة أوهايو الأمريكية، بأن المسلمين لعبوا دوراً فعّالا في تنمية الوعي الوطني في إريتريا في فترة الأربعينيات من خلال الأنشطة التي كانت تجري في المؤسسات التابعة لهم، كالخلاوي والجمعيات والهيئات الوقفية. ضمن ذلك، يشير فينوسا إلى تصاعد هذه النوع من الأنشطة في الفترة ما بين 1943 إلى 1951، ودشن المسلمون العديد من المؤسسات في أسمرة ومصوع وكرن وأغردات وغيرها من المدن الرئيسية في البلاد[12].

 

بحسب الباحث، فقد كان الحافز وراء هذا التوسع في إنشاء المؤسسات والهيئات والمدراس، اهتمام رجال الأعمال المسلمين بقضية التعليم وتخصيص ميزانية خاصة له في صناديق الوقف. ومن الأمثلة المشهورة الدّالة على هذا التوجُّه، قيام رجل الأعمال البارز، صالح كيكيا، بتأسيس مدرسة حرقيقو في سنة 1943. وقد اعتمد على إنشاء المدرسة، على عوائد الأرباح التي تحصل عليها من استثماراته العقارية في أديس أبابا[13]. ضمت المدرسة ساعة افتتاحها نحو 500 تلميذ من أبناء المنطقة.

 

إلى جانب كيكيا، لا ينسى فينوسا أن يذكر دور "تجار الجبرتا" في أسمرة، ومساهمتهم الفعّالة في "دعم وإنشاء المساجد الدينية في أسمرة وفي عموم إقليم حماسين"[14]. وبصورة خاصة، يشير فينوسا إلى دور العائلات التجارية البارزة في أسمرا في مجال التعليم، عبر تأسيس الخلاوي والمدارس والأنشطة المصاحبة لها مثل تعليم العربية. وكانت أسرة قسم الله في مقدمة العائلات التي ساهمت بشكل فعّال في دعم المجتمع، حيث ساهم أبناؤها الشيخ أدم قسم الله والشيخ قسم الله محمد، من خلال تجارتهما في مجال الأقمشة، في دعم الأنشطة الاجتماعية بما في ذلك دعم المساجد المحلية. لم يقتصر الأمر على الدعم فحسب، بل مَنحت أسرة قسم الله محلات المخازن لشباب المسلمين حتى يستخدمونها كفصول لدراستهم وأنشطتهم.

 

في سياق متصل، يُشير فينوسا إلى أن الإدارة البريطانية في إريتريا (1951-1941)، قامت "بافتتاح نحو 13 مدرسة للمجتمعات المحلية في سنة 1943، ونحو 54 مدرسة أخرى في سنة 1946"[15]. وكتب الباحث تعليقا على هذا الأمر في الهامش رقم 91 للفصل الأول من الكتاب، بأن الإدارة خصصت نحو 22 مدرسة للتدريس باللغة العربية فيما خصصت نحو 31 مدرسة للتدريس بالتجرينية"، من إجمالي المدارس المذكورة أنفا. فضلا عما سبق، أضيف ما كتبه كينيدي ترفاسكيس، السكرتير السياسي للإدارة البريطانية في إريتريا، بأن "إجمالي المدارس التي تم تأسيسها بحلول سنة 1947، وصلت إلى نحو 59 مدرسة، توظف فيها نحو 156 معلما من أصل إريتري. وكان التركيز في تلك المدارس يقوم على توحيد لغة التعليم فيها باستخدام اللغتين العربية والتجرينية بوصفهما لغات التعليم الرسمية"[16].

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر:

[1]ـ يراجع خطاب الرئيس الإريتري.

[2]ـ نفس المرجع السابق، ويمكن مراجعة صفحة الكاتب على الفيسبوك للاطلاع على ترجمة الخطاب إلى العربية.

[3]ـ نفس المرجع السابق.

[4]ـ المرجع السابق.

[5]ـ راجع مقال سابق للكاتب على مدونات الجزيرة.

[6]ـ أدلت السيدة برونوين بورتون بشهادة تدافع فيها عن النظام الإريتري أمام لجنة مجلس النواب الأمريكي المعني بالشؤون الخارجية في واشنطن في سبتمبر/أيلول 14، 2016. وقد جاءت مرافعتها بعنوان: "إريتريا.. الخطر الإقليمي المنسي"، والمرافعة متوفرة على الرابط.

[7]ـ راجع المقال المنشور على موقع إذاعة صوت أمريكا على الرابط.

[8]ـ نفس المرجع السابق.

[9]ـ نفس المرجع السابق.

[10]- نشر الأستاذ أحمد راجي سلسلة مقالاته بموقع عواتي في سنة 2009، ولكنها للأسف غير متاحة الآن بسبب خلل فني في أرشيف الموقع. ولكن عثرت على نسخة من المقالات على مدونة الدكتور محمد خير عمر، وبالتالي يمكن الاطلاع على جزء من تلك السلسلة عبر الرابط.

[11]- يراجع كتاب جوزيف فينوس "مسارات تشكيل الأمة: الإسلام والمجتمع في إريتريا". والكتاب في الأصل رسالة جامعيّة نال من خلالها المؤلّف درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة أوهايو بالولايات المتحدة الأمريكية.

 Joseph L. Venosa. Paths towards the Nation: Islam, Community, and Early Nationalist Mobilization in Eritrea, 1941-1961. Athens: Ohio University Press, 2014.

[12]- بتصرف من المرجع السابق ص42.

[13] - بتصرف المرجع السابق، نفس الصفحة.

[14] - المرجع السابق، ص43.

[15] - المرجع السابق ص44.

[16] - المرجع السابق ص44.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة