حسام الحاتمي
حسام الحاتمي
277

ما لم تصنعه مواقع التواصل!

14/7/2018

كتب الكثير عن وسائل التواصل الاجتماعي، ولكن خلال ممارستي لها لسبع سنوات، أدركت أشياءً لم يكتب عنها، ولم يُنتبه لها، هي في غاية الجمال إن حدثت، وهي في غاية الخطورة إن أُهملت أو تُركت كما هي، سأكتب عن تلك الوسائل، ولكن من زاوية أخرى ومختلفة تماماً، قل من يكتب عن خطورتها، بل لدرجة أنني لم أقرأ بعد "بوستاً" يدعوا لذلك أو يحاول لفت انتباهنا. هل فقد الكُتاب ميزتهم التي خصهم الله بها، إدراك المخاطر والتنقيب في معتركات الأشياء وغموضها، وصاروا يكتبون عمَّ يستدل أمام العيون.

ألم يدرك هؤلاء، أي الكتاب، أولاً والعالم العربي بمختلف مكوناته؛ أننا كُنّا كعرب قبل وسائل التواصل الاجتماعي، أكثر تقارباً وتعاوناً وتشاركاً، في سرّائنا وضّرائنا، واليوم أكثر تباعداً وفرقةً، وعداءً وخيفة وتوجس من بعضنا. كنا بدونها أكثر عُروبيون أكثر أخوة أكثر حب أكثر شعور صداق، أكثر تصافح وسلام.. لا علاقة لها بذلك، ولكن لم تقدر على صنعه! حدث ما حدث من متغيرات أيدلوجية وجغرافية وتاريخية، حتى تولدت هذه الفجوة (الفرقة). جاءت بعدها لعالمنا شبكة العنكبوت الافتراضية، وانصهر الشباب العرب فيها، والتقى العرب من جديد عبر هذا العالم.. وما التقوا؟ بل إنهم يلتقون للحظات لساعات ويفترقون لأعوامٍ قادمة.. فما لم تصنعه تلك الوسائل حتى اليوم: سد تلك الفجوة أو التخفيف من مرارتها.

فهي لم تصنع الحب، لم تخلق الشعور العربي والعروبي والقومي، لم تعيد أخوة العرب، لم تصنع ذات يوم فكرة صارت واقع على الأرض، لدرجة أنها لم تخلق توجه عام لدى مستخدميها نحو تلك المعاني العربية السامية، فهذا مالم تصنعه، برغم صعود الشباب العربي إلى المشهد والتأثير في واقعه ومتغيراته، لكنه ذهب بعيداً عن تلك المعاني وانشغل كلٍ بذاته، وكان لمن المفترض أن هؤلاء الشباب هم من سيغيرون المعادلة ويستثمرون هذه الوسائل في إعادة وبلورة المعاني العروبية التي تاهت بل تُتوه بفاعل غربي، وكادت تتلاشى من الوجود.

الشباب له فكر جديد، طموح، تطلع، إرادة، قوة، إصرار. ولكن صدموا بعكس ذلك فتاهوا مع تلك المعاني، واستثمروا وسائل التواصل ليغرقوا في التيهان والغياهب أكثر وأكثر

ليس لدرجة إعادة حلم وحدة العرب الجميل، وإن كان هذا الحلم لا زال ينبض في قلوب الشعوب العربية، إذ هو ممكن إن أراد ساسة العرب، ليس مستحيلاً، ولا زال في الوقتِ متسع؛ ولكن لنصع التحالفات الحقيقية، والائتلافات والملقاءات، التي تسعى للم الشمل، وتبادل المنافع، وتقريب وجهات النظر، بما يصب في صالح البلدان والأمة العربية.

فالشباب له فكر جديد، طموح، تطلع، إرادة، قوة، إصرار. ولكن حدث العكس فتاهوا مع تلك المعاني، واستثمروا وسائل التواصل لتغرق في التيهان والغياهب أكثر وأكثر.. وها أنا أشاهدها اليوم والمدركون مثلي "تغرق" ولم يبقى منها سوى أطراف أصابها، تحركها علّ إنسانٍ غيور يهب لنجدتها. فهلاّ نهبُ يا شباب؟!

يعمل الشباب العربي، منذُ سنين بشكل مستمر على تلك المنصات كلِّ بمعزل عن الأخر، كلِّ له مشروعه وهدفه، متناسين فكرة، الوحدة العربية، والقومية العربية، أخوة العرب، أخوة الدين، التي لطالما اجتمعنا في ظلها طويلاً.. كنّا أخوة أقوياء نتبادل المعارف والخبرات، ونتشارك الهموم والأحزان، ونبني حضاراتنا معنا.


صنعت تلك الوسائل كل ما لم نكن نتخيله، وأفاضت علينا بالعلوم والمعرفة، وقربت لنا كل شيء، وربطتنا مع العالم الذي كنا بعيدين عنه لزمن طويل، فعلت لنا الكثير من الأشياء، التي كنا نجهلها، ولها فضل كبير في تثقُفنا وتطورنا وتحضرنا، ونحن هنا لم نقصد الحديث عن مزاياها الكثيرة وأثرها على مستخدميها فذاك موضوعٌ أخر وله قصته؛ ولكن ما نريد قوله: أنها لم تقدر على إعادة ربط الشعور العربي بين العرب، سوى شعور يسكن في القلوب ليس له القدرة على محاكاة أو ملامسة الشعور الذي يماثله في الجهة الآخرى. شعور ساكن لا يتحرك من مكانة. وما قيمة هذا الشعور؟!

لا أدري من أين تولدت عدم الثقة بين العرب، وهي التي كانت من شيمهم وأخلاقهم، وخصوصاً بين مستخدمي منصات التواصل، فلم يحدث أن أصبح رجلان عربيان صديقان حقيقيان، بعد تعارفهما على إحدى منصات التواصل الاجتماعي، إلا نادراً جداً جداً جداً.. لم يصنعا مثلاً، شكلا لشيء ملموساً، أو مشروعاً ما، تبادلا المعرفة والأشياء الفعلية، نفذا خطة تحمل هدف سامياً، يخدمهما وبلدهما.

لم يحدث أن تبادلت منافع حقيقية أو هدايا ملموسة، أو حب أخوي صادق، لم يفكر بعضٌ من الناس بالزحف الحقيقي نحو تلك الأشياء.. بل تحاول أن تذهب من دافع الشعور العربي، لبناء علاقات وصداقات شخصية، مع أشخاص من دول عربية أخرى، مستخدماً إحدى المنصات، فتشرع في صناعة تلك الصداقة العربية، بحوار معرفي على الدردشات الخاصة، بعضهم يرحب بك ويخفي توجسه منك، ويحاول أن لا يكون صديقاً فعلياً لك، وأخرون يتوجسون منك منذُ كتابة له: السلام عليكم، فيهملك. أشعر بالصدمة من تفشي هذه الثقافة الخطرة التي تنتشر كالسرطان بشكل متسارع ومتنامي ومستمر.

انخرط الشارع العربي ولايزال في العالم الافتراضي (النت)، قلنا علّ هذا الانخراط يعود بالنفع لنا، باستخدامنا الأمثل له؛ ولكن تاه الكثير في أزقته وأروقته

مواقع التواصل

ثمة عوامل عديدة، تاريخية وأيدلوجية، وثقافية...الخ، حدثت في المنطقة العربية بتأثيرات توجه العالم نحو تلك المتغيرات، فانصهر العالم العربي فيها، بشكل جرد أبناءه من قيم العروبة، وروح الدين الذي يدعوا للوحدة والتكافل، إذ تعتبر من أسمى قيمهم التي ظلوا ينشدونها حتى أزمنة ليست ببعيدة، ومن تلك العوامل التي غيرت كل شيء عربي كان يجعل منهم قوة تهابها الأعداء حتى أماتت شعوره وثقته: التشتت إلى دويلات، الحواز الحدودية، انشغال كل دولة ببناء ذاتها، الإعجاب الشديد بمبادئ العالم الجديد (الغربي) وقوانينه وأنظمته، الحروب، انتشار الإرهاب، والتخوف الأمني القومي، كل هذه العوامل والكثير غيرها أدت إلى تشتت العرب، ثم إلى التجرد من قيمه الأصيلة، ثم إلى الكفر بالوحدة العربية، أو التكتل العربي.. ثم "اليوم" إلى توظيف المخابرات حول من يفكر بذلك.

بعد تشتت العرب، وانشغال كل بنفسه، لفترة من الزمن، عادوا، إلى فكرة التحالفات والتكتلات (الفترة القومية)، استمروا بذلك إلى إنشاء الجامعة العربية وبعدها بزمن تحولت تلك الأشياء لمجرد أشكال وديكورات لا تصنع للأمة شيئاً، بدأت تتلاشى شيئاً فشيئاً، حتى ماتت روح العروبة من قلوب الساسة الحاكمون والشعوب، وإن كان شيئاً مما يحدثه الساسة العرب اليوم فهو ليس من روحي عروبي بل قائم على المصالح.

انخرط الشارع العربي ولايزال في العالم الافتراضي (النت)، قلنا علّ هذا الانخراط يعود بالنفع لنا، باستخدامنا الأمثل له؛ ولكن تاه الكثير في أزقته وأروقته، وشغلوا أمام جديد الأشياء التي يتعرفون عليها كل يوم. وغابت من أدمغتهم فكرة الاستخدام الأمثل. فهكذا يريدُ صنّاعها. للأسف! لا يزال الكثير والكثير في انصهار مستمر بصورة العالم الجديد، تاركاً خلفه مبادئه وقيمه الإسلامية والعربية والقومية، فلذا لا نجد توجه منهم كشباب عربي، نحو، أي مفهوم يشير إلى تكتل عربي حقيقي، أو حلف شبابي، يتبادل المنافع والخبرات. برغم أن ذلك يتم بطرق قانونية وشرعية سليمة.

التكتلات والائتلافات والتحالفات الشبابية التي يشرعها شباب عرب، ذلك الفعل هو الفعل الذي نحتاجه اليوم وبإلحاح شديد

لقد تراكم هذا السخط بداخلي، منذُ استخدامي منصات التواصل الاجتماعي، من خلال متابعتي للتوجه الشباب العربي العام، وبعدما استفاضت روحي قررت أن أكتب عنه وأنا بصدد تكوين الفكرة لمحت بارقة أمل شعت فأنارت داخلي، هي الغاية المرجوة من كتابتي لهذه المقالة، وهي الفكرة العربية التي أبحث عنها بشغف، تلك هي تشكيل (ائتلاف الشباب العربي) هذا ما أريده وأنشده، وأتمنى عودته لساحتنا العربية، التي تبددت منها هذه الأفكار. عاد لي الأمل، حين وجدت شباب عرب يحملون فكرت أصالتهم وعروبتهم.


تقول أهداف الإئتلاف: إننا نسعى لتحقيق طموحاتك المتراكمة بداخلة، التي لم تجد من يشعل مصباحاً في طريقها لتمضي.. سنشعله. ففي طريقنا قنديلاً كالقمر، لمن يشعر أنه يعيش الجهل والفرقة العربية زمنٍ قاتم الظلمة، فإن طريقنا مشعلة بالنور.. أتمنى أن يكون كذلك، وعلِّ أجد ضالتي هنا.

ولكن ليست هذه البارقة وحدها قادرة على حل المشكلة الجمة، التي نعيشها، إدراك الناس لها، وإثارتها ومحاولة الحفر في أرضيتها، والشغل والترويج لهذا المشروع العظيم مشروع كل إنسان عربي، بهذا وأكثر مما لا لم أذكره هنا قد يراه غيري، سنغرس بذرته وسنضع حجرة أساسه، وسيرا الآخرون بذرتنا تنمو وبنائنا يعلو، حتماً ستنالهم إعجابها لأن داخلهم يميل بجموح لذلك، وسيلتفون حولها، وهكذا يصعد الناس من الحضيض إلى ما فوق النجوم.

تلك التكتلات والائتلافات والتحالفات الشبابية التي يشرعها شباب عرب، ذلك الفعل هو الفعل الذي نحتاجه اليوم وبإلحاح شديد، فحالنا اليوم في قمة بأسه وشقاءه وانحرافه عن القيم العربية الأصيلة، لَتحركٌ قليل وصادق من هذه الجهات قادر على صنع الكثير من الحياة، ولنشاطها واستمرارها ودعمها وإصرارها، لقادر على إعادة الروح العربية ومفاهيمها الأصيلة المفقودة منذُ زمن، فبهمة الشباب وعزيمتهم تبنى الحضارات والأمم.

#يتصدر_الآن

تحت عيون الغرب.. هل هناك علاقة بين الدراسات النسوية والخطاب الاستعماري؟

تحليل التفسير الخطابي الذي تصوره النسوية الغربية عن نساء العالم الثالث يمكن اعتباره خطوة أولى نحو مشروع آن أوانه، وهو صياغة استراتيجيات نسوية مستقلة من الناحية الجغرافية والثقافية والتاريخية.

1.7 k
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة