مروى عبد الرزاق
مروى عبد الرزاق
372

أعتذرُ من العشرين.. فقد اكتشفت أني أحتاج اللعب

25/7/2018

كُل ما كان في الأمْس، وبِما أنَّ الأمس لا يعُود فهو زَائلٌ زوَال الزّمن نتذكّره ولكن لا يعودُ أدراجهُ. لكنّ ضجيجَ اللجّة يُخيف أرواحنا الطفولية لوْلا تَمسكِنا بالعُروة الوثقَى. لقد جَعل منَّا الارتباك الطفولي تُرابا متناثرًا هُنا وهُناك، رغم زمجرة كلماتنا التي تُخفي أصل ما نُريد أن نقوله بصدقٍ. رغبتُنا في الانبعَاث وهجران تلك الطفولة المبكرة نحو المسؤولية التي فرضت علينا كانت بمثابة النار المقدسة لا تقبل الانطفاء.

 
إنّ الجالسين في الغُرف المظلمة هم من يشعرون بأن هناك من يلاحقهم دوما، ليس هروبًا أو عُزلة كما يتصوّره من هم في أعمارنا، لكن الأشياء التي تحيط بنا ونحن داخل تلك الغرفة جعلنا نفهم جيدا معنى أن يعيش الطفل طفولته وفق ما تمليه عليه ظروفَ قاهرة معيّنة. ذاك الطفل الذي تخطى مرحلة اللّعب. ندخل في دوامة السكوت سكوتٌ يعج بالكلمات والأسئلة التي لا تنتهي. كلما أردنا أن نأخذ هدنة عقلية مع بحثنا عن طريق للنجاة من كومة الخراب التي دخلنا فيها طوعًا ازدادت الأسئلة توحشًا. 

 

مع الطفولة تفهم أنّك في حاجة ماسة إلى اللّعب، كما أنّك تحتاج إلى أن تعيش التفاصيل الدقيقة من تلك المرحلة العُمرية التي تنتهي مع دخولك العشرين. تُصبح أفكارك كلّها تصبُ في منحى واحد "العمق". تتبدّلُ أمامكَ النظريات، لتستبدلها بقواعد أنت من ترسمها، حتى السّعادة تُصبح طلب "نسبي". إذ بالغريزة المعرفية التي فيك تزدادُ جوعا داخل زوبعة عقلك، فكلّما دخلت عالم البحث كان العقل مُحبًا أكثر فأكثر للمعرفة ومع تجارب الحياة وما تُريده أنت يكون يومك مثالي ودائم التغيّر وسريع تتمنى للحظة أن ينتهي بكَ الزّمن في مكانٍ اكتشفته وأنت تحوم باسطا يديك وسط حضارة ما في هذه الدنيا العجيبة أسرارها والجميلة أسوارها، مُحدقًا داخل عمقك عن خيالٍ يزحفُ بك زحفًا نحو معالمها. إحساسك بعقارب الساعة لن تتأثّر به، تلازمُك الكتب وقلم وورقة كأنها علاقة حب أبدية خالدة وترى في جلوسك مع الكتاب راحة نفسية وخلاصٌ من ذاك الضجر.

  

لطالما كانت الحياة تُصارع قواك اللّينة بضعفٍ خشن يؤلمنا، فواجهتها بابتسامة قوية جدا. ولطالما كان هروبنا إلى الله تعالى أعظم الأشياء راحة تعطيني القوة اللازمة لمواجهة ارتباكاتنا

يبدأ بحثُك عن الذات أمرٌ ضروري لا مفر منه ومع التفتيش عنك تمر بامتحان الحياة، منها التي تُخفق فيها وتتعثّر لتسقط طريح الأرض ولكن "شرف التجربة في المحاولة" ثم تعيد صقل نفسك لتعبر من جديد بشكل جزئي يفصلُك عن معرفتك الأولى بقدرتك التي تكتشفُها مع كل امتحان قادم، فتتخطى سلم النّجاة بدون صكوك توبة تقدّمها للحياة من أجل أن تغفر لكَ زلاتٍ مصيرية كنت قد غفلت عنها.
   

سيأتي ذاكَ اليوم الذي تحتفلُ بعيدك "العشرين"، تبقى في غرفتك وتفتحُ نوافذها التي أغلقتها، سيدخل لها نورٌ ربّاني عظيمٌ جدا ترى به جمال الكون "لقد خلق الله كل شيء جميل" في الدنيا. سترى الكتب التي ساندت وحدتك وأسماء بعض الشخوص التي مسكت يديك لكي لا تسقُط. ترى أيضًا كتابًا أعطاك الحكمة وفتح لك بصيرتكَ ونور لك روحك إنه "القرآن". الأشياء نفسُها العتيقة التي زخرفت لك المكتبة وفراشكَ الذي حمل جسدك المُنهك يوما وأنت تتألم حتى الوسادة التي حملت معك دموعك ستراها بشكل خاص ورمزي.

  
تنظرُ إلى المرآة، لقد كبرت أيها الجسد. ترى جلادك لأول مرة، أنت جلادُ نفسك يومًا ما. في لحظة سكينة تتذكّر ما قالهُ عنكَ نجيب محفوظ "نحن أبناء الكآبة والكآبة ظلٌ إله لا يسكُن في جوار القلوب الشريرة". نحن ذوو النفوس الحزينة والحزن كبيرٌ لا تسعه النفوس الصغيرة. كأنّك كنت في منفى سجن الباستيل وكنت المساهم في هدمه، ذاك السجن الرمزي الذي انطلقت منه شرارة الحرية، لكن الباستيل لفظة ترددها الأمم فتُباركنا وتلعنكم. تباركنا لأن الإنسان خُلق من رحم امرأة حرة ثم تلعننا حين نخضع للعبودية. في وحدتك الطويلة وعند بلوغك سن العشرين تُعانق روحك الخيالية قصور نينوى ومع تلك الراحة التي تعانقك من الداخل تغمرك قصائد دانتي وسط حدائق بابل تحس أنك تتمعن تمثال عشتروت الذي أقيم لأفروديت لتتكلم أحاسيسك بصمتٍ فرح حزين.

   

 

لطالما كانت الحياة تُصارع قواك اللّينة بضعفٍ خشن يؤلمنا، فواجهتها بابتسامة قوية جدا. ولطالما كان هروبنا إلى الله تعالى أعظم الأشياء راحة تعطيني القوة اللازمة لمواجهة ارتباكاتنا. فالسكينة في العشرين غريبة وما أغربنا نحن فيها. سينتابك شعور من نوع لا تدركه ما هو؟ وإن أدركته ستجيب عن تلك الأسئلة المتشعبة والمتكررة التي اكتض بها دماغُك لكنك تأبى أن تعترف أنك لست نادم على لحظات كنت تتمنى لو تعود لتعيش فيها ما لم تقدر عليه.

  
أعتذر من العشرين وما قبل العشرين بسنين كنت قد ضحكت ذاك الضحك الذي يؤلم البطن. أعتذر للعشرين وما قبلها لأني لم أعش وفق ما أحبته لي السنين أن أعيشها بلعبها وطفولتها المجنونة، فعشتها بصمتها المفزع الذي نزع إنيتي مني. أعتذر لأنني أخذت الكتاب بدل الدمية ولأني لم أتمتع باللون الزهري وكانت علاقاتي محدودة حسب ما يشبهني من الداخل، ولأنني دخلت عالمي الخاص ولأن الحياة أكبر من قراراتنا لولا أن الله جعل اللعب بالنسبة لي مرحلة أستطيع الخوض فيها في كل وقت. وإن السنين التي مرت كانت فيها حكمة أشكر الله عليها. فكلما أراد المرء أن يعزي نفسه بنفسه، عن تلك التفاصيل المروعة والصغيرة جدا فتجاوزها، انكشف أمامنا الكثير من الوقت الذي ترك لنا بين الثانية والثانية ذكرى أنضجتنا من الداخل. فمنذُ بدأ التكوين الفكري المعرفي وأنا أُقيم نفسي داخل الذهن، وأجعل معرفتي أفكرا تتحرّك في المطلق. ترتدي أثوابا من الرموز. إن الصدمة المعرفية بهذا الكون ليست في الحداثة أو في المُحادثة بقدر ماهي في "الفكرة". لذلك كانت مشكلتي مع العشرين حين أرادت تشكيلي قبل وبعد أردت تشكيلها أنا بنفسي لكي لا تخرج مني بتلك السهولة. 

  
في الطفولة وعند النضوج وفق ما الاغتراب الذهني كان المنفى شيء جميل وله طابع خاص، حتى لغة الجدار الذي جمع كل أحاسيسي صقلني من الباطن، ومشكلتي أني صنفت اللعب عدو مغترب عن الواقع، فككت الطاقة الإنتاجية التي كنت سأكون عليها ووضعت في داخلي "الإنسان".

  
ما أغرب الإنسان الذي نُريد إنتاجه وما أصعب فترة العشرين، ذاك الركام الذي كان كالجبال فوق طاقتي، انتهيت منه وعند تجاوزي العشرين برقم واحد فقط اكتشفت في لحظة مرح أني أحتاج إلى اللّعب جدا ومع ذاك الاكتشاف أدركت معه حتما أن أيام اللعب إذا هربت منا لن تعود. إذ بي أفتح يدي أطلق العنان في رحاب الله الواسعة وأقول صدقا ليتها تعود.. ليتها تعود لعبُ الصبى قبل العشرين بدقيقة واحدة فقط. لكن النسيم العليل أيقض منامتي وأدركت الواقع ومعه أيضا فهمت أن النسيم الطفولي لم يعد كما هو. 

  
على المرء أن يتمسك بفترة الطفولة ويعيشها دون فلسفة ونعلم أن الفلسفة أم العلوم وأم ذاتك ولكن ليست أم الطفولة وأعتذر من العشرين.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة