د. فوزي ابوخليل
د. فوزي ابوخليل
1.9 k

الثورات العربية.. هل كانت بداية تغيير ونجاح؟

29/7/2018

لقد اندلعت الثورات العربية في أواخر عام 2010 جراء إحراق محمد بوعزيزي نفسه، مما أدى ذلك إلى الإطاحة بالرئيس التونسي السابق زين العابدين. واستمرت هذه الثورات وانتقلت من دولة الى أخرى، فتساقط حكام هذه الدول وانظمتها كما تتساقط أحجار الدومينو. وكأنهم كانوا مهددين بالتساقط ولكن كانوا بانتظار سقوط أول حجر؛ فكانت الشرارة في زين العابدين. لتنتقل بعد ذلك هذه الشرارة إلى أرض الكنانة في 25 يناير 2011، حيث أدت الى سقوط نظام حسني مبارك، ثم تليها ثورة 17 فبراير 2011 في ليبيا حيث أدت إلى مقتل القذافي. ومن ثم الثورة اليمنية التي أجبرت علي عبدالله صالح على التنحي واودت بمقتله فيما بعد، وكذلك ثورة الشام منذ عام 2011.

لقد أدت هذه الاحتجاجات والثورات الى انتشار الفكر الثوري الشعبي في بقية الدول العربية؛ كفكر تحمله شعوب وليس أشخاص حيث عمت الاحتجاجات المطالبة بالإصلاح وتغيير حكومات بقية الدول العربية من الأردن، البحرين، المغرب، الجزائر، العراق، وغيرها. لقد كان شعار هذه الثورات موحد، ألا وهو "الشعب يريد إسقاط النظام"، وإن دل ذلك على شيء؛ إنما يكون هذا السبب الرئيسي لإثارة هذه الثورات؛ حيث عانت شعوبنا قروناً عديدة من بطش وفتك هذه الأنظمة، فالمشاكل الاقتصادية حدث ولا حرج والمشاكل السياسية والاجتماعية وتطبيق أنظمة وضعية، وغيرها مما أدى ذلك الى هذا الحراك الشعبي وتعطش الشعوب لإسقاط هذه الأنظمة الذي تراكم عبر سنوات عديدة.

 

نتائج هذه الثورات

هناك عدة نقاط يجدر ذكرها عند الحديث عن هذه الثورات ونتائجها على مجتمعاتنا، ألا وهي:

1-    انكسار حاجز دام سنوات طويلة ما بين الحكام وشعوبهم:

خلال الربيع العربي، نجحت الشعوب في جعل الحكام عبرة لغيرهم من الحكام، فكان من السهل تدحرج هذه الأنظمة بعد إسقاط أول نظام وفرار زين العابدين من تونس

لقد حكمت هذه الأنظمة الدكتاتورية التي أقيمت في مجتمعاتنا بعد قرار تقسيم سايكس بيكو سنوات عديدة، وأعلنوا استقلالاً شكلياً وإسمياً في هذه الدول، ولكن الهيمنة والتبعية السياسية للدول الاستعمارية بقيت مستمرة. فحكم هؤلاء الحكام سنوات عديدة جبراً ورغماً عن شعوبهم، فبطشوا وفتكوا بشعوبهم، فكانت الطريقة الوحيدة لتثبيت حكمهم على شعوبهم هو زرع الخوف في قلوبهم، فاستخدموا طرقاً عديدة لذلك منها أجهزة مخابرات وأمن الدولة، ليس للتجسس على عدو بل على أبناء شعوبهم. فملأوا سجونهم بالكثير من أفراد مجتمعاتهم مما أدى إلى خوف الشعوب حتى من الكلام عن واقعهم ومعاناتهم، خوفاً من العقوبة التي قد تلم بهم. فبذلك نجحت هذه الأنظمة في خلق حاجز الخوف بينهم وبين شعوبهم إلى أن أوصلوا الشعوب إلى درجه فقدهم الثقة واستحالة تغيير واقعهم. ولكن الظلم مرتعه وخيم، حيث أن هذا الحاجز الذي استغرق بناؤه سنواتً عديدة، تم كسره وتحطيمه في فترة وجيزة. لقد أدى ذلك الى نقلة نوعية في التاريخ، لينقل الشعب من مرحلة الخوف إلى عدمه، وهذه نقطة خطيرة في طريق التغيير لنهضة أي شعب، ألا وهي انكسار حاجز الخوف.

 

2-    تغيير وعكس الصورة في الواقع:

كما ذكرت في الفقرات السابقة؛ لقد كانت الثورات كفيلة لكسر حاجز الخوف الذي بنته هذه الأنظمة، وذلك بإتباع سياسة الترهيب بسجن من يعارض أنظمتهم، فامتلأت سجونهم بمعظم من يحمل أي اتجاه مطالب بالتغيير. أما بعد هذا الربيع العربي، لقد أصبح الشعب فاعلاً والحكام مفعولاً به، حيث كان المعهود سابقاً من جبروت هذه الأنظمة أن تُجعل الشعوب عبرة لغيرها من الشعوب. أما خلال الربيع العربي، لقد نجحت الشعوب في جعل الحكام عبرة لغيرهم من الحكام، فكان من السهل تدحرج هذه الأنظمة بعد إسقاط أول نظام وفرار زين العابدين من تونس. وبناء على ذلك، تم نقل الخوف الذي زرعه الحكام في قلوب شعوبهم إلى قلوب الحكام، حيث أصبح الشغل الشاغل لهؤلاء الحكام وتفكيرهم هو: ما هو المصير؟ أيكون كمصير زين العابدين؟ أم حسني؟ أم القذافي؟ أم علي عبد الله صالح؟


3- ثقافة جديدة في مجتمعاتنا

إن عملية التغيير في المجتمعات ليست بالأمر الهين ولا تتم في يوم وليلة، وأن إدخال أي مفهوم أو ثقافة جديدة داخل أي مجتمع هو ليس بالأمر السهل كذلك. إن هذه الثورات هي حركة ديناميكية في مجتمعاتنا أوجدت أثراً كبيراً في الناحية السياسية والاجتماعية على الأخص، فكان من نتاج هذه الثورات هو تبلور مفهوم جديد وثقافة جديده في مجتمعاتنا، ألا وهو مفهوم إعادة الثقة بنفوس الشعوب ومقدرتهم على التغيير. إنه لعامل مهم في تاريخ الثورات وتاريخ أي شعب يطالب وينادي بتغيير الواقع، وخاصةً عندما يصبح التغيير مطلبا شعبيا وجماهيريا، فيكون مصدر قوة وطاقة تأكل الأخضر واليابس، عندما تحمله الشعوب. حيث كانت هذه الطاقة كفيلة بقلب أنظمة وتغيير حكومات بسلاح غير معهود، إنه ليس سلاحاً ماديا، فلم يحمل الشعب سلاحا ولا مدفعية ولا بارودً. لقد كان سلاح الكفاح السياسي والصراع الفكري لتغيير الواقع السياسي.

4- سقوط الأقنعة:

ومن أهم النقاط والأمور التي أنتجها الربيع العربي هو إزالة الأقنعة. لقد أزالت هذه الثورات وبالأحرى ثورة الشام، الغشاوة عن قلوب الشعوب وذلك بإسقاطها أقنعة دامت سنوات عديده؛ سواء كانت هذه الأقنعة على نطاق الأشخاص، الاحزاب أو الحكومات. يقول الله تعالى: "مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ".

كما كانت شرارة بوعزيزي هي شرارة الربيع العربي الذي مازال مستمر، فعسى أن يكون الربيع العربي هو شرارة ثانية لأمور مستقبليه لتغيير الواقع وتكون هذه الثورات هي شرارة التغيير في مجتمعاتنا العربية والإسلامية

وكالة الأنباء الأوروبية

مقياس نجاح الثورات
قد تتفاوت مقاييس النجاح والفشل من شخص لآخر، فكل قد يكون له مقاييسه. ولكن في سياق حديثنا عن ثورات الربيع العربي؛ هذه الثورات العفوية البسيطة الشعبية، التي افتقدت أي برنامج سياسي، حيث كان شعارها (الشعب يريد إسقاط النظام). فتبعاً لذلك فليكن المقياس تبعاً لتحقيق المطلب، فالمقياس من هذا المنظور يكون تبعا لما هو آتٍ: هل حقق الشعب مطلبه؟ هل أسقطت الشعوب أنظمة؟


1. لقد نجحت الشعوب في هذه الثورات بتحقيق هذا المطلب فأسقطت حكاماً وأنظمة؛ فهرب من هرب من الحكام وسجن من سجن، وقتل من قتل، وتنحى من تنحى. ولكن وللأسف الشديد تُستغل وسائل الإعلام ومن ورائها لإحباط الشعوب من أي عملية تغيير، ببعض الشعارات والأقوال، مثلاً (ما جاء ما بعد الثورة أسوء من اللي قبله) وغيرها.

2. لقد فاق نجاح الثورات مطالبها، حيث كما أسلفت في النقاط السابقة، من إنجازات الربيع العربي كسر حاجز الخوف بين الحكام وشعوبهم واستبدال هذا الخوف بالقوة والعزم. إضافة إلى نقل هذا الحاجز من قلوب الشعوب إلى قلوب الحكام، وولادة ثقافة جديدة في مجتمعاتنا ألا وهي ثقافة قدرة الشعب على التغيير وإعادة الثقة في نفوس الشعوب. بالإضافة إلى سقوط الأقنعة.

3. ومن ذلك نستنتج النجاح الحقيقي الذي قامت به هذه الثورات الشعبية، حيث أن تاريخ أي ثورة غير مربوط بتاريخ انتهاء، قد يكون هناك تاريخ ابتداء للثورة ولكن تاريخ وقف الثورة قد يكون غير محدد، فالثورات كموج البحر؛ فيها مد وفيها جزر.

 
كما يقول المثل (إن رحلة طولها ألف ميل تبدأ بخطوة واحدة). فعملية التغيير ليست بالعملية البسيطة، ولا تتم في يوم وليلة. فقد تحصل هزات وتغيرات كبيرة كمقدمات لتغيير فعلي وحقيقي، فكما كانت شرارة بوعزيزي هي شرارة الربيع العربي الذي مازال مستمر، فعسى أن يكون الربيع العربي هو شرارة ثانية لأمور مستقبليه لتغيير الواقع. فتكون هذه الثورات الشعبية هي الخطوة الأولى من هذه الرحلة الطويلة وتكون هذه الثورات هي شرارة التغيير في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، على أساس رابطة مبدئية وتكون مقدمة لإنهاض مجتمعاتنا بالنهضة الصحيحة والسليمة الخالية من الشوائب، والله أعلم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة