كيف تغير القراءة أسلوب حياتنا؟

5/7/2018

الانسان ثابت قابل للتغير ومتغير قابل للثبات، هو من جهة نظام مغلق يميل إلى التكرار وإلى إعادة إنتاج ذاته، حيث يحاول ويأخذ ويغذي حالته الثابتية وهو ما يعزز قوى مقاومة التغيير، ومن جهة أخرى قد يكون منفتحًا على العالم الخارجي: يغذي ويتغذى منه، وبالتالي ينمو ويتطور ويتغير. 

 

الثبات (أو التغير) لا يحدث من تلقاء نفسه، بل هو مرتبط بطبيعة وظروف الوسط المحيط بالإنسان وواقعه. هذا الوسط غير مستقر أو يتجه نحو التوازن، مما ينعكس سلبًا على مكوناته (من بينها الانسان). فهو إما وسط ساكن يتضمن بعض الحركة وإما مكان متحرك يتضمن بعد السكون. أما الوسط المتوازن فنادر في الواقع. لكنه موجود في الكتب. فالكتب أرض التوازن لأن القراءة هي حركة (في إطار السكون) وسكون (في إطار الحركة) في الان نفسه.

 

القراءة قد تتحول بعد ذلك إلى كتابة والمطالعة قد تصبح صناعة، بعد المرور بسهول وحدائق الآداب الساحرة حيث يتجلى سحر البيان وجمال اللغة والكلمات

الكتاب يأخذ الفرد إلى نفسه ومصنعه ويغوص به في أغوارها وأسرارها ومضامينها ويسمع له بالانفتاح الواعي على نفسيات وسيكولوجيات أخرى (الصديق، المرأة والرجل، الغني والفقير). فالقراءة تراكم المعرفة وتوسع نطاق الوعي والإدراك بشكل منظم وتدريجي لتنقل القارئ بشكل سلس وعفوي ومنظم من عمق إلى عمق (من عمق الفرد إلى عمق الجماعات)، من نفسية إلى نفسيات، ومن علم إلى علوم. علوم تضع تحت مجهر الإدراك والوعي والعقل القوانين التي تحكم هذا السلوك (سلوك المجموعات والجماعات والمجتمعات).

  

وهذا الوعي بدوافع وقوانين السلوك الجماعي بدوره قد ينعكس على تعامل وتفاعل الفرد وعلاقته مع الجماعة أو داخل المجتمع. علاقة يطبعها الوضوح والنظام والتأثير والتحكم بدل الغموض والفوضى والتأثر والخضوع. الكتب قد تعبر أيضا بالقارئ من عمق النفس إلى عمق التفكير (من أعماق إلى الأعماق)، إلى عالم أوسع وأشمل: عالم الفكر حيث تتلاشى الحدود بين التخصصات وتتمازج فيه كل العلوم والفنون وتنصهر داخل إطار مشترك. إنه عبور من نوع آخر: من الجزء إلى الكل ومن الخاص إلى العام.

 

القراءة قد تتحول بعد ذلك إلى كتابة والمطالعة قد تصبح صناعة، بعد المرور بسهول وحدائق الآداب الساحرة حيث يتجلى سحر البيان وجمال اللغة والكلمات وحيث يتربع ويسود أسياد وأساتذة اللغة والفصاحة. القراءة كالترجمة، إنها تفاعل بين مقروء وقارئ، وهي سكون محرك يحرك كل أو أغلب مكونات القارئ ويجعلها تتفاعل مع الحروف والنصوص الساكنة، يمنح القارئ خلالها للمقروء شكل، ومعنى أو أثر وموقع وقيمة.

  

إنها ظاهرة معقدة وعجيبة ومهمة، هذا التعقيد والأهمية تعكسهما كلمة اقرأ والأمر بالقراءة: إنها معجزة، إن معجزة القراءة تتجلى في ذلك المزيج أو المركب العجيب الذي يتشكل بين القارئ والمقروء اثناء القراءة. إنه الخليط اللغز الذي يصعب فهم طبيعته. كأنه مكان غير مألوف، تقف اللغة عاجز وقاصرة أمام قاموسه وقوانينه: إنه مزيج بين أشياء لا تقبل الامتزاج!

 

فعل القراءة يتجاوز حدود الوعي والإدراك، ففي داخل كل إنسان حاجات ترفض الفراغ والفوضى والعشوائية. هذه الحاجات تحرك وتدفع السلوك والعقل إلى ما تحتاج إليه

مواقع التواصل الاجتماعي
 

القراءة خريطة طريق، ترسم حدود بين الخطأ والصواب، بين طريق الحقيقة وطريق الوهم، وبين الشك واليقين. إنها تبني الوعي الذي يصنع المقاومة والقوة، وتختزل المسافة بين الفوضى والنظام (نظام جديد) سواء على المستوى الفردي أو على المستوى الاجتماعي. فتغير الفرد يعني تغيير المجتمع. 

 

إن المعرفة كالغموض سلطة. فالسلطة المرتبطة بالغموض والجهل هي سلطة إخضاع وتأثر لأن الإنسان يخشى من الغموض والخطأ. لكن السلطة المرتبطة بالمعرفة والوضوح هي سلطة تأثير، حيث تجعل الفرد أكثر ثقة وأكثر قرب إلى الحقيقة والصواب وإلى التغيير (مقاومة الثبات والجمود). لكن ثبات أو تقادم المعرفة (شيخوخة المعلومات) والفعل (المتكرر) قد يؤدي إلى شيخوخة الوعي والفكر وبالتالي إلى الثبات والجمود. هذا التقادم (تقادم المعلومات) يتجلى في صور شتى، فتارة في ظهور زيفها أو عدم دقتها، وتارة يتجلى في عدم ملاءمتها للخطط الجديدة، وأحيانا يتحول الاهتمام عنها. وبالتالي فإن القراءة الواسعة، ظبو الاطلاع المتنوع هو الذي يعظم الوعي. 

 

الكتاب هو فعلا نعم الأنيس والصديق. فهو يخفض مشاعر الوحدة ويدعم المشاعر الايجابية السارة ثم يسهم في عمليات التنشئة الاجتماعية

فعل القراءة يتجاوز حدود الوعي والإدراك، ففي داخل كل إنسان حاجات ترفض الفراغ والفوضى والعشوائية. هذه الحاجات تحرك وتدفع السلوك والعقل إلى ما تحتاج إليه. إنها تتحكم في اختياراته (كاختيار الكتب). وأثناء القراءة تعمل هذه الحاجات كجهاز رادار يرصد ويتوقف عند كل كلمة أو فكرة أو وسيلة قابلة لملء أو إشباع حاجة أو تساعد على ذلك، حيث يبتلعها ويخزنها على شكل خبرة أو تنتظم في شكل سلوك أو فعل. 

 
تفاعلات وتغييرات عميقة تتزامن مع فعل وسلوك القراءة. وكأن القراءة بحث: بحث عن الحاجات وعن الاحتياجات وملئها بالجديد والتفاعل والاجتماعية وبالمشاعر التي يحتاجها القارئ.

 

الكتاب هو فعلا نعم الأنيس والصديق. فهو يخفض مشاعر الوحدة ويدعم المشاعر الإيجابية السارة ثم يسهم في عمليات التنشئة الاجتماعية، كاكتساب عدد من المهارات والقدرات والسمات الشخصية المرغوب فيها اجتماعيًا، القراءة كالحب، كما يرى دانيال بناك هي أسلوب حياة، قد تلعب في حياتنا الداخلية دور الأم بتعبير لمحمد الشريف في كتابه.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة