د. نزار نبيل الحرباوي
د. نزار نبيل الحرباوي
1 k

اصنع أزمة لتثبت أنك قادر على الحل!

16/8/2018

تتغلغل الآثار المترتبة على السياسات الدولية عميقاً في مجتمعاتنا العربية، وترخي بظلالها على الواقع العام، فيتأثر الاقتصاد، وتسري الإشكاليات الاجتماعية، وتحدث القلاقل، وتتمايز الصفوف، ويكثر الجدل والقيل والقال، وينطلق رويبضات، وتكثر مشروعات الإعلام الفاشلة، وما بين هذه التجاذبات وانعاكساتها، تخطط الدول الكبرى لإحداث سلسلة أخرى من أمواج التأثير السلبية لضمان زعزعة الاستقرار في البيئات الشرقية ومنطقة الشرق الأوسط وإفريقيا تحديداً بوصفها منابع الثروات البشرية والمادية.

 

من المعلوم أن السياسات الدولية تقوم على نظريات التفريق بين الدول والمؤسسات التي يمكن لها أن تلتقي، ومنع الارتباط العضوي بينها؛ لأن أي توحد بين شركتين -فضلاً عن دولتين – يؤثر في السياسات العامة التي تقوم على أن السيطرة تقوم على مبدأ الهيمنة التامة، هذه الهيمنة التي لا تتحقق إلا من خلال وجود رؤوس متعددين في كل بيئة، تتيح للدول الكبرى أن توجد من خلالهم الصراعات الفكرية والسياسية والاقتصادية، بما يمنع أي مشروع وحدة في أي مستوى متى شاء صناع القرار.

 

وما بين الجهود التي تبذل من قبل النخب والساسة والمصلحين وأهل المشروعات الوحدوية في سعيهم لإيجاد الراوبط والأواصر ومجالات التلاقي والتوحد، وافتقادهم للقوة والنفوذ والتأثير حكاية ألم، ونظرية إدارة وإدارة مضادة، وسعي محموم لإفشال كل جهد مطروح لبناء القوة الذاتية أو التلاقي الداخلي، فأزمات الخليج، وأزمة ليبيا وفلسطين واليمن ومصر وسوريا، والأزمات ما بين الدول ذاتها، كالقلاقل الدائمة بين تركيا والأقليات الكردية الانفصالية، والمشاكل في حلايب بين مصر والسودان، وإشكاليات ضبط الحدود بين ليبيا وجيرانها والجزر الإماراتية والبحرينية مع إيران، ونحوها من قلاقل دائمة مفتعلة قابلة للتفجر في كل ثانية هي ورقة القوة في يد الدول الكبرى، تحركها متى تشاء لتحقيق أهدافها، ولمنع أي تحركات قد تهدد مصالحها السياسية والاقتصادية والمصلحية.

 

السبيل إلى الحرية هو امتلاك القوة الذاتية، وتحقيق التلاقي الداخلي، ورفض كل هيمنة غربية، والعمل على صناعة مواقف تفاوضية موحدة تعزز من حضور" نحن وأنتم " في مقابل: "نحن وهم وأنتم"

الإشكالية الكبرى لدينا في المشرق أننا لم نستوعب بعد نظرية الغرب المتحكم بالموارد والقدرات المشرقية، والتي تقوم على نظرية إحداث أزمات وقلاقل مفتعلة، ليثبت أنه صاحب القرار، وأن المجتمعات بحاجة له، وأنه لا دوام لمسؤول ولا لسلطة ولا لحكومة ولا لاستقرار بدون وجود هذا اللاعب الأساسي، تماماً كحال رجل الإطفاء الذي يشعل النار في بناية ليثبت للناس أهمية رجال المطافئ في الحياة العامة.

 

النخب السياسية في عالمنا العربي مدانة تماماً وبمسؤولية أخلاقية وسياسية وإدارية عن القبول بهذا المبدأ، والانصياع له، والتعاطي معه كحالة ثابتة مفروغ منها قدراً، فعززت من مكانة وصلاحيات وسلطات اللاعبين الخارجيين في كل الملفات الداخلية، وبات كثير – ولا نقول جميع – من التيارات السياسية يبحثون عن السلطة والوصول إلى سدة الحكم من خلال ترشيح أنفسهم في البيت الأبيض وأمام السفارات الأجنبية قبل أن يقدموا أوراق اعتمادهم أمام هيئات لجان الانتخابات في بلدانهم. 

 

نظرية التحكم والسيطرة التي يفرض "المحتل الباسم" حضوره في واقعنا من خلالها، لا مجال أن تنكسر دون انتشار الوعي الحقيقي لدى النخب السياسية والإعلاميين وإدارات العمل المجتمعي العام بأن السبيل إلى الحرية هو امتلاك القوة الذاتية، وتحقيق التلاقي الداخلي، ورفض كل هيمنة غربية، والعمل على صناعة مواقف تفاوضية موحدة تعزز من حضور" نحن وأنتم " في مقابل: "نحن وهم وأنتم".

 

إن الركون إلى القبول بالأمر الواقع، والتعاطي السلبي مع الأمور على أنها قدر محكوم محتوم، وأن السياسات لا تتغير، وموازين القوى لا تتغير، وأن الشعوب والدول غير قادرة على صناعة قرارها الذاتي بعيداً عن عيون صانع الأزمات – وبالتالي القادر على حلها – هو خلل تام مطبق، وكارثة لا مبرر لها، فما تم في ماليزيا، وتركيا، وفلسطين، وتونس ودول أخرى عبر العالم من خلال تحقيق السياسات المتوازنة وصناعة القرار الوطني الذاتي في مواجهة رغبات الخارج، تشير بشكل واضح إلى قدرتنا على صناعة التغيير، التغيير في الفكر والممارسة والسلوك السياسي داخلياً وخارجياً.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة