يوميات قارئ.. العيش مع الكتب

19/8/2018

هناك أماكن صعبة، تتضمن الكثير من التحديات وقليل من الفرص والبدائل. في هذا الأماكن يتفكك الزمان وينقسم إلى زمن داخلي (ثابت) وزمن خارجي (متحرك). إنها أماكن الهامش والعزلة. المكان يصنع المشاعر، المشاعر المرتبطة بالأماكن الصعبة، هي مشاعر حارقة وملتهبة. إنها مشاعر البعد والتفكك، مشاعر الفراغ والفوضى والوحدة.

إن عالم اليوم هو عالم الفراغ كما يصف كينيث روبرتز ذلك في كتابه عن الفراغ. فنمط الحياة المعاصرة يولد مللاً يومياً يتوق الانسان للتحرر منه. إن الإنسان ابن كوكبه، فمشكلة الفراغ ليس في الشعور بل في التفكير والفكر، نعرف أنه موجود ولكن لا نعرف لماذا هو موجود. هذا الفراغ يبدو أكبر من الفرد ومن بيئته، إنه ظاهرة ومشكلة كونية. كأن الشعور بالفراغ انعكاس لفراغ أوسع وأكبر، له ارتباط بالمكان والجغرافيا (الفراغ المكاني). فالفراغ قد يعكس حالة من اللاتوازن ومن الفروقات الشاسعة بين المناطق والدول، لأن الفجوة (الفراغ) بين ما هو افتراضي وما هو واقعي تتسع يوم بعد يوم. لقد أصبح العالم قرية صغيرة افتراضياً، لكن ليس على أرض الواقع، فالفراغ هو مكان بدون فكر.

المشاعر أقوى من الوعي، فقوة هذه المشاعر وخطورتها تتجلى في حركتها أو تراكمها المستمر والعشوائي والغامض وفي فوضويتها المؤلمة، وكأن خلف تلك الفوضى لغة. إنها الفوضى الذي تحدث عنها كارلوس ليسانكو في كتابه (الكاتب والاخر)، حيث كتب يقول: " تتطلب الحياة استقرارا قد تبلغه دون مرحلة انتقال أو بعد نضالات طويلة ضد الفوضى، ذلك أن الفوضى توجد في الروح، وليس من الأخلاقي أن تستجيب لنداء الفوضى. ومن المعركة ضد الفوضى يولد الفن، إن انتصرت الفوضى لا يكون هنالك فن، وإن نجحت في الانتصار عليها، فإنك ستظفر بالاستقرار، الذي سيكون هشاً على الدوام. وهكذا يتجدد الصراع من الاستقرار إلى الفوضى" إن الشعور بالشيء لا يعني الوعي، فقد نشعر بالوحدة لكننا لا ندرك أننا وحيدون إلا بالقراءة.  إن الشعور بالوحدة دافع للقراءة، فالقارئ يقرأ لأنه يعلم أنه وحيد كما يقول دانيال بناك. ومعنى الوحدة، كما يعرفها خوان خوسيه مياس في رواياته (هكذا تكون الوحدة)، هي أن تجد نفسك فجأة في العالم كما لو أنك قد انتهيت لتوك من المجيء من كوكب آخر لا تعرف لماذا طردت منه. الوحدة هي عملية بتر ما غير مرئية، ولكنها فعالة جداً كما لو كانوا ينزعون عنك البصر والسمع، هكذا هو الأمر، في معزل عن كل الحواس الخارجية، وفقط مع اللمس والذاكرة يتوجب عليك أن تعيد بناء العالم، العالم الذي يجب أن تسكنه. إن الوحدة هي شرط وجود، ودون الوحدة لا نكون كما يرى ليسانكو. فالحياة هي الوسيلة التي يعثر عليها كل واحد منا ليجتاز الوحدة، فهي شعور مستمر وملازم للإنسان، قد يختفي أو يتراجع بعض الوقت لكنه لا يتلاشى، إنه شعور لا ينسى.

فالعزلة ما قبل التعود على القراءة هي في الغالب عزلة شك وإجبار، إنها عزلة بدون وعي أما عزلة القراءة فهي عزلة ثقة لأنها عزلة تتم بوعي وإدراك وبإرادتنا

الفرد قادر على الوعي بمشاعره وبإمكانه تحديد طبيعتها ودرجة صحتها وربما أسبابها. كما أنه باستطاعته ضبطها وتعديلها. فله حرية الاختيار بين المسايرة والمخالفة. لكن في الغالب يسايرها ويعمل بها ويخضع لها حيث يعطيها معنى ومشروعية عقلية ومنطقية وأثر أقوى. يعرف جيرالد هوتز الوعي في (كتاب خبايا العقل) بأنه القدرة على أن ندرك أحاسيسنا ومدركاتنا الشخصية وأننا موجودون في العالم. وحتى يتم تطوير هذا الوعي يجب أن يكون العقل قادراً على مراقبة نفسه بقدر معين. ويعتبر وعي الإنسان بمشاعره وقت حدوثه هو حجر الزاوية في الذكاء العاطفي كما جاء في كتاب (الذكاء العاطفي). وبقدر ما نكون قادرين على تقبل مشاعرنا وإدراكها نكون قادرين على قراءة مشاعر الآخرين. إن الوعي بالمشاعر عملية صعبة، فهذه المشاعر مرتبطة فيما بينها في مسار مغلق، كل شعور هو نتيجة أو سبب لشعور أخر. فالشعور بالفراغ قد يكون نتيجة للشعور بالوحدة، والشعور بالوحدة هو نتيجة للشعور بالاختلاف (لكن ليس السبب الوحيد على ما يبدو). إن أي شعور قد نشعر به قد يكون نتيجة وسبب في الآن نفسه.

إن اختلاف مجال ظهور المشاعر يزيد من صعوبة الوعي بها. فهناك مشاعر لا تظهر إلا في حالة الانفراد والعزلة كالشعور بالفراغ. في المقابل هناك مشاعر تظهر فقط في حالة الاختلاط بالناس كالشعور بالاختلاف. كما أن بعض هذه المشاعر لا تتلاشى لحظة القراءة، بل تختفي وتعود للظهور بعد القراءة، لأنها مشاعر مرتبطة بالمكان وظروفه ومكوناته وبطريقة التفاعل معه. في المقابل هناك مشاعر تتناسب بشكل طرادي مع القراءة، حيث تتراجع حدتها كلما زاد معدل القراءة مع الزمن. فالشعور بالاختلاف مثلاً يتراجع مع الزمن ومع مزيد من القراءة. إن الشعور بالاختلاف والعزلة من المشاعر التي تلازم الانسان القارئ في المجتمع غير القارئ، وكون كل قارئ هو شخص مختلف. لكن ليس كل شخص مختلف هو إنسان قارئ بالضرورة. إن العزلة أثناء أو بعد القراءة ليست كالعزلة التي قبلها، فالعزلة ما قبل التعود على القراءة هي في الغالب عزلة شك وإجبار، إنها عزلة بدون وعي. أما عزلة القراءة فهي عزلة ثقة لأنها عزلة تتم بوعي وإدراك وبإرادتنا.

إن القراءة تؤدي إلى فهم وانفتاح أكثر على الاخرين، فهي تدفع القارئ إلى الانفتاح على الخارج. ويؤكد هذا المعنى مؤلفة كتاب (الهامسون بالكتب) دونالين ميلر عندما كتبت تقول: " كانت والدتي تخشى من أصبح غير ناضجة اجتماعياً بسبب انهماكي في القراءة وحدي في غرفتي، لكن القراءة على العكس من ذلك كانت تربط بيني وبين أهم اشخاص في حياتي" إن كل قراءة هي فعل مقاوم، يتطلب أذن تفكيك الشعور ومعرفة طبيعته وأسبابه كثير من الجهد والقراءة. فالقراءة تبني الوعي والوعي يصنع المقاومة، والمقاومة تعني القوة، لذلك فان كل قارئ يعتبر كائن مقاوم.  إن القراءة تنقد الانسان من المجتمع الذي يميل دائماً لأن تكون عناصره متشابهة، فهي تنقذه من كل شيء، حتى من نفسه، وتنقده من الفوضى كما عبر عن ذلك البرتو مانغويل في كتابه عن تاريخ القراءة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة