ياسر سليمان أبو غليون
ياسر سليمان أبو غليون
344

خواطر من وحي الخمسين

21/8/2018

روى لي صاحبي أبو ربيع خلاصة حكمته على هذه البسيطة، ملتمساً منكم تقبل مشاركتي إياها: أن تبلغ الخمسين فمفاده أنك أصبحت ترى الحياة بمنظار مغاير خلاف الذي اعتدته، قلت له: وكيف ذاك؟ قال: في الصبا كانت أحلامنا في عنفوان شبابها ودنيانا مقبلة غير مدبرة، وسرعان ما بدأنا مسيرة العمل بحثاً عن الاستقرار، ومرت الأيام والسنون ومضى العمر، والحرص يلازمنا متسائلين هل ستدوم رحلة البحث عن أيقونة الاستقرار. هذه التي لا يمكن أن تكون محصورة في البيت أو الأولاد، إنما هي ركيزة راسخة في الوجدان، ندر وجودها إلا عند قلة أنعم الله عليهم بها، إما برضى والدين وإما بصلة رحم أو ما قارب ذلك.
   
تواصلت دوامة المعارك مع أصناف بشرية، عدو شريف أو خسيس متسلق أو عقور لا يكف عن النباح، في كل ذاك لم أكن آبه على الإطلاق للصٍ خفي سرق، ما سرق! في كل التفاتة ألمحه صامتاً يمشي على رؤوس أصابعه، صحيح أنه لم يقترف فعلته دفعة واحدة، بل تفنن باحتراف، فصنيعته ليست شيئاً مادياً يتطاول ليسبب لنا أي ازعاج. إلى أن استيقظنا ذات يوم على عمر قد مضى، وأيام لم تعد سوى ذكريات، وشيخوخة مقبلة تعلن، قد أزف الرحيل، ولكن مهلاً، واسفاه فات الأوان، فليس بالمقدور أن نحجم عما مضى. ويحكِ يا دنيا، إن كان هنالك لص محترف فيقيناً هو أنت، سرق منا أجمل ما وهبنا الله إياه، ألا وهو العمر، ذاك الذي لا يأتي إلا مرة واحدة، بعد أن لهثنا خلفك ولأجلك، حتى هرمنا وأضحت قدرات الجسد لا ترتقي لطموحات الروح، فسحقاً لحلم فيه الدنيا هي الحكم، وليتني استطعت أن أغرس في أبنائي هذا الدرس، فلا يتركوا لدنيا غرورة أن تسرق منهم أعماراً قضيت كغمضة عين.

يا ابن أخي، اعلم أن العمر لن يتكرر، فاحرص على كل لحظة منه، بأن تكون إلى الله أقرب، واشتر راحة بالك وسعادتك فقط، ودع الخلق يتصارعون من أجل دنيا فانية

واليوم أدعو الله أن يرحم والدي، وها أنا أوصيكم يا أولادي، كما تدينون تدانون، فسيأتي يوم تبصرونني فيه عجوزاً، لا تقدرون على التفسير المنطقي لسلوكياتي. حينها إياكم أن ينتابكم الشعور بالعار من تصرفاتي، فهذا هو نقصان بر الوالدين. قد أرتجف وتسقط اللقمة من يدي، وقد أعجز عن ارتداء ملابسي، عندها ومن لطفكم تحلّوا بالصبر تجاه أبيكم، فكم علّمكم ما لم يستطع فعله اليوم! لذا امنحوه بعض الوقت ممزوجاً ببعض الصبر لعلكم تحيطون علماً بالذي انقضى. إن رأيتم ضعف ذاكرتي أو جهلي بأمور جيلكم فإياكم والضحك، وإياكم أن ترفعوا أصواتكم أمام أبيكم، فما احدودب ظهره إلا في سبيلكم. أي بَني كم مرة تلعثمتم بكلماتكم صغاراً، فلا تتبرموا من تلعثمي كبيراً، وإياكم أن تتمنوا الموت لأبيكم! ففحوى انتظاره أن تكونوا عيناً وعوناً له لا عليه. إياكم أن تفلسفوا الأمور، هنا يجب وهناك لا يجب، فأنتم تعرفون أين يكمن سر سعادته في هذا السن المودّع، فكونوا خير معين له إن خذلته قدماه. كم مرة حملتكم وكم مرة غفرت لكم أخطاءكم، وكم مرة كنت أبحث عن أناقتكم في صغركم، فتقبّلوا زياً ومظهراً ارتضيته في كبري. من واجبكم أن تستروا على أبيكم، فلا زالت ضحكاتكم تذكره بالماضي الجميل في الصبي، وكم أجتهد في صناعة معادنكم النبيلة، فاصنعوا منه اليوم شيئاً، وإياكم ثم إياكم أن تفاضلوا بين والديكم وأزواجكم.
  
لتعلموا أن أباكم يوم أن أحاطكم برعايته، فلأنه ببساطة لا يريد لكم أن تخسروا، فلكل إنسان بصمة فاحرصوا أن تمر بصماتكم عبر الابتسامة والسلوك العفوي تاركين للناس إثم الظنون، فلكم أجوركم ولهم ذنب ما يعتقدون. إن اعتذرتم يوماً فاحرصوا على التّلطف في انتزاع السهم، فانتزاعه أشد إيلاماً من غرسه. هل تذكرون يوم أن كنتم تلبسون حذائي فتتعثرون من كبره وصغر أقدامكم، وترتدون نظارتي فترون عظمة الأشياء من حولكم، وتلبسون قميصي فتشعرون بالزهو، وحين أعود للبيت متعباً من يوم طويل، أضمكم وأنتم لا تدرون كيف أمضيت مشقة ذاك اليوم. أيّ بني إياكم واحتقار خصوصياتي، أو التطاول على ذوقي القديم، وإن تساءلت عن بعض أموركم، فليس هذا تدخلاً في خصوصياتكم. ليس لكم أن تشعروا بالحرج جراء ما أقوم به، فكم تحمّلتكم فيما مضى، في طفولتكم وشبابكم ومراهقتكم واستقلالكم ودراستكم وعملكم، في سرائكم وفي ضرائكم، فأي بني لا تتصور إن فقدانكم لي يعني لكم هامشاً ممتداً من الحرية. اسمعوا فقد مرّت من عمري خمسون، لا أذكر أني عشت فيهن يوماً من أجل نفسي، بعضهن لإرضاء فلان وبعضهن حرصاً على مشاعر علّان، وبعضهن من أجل راحة هذا، والقليل لقهر ذاك. في النهاية ماذا جنيت؟ لا أحد منهم رضي أو التفت لمشاعري، أو حتى بحث عن راحتي، وندمت على كل لحظة ضيعتها من عمري لكيد أو قهر إنسان.

يا ابن أخي، اعلم أن العمر لن يتكرر، فاحرص على كل لحظة منه، بأن تكون إلى الله أقرب، واشتر راحة بالك وسعادتك فقط، ودع الخلق يتصارعون من أجل دنيا فانية، فلن يأخذوا من صراعهم غير ضياع العمر. لا تصرف وقتك في التفكير بعدو عابر أو صديق مغامر، بل اصنع دروب السعادة لنفسك. حينها يأتيك الصديق ليهنأ بقربك، وتحترق الأرض قهراً تحت أقدام عدوك. اعلم أن الليل ترفع فيه أكف الضراعة للرحمن فاحرص أن تكون لك لا عليك، وتصدّق في الخفاء، فوحدها الصدقة تطفئ غضب الرب، وليكن لمرآتك منك نصيب لتريك وجهك دون زيف ولتخبرك الحقيقة، فكثيرون هم أولئك الذين يخدعون الناس بأفعالهم وأقوالهم ولا يجرؤون على النظر للمرآة، لأنهم يعرفون مسبقاً أنها ستقول لهم خسئتم، وحين يضعون رؤوسهم على وساداتهم فلن يسامحهم أحد، أما أنت فسامح كل من أخطأ في حقك، فالكبار فقط هم من يغفرون. اجعل نظرك معلقاً بالسماء، ففيها الرزق والأمل والأجل والآخرة، وتذكروا أن مفردة (أنا) تنطوي على أنانية فيلسوف ثرثار، فاستمعوا كما تحبون أن يسمع لكم، واعلموا أن السفر كاشف لمعادن الرجال، وأن ترتيب الباطن مقدم على ترتيب الظاهر ولكم مني سلام.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة