حسام الدين السنوسي
حسام الدين السنوسي
3.2 k

مقدمةٌ قصيرَة في تثويرِ القرآن

24/8/2018

"الكلُّ مُعترفٌ بالتقصير، مُغتَرِفٌ على حَسبِ الفهم والتيسير، من بَحْرِ أسرارِهِ ومَعانيه، فهو البحرُ الطّام الذي لا يُدرَكُ له قَعر، والروضُ المُونِق الذي لا يعدم منه زهر ولا نور، وكيفَ لا، وهو كلامُ مولانا العالم بالخفيّات، وبما كانَ وما هوَ الآنَ ومَا هُوَ آت."

- الإمامُ العارف بن عجيبَة.

    

القرآنُ الكريم بَحرٌ من المعاني والأسرار؛ جُلّه مَفتوحٌ للتنافس في التنقيبِ والتفكّر كلٌّ بما وهبهُ الله له من فتحٍ ودراية وتأمل؛ ومما يجبُ من إلمامٍ بالأسس؛ من لُغَة وأسبابِ نزولٍ ومأثورٍ متعلّق بالآية وسياقها، ونحن هنا لا نتحدث عن وظيفةِ التفسير الذي يتعلّق بالعلماء والراسخين؛ ولكن عن التدبّر العام والتفكّر؛ الذي يعنيني أنا وأنت، التدبّر كمُنتِجٍ للمعنى الذي قد يقتربُ أو يبتعد عن المعنى الظاهر للنص؛ غير أنه يتصّل به -قطعا- في المقصدِ القرآني العام؛ الذي يستطيعُ المتدبرُ استحضارَه للتدليلِ على فهمه الخاص، وإلا فكلُّ فهٍم أو خاطرة أو مَعنى لم يتّسِق مع السياقِ الخاص أو العام ولم يندرج ضمنَ الخطة القرآنية المُحكَمة؛ بالصورة الكبرى أو تحتَ التفاصيل الصغرى الدقيقة؛ فهو معنى باطلٌ ومُتوَهَّم فاقد للقرينة التي تسندهُ وتؤيّده وتستوعبه وتجعله ممكنا.

  

فالتدبر إظهارٌ لشيء موجودٍ مسبقا فيما تتدبره غيرَ أنه مستتر؛ إذ أن التدبّر من الدبُر وهو الظهرُ وما احتجَبَ واحتاجَ إلى تقليبٍ وتحريك حتى يظهرَ ويبدو،  وفيما سبق قال الطاهر بن عاشور في إحدى مُقدّمات التحرير: "أما ما يتكلمُ به أهل الإشارات في بعض آيات القرآن من معانٍ لا تجري على ألفاظِ القرآن  ظاهرا ولكن بتأويلٍ ونحوه؛ فينبغي أن تعلموا أنهم ما كانوا يدّعون أن كلامهم في ذلكَ تفسيرٌ للقرآن بل يعنون أن الآية تصلحُ للتمثّلِ بها في الغرَضِ المُتَكلَّمِ فيه"، بمعنى أنهم لم يقولوا بأنه تفسير لأنهم لا يدَّعُون أن ما خطرَ لهم من معان هو مرادُ الله من الآية، بل يقولون بأنها أسرارٌ قفزت إلى خواطرهم بتلاوةِ وتدبّر الآية فنزلت على واقعٍ يعايشونه أو حال يكابدونه أو معنى يريدونه؛ فاحتوته واستوعبته وأحاطت به وغمرته بفيضٍ من فيوضها، وأنارته بشُعاعٍ من أشعتها اللانهائية.

 

يقول صاحبُ التحرير: "وإنكَ لتمرُّ بالآية الواحدة، فتتأملها، وتتدبرها، فتنهالُ عليكَ معانٍ كثيرة، يَسمحُ بها التركيب، على اختلافِ الاعتبارات في أساليبِ الاستعمال العربي، وقد تتكاثرُ عليك، فلا تكُ ـ مِنْ كثرتها ـ في حَصَر، ولا تجعل الحملَ على بعضها، منافياً للحَمل على البعض الآخر، إنْ كانَ التركيبُ سمْحاً بذلك ."، وفي هذا التصيّدِ والالتقاطِ للمعاني يحدثُ التنافس بقدر صفاء القلوب وحضور الكيان عند التلاوة والانغماسِ في الآية والاستغراق والاستسلام لها؛ فيأخذك تيارُها حيث يستحقُ جهدك أو إلى حيثُ يرادُ لك فتحا وتفضّلا وتوفيقا؛ قال الخرّاز في اللّمع: "وعلى قدرِ المحبّة وصفاءِ الذكر ووجود القرب يقع التفاوت في الفهم".

   

  

ولا عجَب؛ فبقدر الاستعداد يكونُ الإمداد، والتخَلّي قبل التحَلّي والتَنَقّي قبل التلقي، ومهما كثرت أوجهُ وزوايا النظر والتدبر وازدحمت المعاني والأسرار والفتوح، يبقى القرآن بكرا كأنما لم يفسّر ولم يؤوَّل؛ يشخبُ بالمعاني والكنوز التي تنتظر المُوَفَّقين لاستخراجِها، يقول التستري: "ولو أعطيَ العبد بكل حرفٍ من القرآن ألفَ فهمٍ لم يبلغَ نهايةَ ما أودَعه اللهُ في آيةٍ من كتابه؛ لأنه كلام الله، وكما أنه ليسَ لله نهاية فكذلك لا نهايةَ لفهم كلامه؛ وإنما يَفهمُ كلٌّ بمقدارِ ما يفتح الله عليه. وكلام الله غير مخلوق ولا تبلغ إلى نهايةِ فهمه فهومٌ محدثة مخلوقَة"، وقد استحضرَ الزركشي في مقدمة العلوم مقالةََ سهل التستري مقّدما لها بـ: "ثم جاءَ بعدهم (يقصد أوائل الصحابة وأرباب التفسير الأول) طبقةٌ فطبقة؛ فجدّوا واجتهدوا وكلٌّ ينفق مما رزقَ الله "، وقال حجة الإسلام الغزالي في الإحياء: "التدبر في القرآن إعادة النظر في الآية والتفهم أن يستوضح من كل آية ما يليق بها كي تتكشّفَ له من الأسرارِ معانٍ مكنونة لا تتكشّفُ إلا للموفّقين"

 

وبذلك يكون التدبر ما نلتقي فيه إذا وُفِّقنا مع العلماء لينفذوا منه إلى الاستنباط وهو أيضا غيرُ ظاهر، يقول الزبيدي: " وكل ما أُظهِرَ بعد خفاءٍ فقد أنبِط واستُنبِط، وفي البصائر: وكل شيء أظهَرتَه بعد خفائه؛ فقد أنبطتَه واستنبطتَه"، وكذلك قال بن جرير الطبري: "وكلُّ مستخرجٍ شيئا كان مستترا عن أبصارِ العيون، أو عن معارفِ القلوب؛ فهو له مُستنبِط"، وبديهيا يكون ذلك المُستنبطُ –غالبا- جديدا ليس له مثالٌ سابق؛ ومن هنا يحدث استغراب فئة من الناس منه وربما رفضُ آخرين وردّهم له، ذلك أنه غير ظاهر وقد لا تفرزه القراءة الأولى للآية أو ألفُ قراءةٍ إذا كانت بمنظور واحِد

 

التدبر مقصدٌ قرآني وأساسٌ في الفهم عن الله، و "كلّ فردٍ من الذين أُنزلَ القرآن إليهم من الإنس والجن يجد في بيانات القرآن ما يناسبه ويلائمُ حالته الفكرية والنفسية والاجتماعية، في نصّ أو في آخر

قالَ الزمخشري في الكشّاف: "وتدبّر الآيات : التفكّرُ فيها، والتأمل يؤدي إلى معرفةِ ما يدبُرُ ظاهرَها من التأويلات الصحيحة والمعاني الحسنة، لأن من اقتنع (اكتفى) بظاهرٍ المَتلُو لم يخرج منه بكثيرِ طائل وكانَ مَثَله كمثلِ من له لقحةٌ دَرُور لا يحلبها؛ ومهرةٌ نثور لا يستولِدُها، وعن الحسن : قد قرأ هذا القرآنَ عبيد وصبيان لا عِلم لهم بتأويلِه حفظوا حروفه وضيعوا حدوده، حتى إن أحدهم ليقول : والله لقد قرأتُ القرآن فما أسقطتُ منه حرفا، وقد واللهِ أسقطَهُ كلّه"..



أما إذا تعلّق الأمر بالتفسير، فأنواعه كثيرة، وهو أولا قبلَ أن يتفرّعَ إلى تفسيراتٍ تحليلية (الرازي، القرطبي مثلا)، ونحوية (ابن قتيبة والفرّاء والزجّاج وو)، وأدبية (سيد قطب مثلا)، وبيانية (بنت الشاطئ مثلا)، وإشارية (ابن عجيبة والقشيري مثلا)، ووو الخ ..؛ مُنقسِمُ إلى تفسيرَين 02 : تفسيرٌ بالمأثور وتفسير بالرأي، أما بالمأثور فما استندَ على التفسير بالقرآن أو السنّة أو مقالات الصحابة والتابعين وتابعيهم؛ أو بها جميعا، وتفسيرٌ بالرأي وتحتَه تندرجُ كثير من التفاسير منها التفسير الإشاري الفَيضي الذي نتحدث عنه؛ والذي عرّفه السادة فقالوا: "هو عبارة عن تأويل الآيات القرآنية على خلافِ ما يظهرُ منها بمقتضى إشاراتٍ لأهل السلوك، ويمكن الجمع بينها وبين الظاهر المُراد (وهذا شرط أساسي) ."؛ وفي هذا المجال –كما قلنا سابقا- بقدرِ المجاهدَة تكون المُشاهدة، وجعلوا له شروطا أهمّها : 1-أن يكون على مقتضى اللغة، 2-أن يكون له شاهد شرعي (يستظل تحت دليل أو مقصد شرعي)، 3- لا يكون له معارضٌ عقلي صحيح أو نقلي صحيح، 4-أن يمكن الجمع بينه وبين الظاهر، .."

وعن هذا التفسير يقول الطاهر بن عاشور: " أراني أثبتُ ذلك وأبيحه، وهل اتّسعت التفاسير وتفننت مستنبطات معاني القرآن إلا بازديادِ ما رُزِقه الذين أوتوا العلم من فهم كتاب الله، وهل يتحقق قول علمائنا "إن القرآن لا تنقضي عجائبه" إلا بازديادِ المعاني باتّساع التفسير؟ ولولا ذلك لكان تفسير القرآن مختصرا في ورقات قليلة." ..

 

وبالمحصّلة فالتدبر مقصدٌ قرآني وأساسٌ في الفهم عن الله، و "كلّ فردٍ من الذين أُنزلَ القرآن إليهم من الإنس والجن يجد في بيانات القرآن ما يناسبه ويلائمُ حالته الفكرية والنفسية والاجتماعية، في نصّ أو في آخر، وبوجهٍ من وجوه النصِّ الواحد أو بوجهٍ آخر، والبحث المتعمّق المتأني قد يكشفُ ذلك" كما أوردَ الشيخ عبد الرحمن حبنكة الميداني في كتابهِ المنصوحِ به في هذا المقام "قواعدُ التدبّر الأمثل لكتاب الله عزّ وجل".

 

جعلنا الله جميعا من المتدبرين الملتصقين بالقرآن المتعلّقين به المُصاحبين له؛ حتى نغترفَ من أنواِره وأسرارِه، ولا نكون ممن هجَرَه، ولا ينتفي هجرُه بمجرّد التلاوة الموسمية التي نكتفي فيها بقراءة المكتوب؛ دونَ غوصٍ وتسرّبٍ إلى المُراد والمرغوب، الذي يحرّك الوجدان والكيان كلّه نحو الحركة والعمل وحملِ الآيات سِلاحا ومصباحا في رحلة الواقع ومعارك النفس ومعافرة الحياة اليومية والتحديات الكبرى (قرآنا يمشي)؛ ولا يتحقق ذلك إلا بتفجير آيات القرآن وتثويرِها؛ جاءَ في الأُثر عن ابنِ مسعود " من أرادَ العلم فَلْيُثَوِّرِ القرآن "، والتثوير لا يكون إلا بأدواتِ تنقيب وتحريك وبمداومةٍ في الطّرق؛ ومن أدامَ الطّرقَ فُتِحَ له.

 

قالَ ابن الأثير في كتابِ النهاية في غريبِ الحديثِ والأثر؛ يشرحُ المُراد بالتثوير: "أي يُنقّرُ عنه ويُفكّرُ في معانيه وتفسيرهِ وقراءته"؛ والتنقيرُ عن الشيء البحثُ والتفتيشُ عنه، فبقدرِ العطش له يكونُ السعيُ إليهِ والتنقيبُ عنه، وبقدر تثويرهِ وتحريكِهِ بِعَصَا التدبّر تنفجرُ عُيونُه ويَطفُو مَكنُونُه.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة