مروى عبد الرزاق
مروى عبد الرزاق
859

"نجار وأعظم".. وتناقضات الأناجيل الأربعة

31/8/2018

لقد شدّ انتباهي ما جاء في كتاب "نجار وأعظم" لجوش ماكدويل من مغالطات كثيرة حول المسيح. وقد أتى في فصل من فصول الكتاب "ما الذي يُميّز المسيح؟"، عبارة تترددُ دائمًا في أذهان المسيحيين منهم من يتعصب لها ومنهم من لا يريد الإبحار فيها خوفا من النقاشات حسب ما بينهُ الكاتب في كتابه. فهل هذا يعني أن يسوع المسيح هو الله؟.

 

سؤال طرحه الكاتب وخاض فيه وهذا ما شدّة انتباهي. ولنفهم جيدا فاسم ولقب يسوع المسيح هو مشتق من الصيغة اليونانية لاسم يشوع التي تعني حرفيا الله المخلص أو الرب يخلّص. وقد اشتمل استعمال لقب المسيح على وظيفتين، وهما وظيفة الملك ووظيفة الكاهن. وفي نقطة مهمة قام بطرحها الكاتب، حين انتهت شكوك توما حول المسيح، جاء يسوع والأبواب مغلقة ووقف في الوسط وقال سلام لكم، ثم قال لتوما هات إصبعك إلى هنا وأبصر يدي وهات يديك وضعها في جيبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنًا. أجاب توما وقال له ربي وإلهي، قال له يسوع لأنك رأيتني يا توما آمنت. طوبى للذين آمنوا ولم يروا (يوحنا 29).


يقول الكاتب أن يسوع قبلَ اعتراف توما بأنه الله، لكن هنالك العديد من النُقاد رفضوا رفضا كليا ما أتى في الكتاب وما أتى في الآيات. هذا يعني أن الآية التي جاءت بلسان توما مُحرفة وليست صحيحة، وقالوا أنها اتهامات، فالمسيح لم يزعم أنه الله قط. عُدت لقراءة بعض الآيات الموجودة في الأناجيل الأربعة وأخذت أقرأ هذه التناقضات وكل واحدة تعود إلى حقبة زمنية معينة. فوجدت أن ما تحتويه الأناجيل من آيات تتبدل وليست ثابتة حول المسيح. وأراء النقاد أيضا تتضارب في الكلام ولكل منهم وجهة نظر، ولكل منهم تعصب حول ما المسيح؟

 

كتاب نجار وأعظم جعلني أبحثُ في صحة ما أتى في الآيات التي وضعها الكاتب. وهذا ما دفعني أن أمعن النظر أكثر في الأناجيل بعهديها القديم والجديد لفهم ألوهية المسيح التي ذكرها الكاتب جوش

لقد أنصف الله المسيح في قوله تعالى: "وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ * مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ".


إن كتاب نجار وأعظم جعلني أبحثُ في صحة ما أتى في الآيات التي وضعها الكاتب. وهذا ما دفعني أن أمعن النظر أكثر في الأناجيل بعهديها القديم والجديد لفهم ألوهية المسيح التي ذكرها الكاتب جوش نقلاً عن اعتقادات أغلبية المسيحيين حسب جوش. وما لفت انتباهي أيضًا عند اطلاعي أن شُراح العهد الجديد يعمدون إلى تفسير التناقضات والصعوبات التي تواجه النّص ويبعدونه عن الحقيقة التي يتضمنها هذا النص وهذا ليقينهم بأن بقاء التناقض يعني بشرية الكُتب ونفي قدُسيتها.

 

ولما كان النصارى يؤمنون بالأناجيل الأربعة، وهي جميعًا تتحدث عن قصة المسيح كان لابدّ أن تتشابه هذه القصص في معانيها ومضامينها أو على الأقل أن تتكامل لتكون رواية واضحة مُتكاملة عن المسيح وتنصفهُ من كل الروايات الباطلة في حقّه. لكن عند المُقارنة بين تلك المعطيات الإنجيلية في الحدث الواحد نرى تناقُضا يُحيل العقل إلى البحث فيه على وجه من الوجوه، ويتكرر هذا التعارض والتناقض في كثير من الروايات. وأمام هذا التعارض كان لابد للنصارى أن يختاروا بعض من هذه الأناجيل أو بعض من تلك الروايات المسندة فيجعلونها مقدّسة ويرفضون ما وراء ذلك، أو الاعتراف حتى ببشرية الأناجيل الأربعة. إذ يمكن فهم التعارض هذا حينذاك ولكن الإصرار يدفع المرء أن يبحث وراء السبب؟ ولماذا أسندت صفة الألوهية في بعض الآيات إلى المسيح؟

 

نجد أكثر من أمثلة حول صحة التناقض في العهد الجديد في كتاب الإنجيل، فقد أعطى المحققون عشرات الأمثلة لتناقض الأناجيل الأربعة لعل منها ما يتعلق ببعض الأحداث التي تقصها الأناجيل نفسها ومنها ما يجعلنا نقول أن المسيح متعارض مع نفسه ومن أبرز تلك التعارضات تلك المتعلقة بروايات حادثة الصلب. سأل روبرت دوجلاس في بداية مناظرته مع الشيخ أحمد ديدات رحمه الله والتي كانت تحت عنوان صلب المسيح حقيقة أم خيال؟ قائلا ينكر الإسرائيليون أنهم قتلوا المسيح والقرآن ينكر ذلك أيضًا فما الفرق بين الموقفين؟ فأجابه الشيخ ديدات قائلا وقولهم أنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله يعني اليهود زعموا بتباهي وتفاخر بأنهم قتلوا عيسى رسول الله وهم يستعملون هذا اللقب هنا لا لإيمانهم بأنه نبي ورسول من عند الله ولكن كنوع من السخرية والاستهزاء بالرجل الذي ظنوا أنهم قتلوه، هذا يعني أن هؤلاء القوم اعتقدوا أن عيسى كان مدعيًا للنبوة وأنهم تخلصوا منه ولكن الله سبحانه وتعالى بين لهم أنهم ما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم.

 

نسبة المسيح ليوسف النجار يجرده من إحدى أعظم المعجزات التي اختص بها. إن المتأمل فيما كتبه جوش وما تحمله الأناجيل الأربعة من تناقضات لأمر يدفعنا أن نبحث في الموضوع أكثر

مواقع التواصل
 

ويقول الله تعالى في سورة النساء "وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا". نجد أيضًا في كتاب صلب المسيح بين الحقيقة والافتراء للشيخ أحمد ديدات قوله لو كان المسيحيون قد قبلوا بالقرآن الكريم باعتباره أنه وحي الله لما ثارت مشكلة صلب المسيح، إنهم يعترضون بتعصب على تعاليم القرآن ويهاجمون كل شيء إسلامي، إنهم كما وصفهم توماس كارليل قد دربوا أن يكرهوا محمدا ودينه.

 

أيضا بعض الروايات الغير متشابهة لبعض الأحداث كنسب المسيح منها اختلاف متى ولوقا في نسب يوسف النجار، وأيضا تعارض مع ما جاء في سفر وهو يتحدث عن بعض ملوك إسرائيل الذي جعلهم متى أجدادُ المسيح. يقول متى كتاب ميلاد يسوع المسيح إبن داود و إبن إبراهيم. إبراهيم ولد إسحق وإسحق ولد يعقوب ويعقوب ولد يهوذا وإخواته، ويهوذا ولد فارص.. إلى أخره من الحديث. ويقول فجميع الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشرة جيلا. ومن داود إلى سبر بابل أربعة عشر جيلا. ومن سبى إلى المسيح أربعة عشر جيلا جاء في متى. لكن لوقا يعطي سببا أخر للمسيح يختلف تمام الاختلاف عما جاء في متى فيقول ولما ابتدأ يسوع كان له نحو ثلاثين سنة وهو على ما كان يظن ابن يوسف بن هالي بن منثات بن لاوي بن ملكي بن ينا بن يوسف.. إلى أخره" لوقا".

 

توقف المحققون في موضوع الخلط بين التعريفين هذا مليا في نسب المسيح، وقد استوقفتهم ملاحظات منها أن متى ولوقا اتفقا فيما بين إبراهيم وداود، ثم اختلفا بعد ذلك اختلافا كبيرا. فقد جعل متى المسيح من ذرية ملوك بني إسرائيل سليمان، بينما جعله لوقا من نسل ناثان بن داود وليس في أبنائه من ملك على بني إسرائيل. لكن الملفت للذكر والمهم جدا حول هذا التناقض أن إنجيل متى حسب المحققون لم يكن معروفا للوقا مع أنه قد سبقه بنحو عشرين سنة، ولو كان لوقا يعرفه، أو يعتبره إنجيلا مُقدسا لراجعه ولما خالفه، فدل ذلك على عدم وجود إنجيل متى يومذاك أو إسقاط الاعتبار له. إذا ما علاقة يوسف النجار بالمسيح؟ إن نسبة المسيح ليوسف النجار يجرده من إحدى أعظم المعجزات التي اختص بها. إن المتأمل فيما كتبه جوش وما تحمله الأناجيل الأربعة من تناقضات لأمر يدفعنا أن نبحث في الموضوع أكثر.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة