طارق مفيد المبيض
طارق مفيد المبيض
1.1 k

وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا.. بين الآية وقصص القرآن!

5/8/2018

عرف الفقهاء المسلمون المعجزة بأنها "خارق للعادة"، وهذه الكلمة "العادة" يراد منها الإشارة إلى سنن الكون العظيم أي قوانينه التي لا تتغير ولا تتبدل.. إنّ الحديث عن معجزات أو كرامات للبشر ومنهم الأنبياء ينتفي مع معنى الآية الكريمة "وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا"، أي أن قوانين الله لا تتغير ولا تتبدل بتبدل الظروف أو بسبب مخلوقٍ مُعيّن. ورُبّما يقول السائل وهو على حق: "ألا ينتفي هذا السرد مع القصص التي رواها القرآن عن وجود معجزات للأنبياء كإبراهيم وموسى وعيسى"؟!


نقول، أنّ الرسالات السماوية هي دعواتٌ إصلاحية بالدرجة الأولى، وهذا المعنى الذي يجب أن تفهم من خلاله، فنوحٌ لم يُبعث لبناء السفينة وإنما لثني قومه عن التعبد لبشر عاديين كانوا يتخفون وراء أصنام يعبدونها، تلك الأصنام التي كانت سبب في ركونهم إلى القعود عن القيام بالرسالة العظيمة للوجود وهي عمارة الأرض، والاستمتاع بها، وذلك لا يكون إلا من خلال السنن التي أوجدها الله فيها وأولها سنّة الحُرية التي لا يحدها معبودٌ بشري يشارك العباد في رزقهم ويسطو على فكرهم فيمنعهم من قول الحق، ويتعصبهم إلى قبيلة أو قوم بطريقة عمياء جوفاء، وسُنة أن البشر جميعاً متساوون فلا فضل او درجة إنسان على إنسان سواء كان ملكاً أو رجل دين أو نافذاً في قومه!

السفينة والهجرة بقصة نوح هي رمز الخلاص من الحالة التي يعيشها الإنسان بعد أن ينقطع أمله بالإصلاح، وأن الإصلاح يحتم التبرؤ من المفسدين حتى لو كانوا أزواجاً أو أبناءاً أو ذوي قربى

وبعد ذلك، فإن بناء السفينة وصعود "مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ"، فهي أمرٌ طبيعي، ولكن علينا أن نقيسه بالعقل لا بالسرد القصصي الذي لا يفيد شيئاً ولا يضيف على معنى الرسالة الإصلاحية التي جاء بها النبي نوح، ومقياس العقل يحتم علينا أن نعلم بأن ذلك الطوفان "فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَىٰ أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ" ليس من خارج السنن الكونية، وأن تلك السفينة مهما "ذَاتِ أَلْوَٰحٍۢ وَدُسُرٍۢ" لم تكن بذلك الحجم الهائل الذي نتخيله، وأن "مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ" ليست جميع انواع الفصائل التي كانت موجودة حينها (نبات وحيوان) لأن ذلك لا تسعه سفينة، بل من كل زوجين اثنين تعني أن يصطحب نوحٌ معه، من الدواب التي كان يعتاش منها الإنسان كي يستطيع إكمال حياته بعد أن غار الماء واستوت على الجودي.


وهنا نحن نطرح مقاربة عقليّة، بعيدة كل البعد عن جنون "الروايات الإسرائيلية" التي نُسبت زوراً إلى التراث الإسلامي ومنها أن نوحاً أرسل حمامةً بعد أن هدأ الطوفان ليستطلع الأمر، فعادت له بغصن زيتون.. وما إلى ذلك من الروايات التي يصح أن تُحكى للأطفال قبل نومهم، ولا يصح أن تكون جزءاً من تراث تؤمن به أمة ما.


إذن، فالمعنى القصصي لا يعنينا بشيء أمام المعنى والمغزى الرمزي من قصة نوح، فالسفينة والهجرة هي رمز الخلاص من الحالة التي يعيشها الإنسان بعد أن ينقطع أمله بالإصلاح، وأن الإصلاح يحتم التبرؤ من المفسدين حتى لو كانوا أزواجاً أو أبناءاً أو ذوي قربى، والمعنى الرمزي "مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ" يرمز إلى الحياة وسنن الكون نفسه الذي خلقه الله والذي لا يتبدل حتى لو كان ذلك المهاجر إلى أرض جديدة رسولاً، إذ يجب عليه أن يخضع لسنن الحياة التي لا يمكن أن تستمر إلا بوجود زوجين من كل الأحياء!


ولكن التراث الإسلامي -للأسف- غالباً ما كان يُركز على الروايات والقصص ويستعين بذلك بالإسرائيليات والروايات المختلفة، دون أن يحاول سبر المعنى الحقيقي للآيات القرآنية، وهذا جزء من مشكلة التقدم في العالم العربي والإسلامي، وهي اعتياد العقل على الأسطورة والروايات الجاهزة التي يتفاعل معها عاطفياً، وتُحرك خياله الوهمي، بينما المطلوب هو تحريك العقل والتفكير والتفكر والتدبر، وسبر المعاني التي تتفق مع الرسالة الإصلاحية للرسل وليس مع ما يرضي خيالنا القصصي!


ونعود للإجابة على السؤال الأول: "ألم يكن هناك للأنبياء معجزات بالإضافة إلى رسالتهم الإصلاحية؟! نعيد قراءة الآية عن جديد "وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا"، أي لن تجد لقوانين هذا الكون الذي خلقه الله أي تبديل، فالنملُ يأتي في اليوم الثالث أو الرابع على قطعة الخبز فيقوم بقضمها وجرّها إلى جحوره، ومن ذلك غاية عظيمة، أولها هي إعادة تدوير البقايا العضوية بطريقة طبيعية مئة في المئة، وثانيها هي تشكيل النمل بحد ذاته وجبة للطيور وغيرها من الحشرات، فيكون حلقة من ضمن السلسة الغذائية التي تحافظ على الحياة، وهذا الأمر لا يتغيّر ولا يتبدل لأنه سُنّة، والسنة أي القانون الكوني يسير على الجميع دون استثناء، فالأرض تدور بالجميع، والشمس تشرق للجميع وتغرب.. وهذا من عدل الله في هذا الكون الذي خلق بأن يكون الجميع متساويين أمام هذه القوانين والنواميس الكونية.

 

بدل أن يحاول المسلمون خلال عهودهم السابقة استجلاء المعنى العظيم للرسالة الإصلاحية لإبراهيم، كان التركيز على القصة والروايات التي سيقت عنها

مواقع التواصل
 

أما ما ورد في القرآن من قصص فيجب أن تفهم أولاً بالمعنى الإصلاحي الذي جاءت به، أي أن نسبر مغزاها لا سردها، هذا أولاً. وثانياً، علينا أن نفهم تلك القصص بالمعنى العقلي الذي ينسجم مع الآية "وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلا"، لا كما يريده المفسرون الذين خطّوا ملايين الصفحات في تفسير قصة ما، وإيراد الروايات المتعلقة بها، والطرق التي جاءت منها الروايات، وذلك بطبيعة الحال لا يفيد الناس في شيء، ولا ينسجم مع مضمون الرسالة الإصلاحية.


فإبراهيم وقصة الذبح، يجب أن نفهمها من خلال المنام، وصيغة أن عادة ذبح الأبناء كانت موجودة قبل الرسالة الإبراهيمية، فقام إبراهيم بوحي من ربه (يأتي الوحي في المنام غالباً) بنسخ هذه العادة وإبدالها بعادة ذبح الحيوانات عوضا عن ذلك، ونقول هذا لعدة اعتبارات أهمها:


-أن إيمان إبراهيم لم يكن يحتاج لتأكيد إذ أنه نبي موحى إليه.
-أن الحادثة يمكن أن تفسر على أنها رؤيا، "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ،... وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ"، فكانت حادثة الذبح وحياً أتى في المنام، وجرت أحداثه بين النبي وابنه، وكانت النتيجة هي إبطال عادة ذبح الأبناء والاستعاضة عن ذلك بذبح الدواب!


وبدل أن يحاول المسلمون خلال عهودهم السابقة استجلاء المعنى العظيم للرسالة الإصلاحية لإبراهيم، كان التركيز على القصة والروايات التي سيقت عنها، وفي كل رواية كانوا يسوقون نسب إبراهيم من الروايات الإسرائيلية ويصطحبون مع ذلك النسب كتائب جرارة من الروايات التي "تُملح الرواية وتبهرها" لإضفاء مزيد من التشويق إلى القارئ دون أن يكون هناك تركيز على المقصد الكبير وهو إبطال عادة وثنية تتمثل في تقديم الأبناء قرابين للآلهة!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة