محمد صلاح حسين
محمد صلاح حسين
341

خدعوك فقالوا.. إنك عربي لا يقرأ!

6/8/2018

كثيرا ما ستطل عليك بين الحين والأخر منشورات مختلفة وتقارير متعددة بل حتى برامج تلفازية وتجمعات أدبية تبين مدى الأسى والتدني والفجيعة التي صاحبت الأمة الإسلامية عموما والعربية منها خصوصا مطلقين في أغلب تلك الحالات مصطلح أصبح متعارفا بل حتى وصل بالبعض إطلاق مصطلح اللعنة عليها ووصفها تحت مسمى أمة اقرأ التي لا تقرأ والتي غالبا ما تتبعها مصطلحات كأمة ضحكت من جهلها الأمم وشبيهاتها من تلك التعليقات والمصطلحات الجاهزة المقولبة. فهل صحيح أن الحال بهذا السوء وهل أمة اقرأ أضحت بالفعل لا تقرأ وهل القراءة هي أخر ما يشغل المواطن العربي وليس من أول اهتماماته بل يصل بها الحال أن تكون خارج نطاق اهتماماته من الأساس.


ستجيبك تلك التقارير بأي نعم وستجمع على أن الواقع مظلم لا محالة ولا يكاد يصله شيء من النور ولا بصيص من الأمل للدرجة التي ستظن أن الوضع كارثي للدرجة التي ستترحم على أمة في طريقها للانحدار والاضمحلال إن لم تكن قد وصلت هذا الدرك الأسفل أصلا وستعاد عليك تلك الإحصائيات التي ستجدها مكررة في كل التقارير والبرامج والمحافل المتحدثة عن تلك اللعنة. ستظهر الكثير من البرامج التلفازية التي تشير إلى الوضع الكارثي والتي اعتمدت على تلك الإحصائيات والتي ستجدها مشتركة في أي مكان وأي مقالة غالبا ما حملت ذلك العنوان.


فتقول الإحصائيات التي خلصت إليها لجنة متابعة شؤون النشر في المجلس الأعلى للثقافة في مصر أن العربي لا يقرأ أكثر من ربع صفحة في السنة بينما تفيد التقارير المهتمة بالتنمية لليونسكو عام 2003 أن كل 80 عربيا يقرؤون كتابا واحدا في العام بينما يقرأ الأوروبي ما يقارب 35 كتابا في السنة ويفوقه الإسرائيلي بـ40 كتابا في العام والواحد فقط بينما ستخبرك التقارير الناتجة عن التنمية البشرية عام 2011 الصادر عن مؤسسة الفكر العربي إلى أن العربي يقرأ بمعدل 6 دقائق سنويًا بينما يقرأ الأوروبي بمعدّل 200 ساعة سنويًا.

ثم سيخبرونك عن دراسة أقامتها أحد الجهات الكبرى أو المؤسسات المعنية إلى أخره من العناوين التي لا يظهر أكثرها أسامي أو مرجعية تلك المؤسسات ناهيك عن أهليتها للقيام بدراسة بهذا المستوى الضخم ومن ثم تعميمها على جميع القطر الإسلامي والعربي الواسع جميعا بعيدا عن اختلافاته والفروق الشاسعة بينها بينما تقوم أحد الجهات بإطلاق أحكام عامة على مجتمع كامل باختلافاته.

تعج وسائل التواصل الاجتماعي بكثير من النماذج الشبابية التي أثرت بالعالم العربي وخاضت غمار الحرب النفسية التي تبثها وسائل الإعلام بأعمال يرقى بعضها لدرجة عالية من الجمال

وبعيدا عن أهلية تلك المؤسسات وصعوبة قيام دراسة كهذه على قطر عربي واسع ومتشعب ليخرج حكما فاصلا على أمة كاملة بالجهل ومن ثم مقارنتها مع شبيهاتها من الدول الغربية المختلفة لهو أمر مجحف وغير منطقي البتة وإن افترضنا صحتها وهو ما لا يعقل فهو قمة الإجحاف لدراسة خارجة وبعيدة كل البعد عن اعتبار الظروف والاختلافات الشاسعة التي لا تصطلح بينها مقارنة فبلدان ما زالت تحظر فيها الكتب ويلاحق فيها الأدباء والمثقفون لا يمكن مقارنتها ببلدان يستطيع كل فرد فيها كتابة كتاب يهز عرش البيت الأبيض دون مصادرة ولا ملاحقة ولا مساءلة وكل ما يمكن أن يفعل أمامه نفي تلك المزاعم.


وغرارا على ذلك الأمية المتفشية والفقر المدقع التي تتجلى صوره بادية للعيان في كثير من الدول العربية مما يجعل رغيف الخبز هو أقصى ما يحلم به فرد في دولة لا تحترم شعبها لتأمن له لقمة العيش ناهيك عن دولة تتيح للمواطن إمكانية الوصول إلى الكتب في أي مكان حتى تكاد تخلوا بعد المدن العربية تقريبا من المكتبات العامة أو حتى الخاصة بينما تتسابق الدول على توفير هذه الإمكانية في كل حي بينما تعتبر رفاهية في بعض الدول العربية.

والكثير من المفارقات التي لا يستوي فيها القيام بمقارنة وإن كان المراد منها الإصلاح فصح الغرض وضعفت الوسيلة فتكون في زمرة من يهجم النتيجة تاركا خلفها سيلا من الأسباب التي أدت الى هذه الحالة التي يعتبرها البعض معضلة. يقول الروائي الشاب محمد أحمد الشواف: أتدري ما الظلم، الظلم أن تقرأ أربعين كتاباً كل عام ثم يقولون إن العربي يقرأ ربع صفحة كل عام لقد وزعوا كل ما قرأت على ثلاثمائة مليون عربيّ.

المشكلة في تلك التقارير ورغم عدم دقتها أنها لا تسلط الضوء على الجانب الإيجابي منها بتاتا ولا تطارد الأخبار التي تبشر بخير ولا تطالع النصف المبهج والواعد منها بل تكتفي بذكر الصورة النمطية التعيسة التي غزرت كلماتها عميقة في نفوس المجتمع والشباب خاصة حتى كان الأمر يتحول إلى حقيقة من كثر ما تترد على مسامع الجميع فأضحت الأمة مقتنعة بوجوب تلك المقولات فترددها ارتبط دائما لدى العقل العربي بحقيقة خالصة.

جيل جديد من القراء

المؤسف في تلك التقارير أنها لا تخبرك عن الارتفاع المشهود والإقبال الملحوظ على معارض الكتب في العواصم والبلدان العربية المختلفة ولا على الإحصائيات والأرقام المشجعة التي تتصاعد يوما بعد يوم برغم الارتفاع المهول في أسعار الكتب التي حال دون الكثير من الشباب وحبهم لاقتنائها في الحقيقة لن يحدثك أحد عن الشباب الذي يدخر من مصاريفه اليومية يقتطع منها أجزاءا ويحرم نفسه مما طاب من غيرها طلبا لاقتناء كتاب في أخر الأسبوع أو حتى لانتظار المحافل الكبرى كمعارض الكتب التي تحولت إلى عيد بالنسبة للكثيرين ولعل جولة بسيطة بين أوساط مجتمع يقضي الكثير من وقته على شبكات التواصل الاجتماعي ستصدمك مئات الصفحات المخصصة للكتب ومراجعاتها واقتراحاتها بين جيل يطلق عليه الكثيرون جيلا جاهلا لمجرد اختلاف السبل والوسائل فأضحت مقاهي المدينة القديمة مشرعة الأبواب على رصيف الشبكة العنكبوتية يتبادلون فيها الاقتراحات والترشيحات بل وحتى الكتب الإلكترونية نفسها التي وجدت لها موضع قدم في خضم الغلاء الذي طال حتى الكتب.

تعتبر أدوات التواصل الأخرى كالفيس بوك والذي يعج بألاف الصفحات المختصة بالكتب والتي تدل على إقبال الشباب بشكل طيب وإن لم يكن بالشكل الكافي ولكن يعني وجود حراك إيجابي

وكالة الأنباء الألمانية
 

سيخبرك الكثيرون بأن الشباب حتى وإن كثر الكم فهو ضعيف المحتوى وركيك الصياغة تغلب عليه الروايات السخيفة أو السطحية او حتى من يهاجم الروايات عموما ويصفها بغير زي منفعة وهو ما ستجيبك علي الشابة رافان الطائي صاحبة أول مقهى للقراءة والكتب في مدينة كركوك في كردستان العراق حيث أجابت على أحد الأسئلة المطروحة لها من عن زوار مقهى الكتب من غير الراغبين في القراءة ومنعهم من ذلك بما أن المقهى كما يبدو من اسمه the book cafe فأجابت حتى الفئة التي لا تقرأ ولا تأتي للقراءة أود أن تقصد المقهى وتضيف قريباً سيأخذهم الفضول ليروا عنواناً ويبحثوا عنه وإذا وصلت لهذه المرحلة أكون قد نجحت فعلاً.

وهو جواب يمكن تطبيقه على قارئي الروايات وخصوصا الشباب منهم أو حديثي العهد بالقراءة فلا بد من خوضهم يوما في غمار كل صنوف الأدب المختلفة مهما طال الزمن وإن كان لا شيء يضر او يعيب في قراءتها ولطالما كانت الروايات هي الأعلى مبيعا سواءا أكنت في أحد الدول العربية أو الغربية فالأولى حثهم وتقديم ترشيحات لهم بدل مهاجمتهم واتهامهم بالخواء والفراغ والسعي خلف ما لا ينفع كما يفعل الكثيرون.

نماذج شبابية مشرفة

تعج وسائل التواصل الاجتماعي والساحة العربية بكثير من النماذج الشبابية الرائعة التي أثرت العالم العربي وخاضت غمار الحرب النفسية التي تبثها وسائل الإعلام يحتل الكثير من الشباب الوسط الأدبي بأعمال يرقى بعضها لدرجة عالية من الجمال والإفادة لكن بعضهم اختار سبيلا أخر فانتشرت الكثير من البرامج الشبابية المحرضة والمشجعة على القراءة والكتب ومناقشتها ومن أميزها برنامج عصير الكتب الذي يقدمه الاستاذ بلال فضل والذي يناقش الكثير من المواضيع العربية والإقليمية ويقوم على استضافة عدد من رواد الأدب والفكر في العالم العربي بالإضافة والتذكير بكاتب معين وأشهر أعماله ومن ثم ترشيح أحد الكتب في أخر البرنامج.

بينما انتشرت ظاهرة البوكتيبوب أو booktube والتي انتشرت بين أوساط الشباب يقومون خلالها بترشيحات بعض الكتب التي حازت على رضاهم يختلف محتواها بين الروائي الصرف والفكري ومختلف المحتوى وتعد ظاهرة إيجابية ضربت أوساط الشباب وله جمهور عريض من هذه الفئة وربما نفرد لها مقالا منفردا في قادم الأيام.

بينما تعتبر أدوات التواصل الأخرى كالفيس بوك والذي يعج بألاف الصفحات المختصة بالكتب والتي تدل على إقبال الشباب بشكل طيب وإن لم يكن بالشكل الكافي ولكن يعني وجود حراك إيجابي يستحق الدعم والتوجيه لا النقد البناء لا الهدام. نحن لا ندعي الكمال فالحال العربي ما زال يحتاج إلى الكثير ولكن يبقى الأمل موجودا ومقرونا بصحوة تحتاج إلى الدعم لا التثبيط والهدم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة