أبوالفتوح قنديل
أبوالفتوح قنديل
487

مذبحة رابعة ولعنة الدم الحرام

1/9/2018

شهدت مصر في الخامس والعشرين من يناير من عام 2011 ثورة شعبية سلمية من أجل العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية. وقد استطاعت هذه الثورة أن تحقق خطوات ناجحة على طريق الديموقراطية والتخلص من الحكم العسكري الذي جثم على صدر البلاد منذ عام1952، وما خلفه من أوضاع اجتماعية واقتصادية وسياسية متردية. كان من أبرز تلك الخطوات الانتخابات الرئاسية عام 2012 التي شهدت المنظمات الحقوقية والسياسية العالمية بنزاهتها، والتي أسفرت عن فوز مرشح حزب الحرية والعدالة – الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين- الدكتور/محمد مرسى كأول رئيس مدني منتخب لمصر. إلا أن الدولة العميقة وبعض القوى الإقليمية أبت أن يُتم الشعب تجربته الديموقراطية، وسعت إلى إفشالها حفاظاً على مصالحها وامتيازاتها. وفي هذا الإطار دار الصراع بين جموع الشعب الثائر من ناحية، وبين الدولة العميقة الفاسدة الساعية إلى وأد تلك الثورة والقضاء على أي حراك من أجل الحرية والديموقراطية من ناحية أخرى.

وفي هذا السياق وقعت العديد من الأحداث التي أدت إلى انقسام الشعب بين مؤيد للثورة وللشرعية وللرئيس المنتخب، وبين أذناب الدولة العميقة التي قادت ثورة مضادة للديموقراطية ودعت أنصارها إلى التظاهر ميدان التحرير في الثلاثين من يونيو من عام 2013 للمطالبة بتنحي الرئيس المنتخب وبانتخابات رئاسية مبكرة. وكرد فعل من جانبهم، تجمع أنصار الشرعية في ميداني النهضة ورابعة العدوية واعتصموا بهما لدعم الشرعية والرئيس المنتخب ضد تلك المظاهرات المنتظرة المناهضة له. وقد مثلت تلك الأحداث - المدبرة سلفاً - غطاءً مزيفاً للانقلاب العسكري في الثالث من يوليو من عام 2013. هذا الانقلاب الذي لم يكن فقط على أول رئيس مدني منتخب، بل على التجربة الديموقراطية الوليدة بأسرها. وتزامن مع ذلك احتجاز الرئيس في مكان غير معلوم، الأمر الذي زاد من تدفق مناصري الشرعية واستمرار الاعتصام في ميداني رابعة والنهضة حتى تم فضهما بالقوة فيما عرف ب "مذبحة رابعة". تلك المذبحة التي وصفت بكونها أبشع حوادث القتل الجماعي خارج نطاق القانون في تاريخ مصر الحديث، بل وبكونها جريمة ضد الإنسانية.

إن الغرض من فض الاعتصام بهذه الطريقة لا يعدو كونه محاولة إلى العودة بمصر إلى حظيرة العسكر، وإرهاب الشعب حتى لا يفكر في الثورة على النظام العسكري مرة أخرى.

ففي صباح يوم الرابع عشر من أغسطس من عام 2013، قد قامت قوات من الجيش والشرطة مدعومة بجرافات مجنزرة وقناصة ومروحيات بمحاصرة ميدان "رابعة العدوية" بغرض فض الاعتصام. ثم أطلقت الأعيرة النارية والخرطوش والقنابل المسيلة للدموع، وقتلت المعتصمين بإصابات مباشرة. واستمر القتل العشوائي بشكل لم يتوقف حتى سقط عدد كبير من المتظاهرين ما بين قتيل وجريح وامتلأت المستشفى الميداني بالمصابين. ثم اقتحمت القوات المستشفى الميداني وقتلت كثير من الجرحى والأطباء الذين رفضوا ترك المصابين. ثم قاموا بإشعال النيران في المستشفى والخيام، الأمر الذي أدى إلى قتل أعداد من المعتصمين والمصابين حرقاً. كما قام القناصة بقتل بعض المعتقلين وهم رافعو الأيدي، فضلاً عن قتل عدد كبير من الأطفال والنساء والناشطين والصحفيين وكل من كان يحمل كاميرا.

وقد تمكنت منظمة “هيومن رايتس مونيتور” على سبيل المثال من توثيق ما يزيد على ألف حالة ممن قتلوا نتيجة الإصابة بطلق ناري في مناطق يتحقق منها القتل بلا شك مثل الرأس والصدر والبطن والرقبة. كما رصدت التعنت الواضح من السلطات في استخراج تصاريح الدفن وشهادات الوفاة، فضلاً عن تزوير أسباب الوفاة. ووفقاً لما رصدته منظمات حقوقية دولية من خلال تقارير ممثليها، وعدد من المقاطع المصورة، وكذلك شهود عيان، وأسر ضحايا، فضلاً عن تحليل ما بثته محطات تليفزيونية مصرية، تؤكد أن ما جرى كان جريمة إبادة جماعية وحملة غير مسبوقة في مصر من الانتهاكات ضد الإنسانية. ولم تكن تمت إلى فض الاعتصامات بأي صلة، حيث لم يترك للمعتصمين أي فرصة للنجاة. 


إن الغرض من فض الاعتصام بهذه الطريقة لا يعدو كونه محاولة إلى العودة بمصر إلى حظيرة العسكر، وإرهاب الشعب حتى لا يفكر في الثورة على النظام العسكري مرة أخرى على غرار ما حدث في يناير 2011. خلاصة القول إن فض اعتصام ميدان رابعة العدوية تم بطريقة وحشية خلت من أي التزام بالمعايير القانونية والأخلاقية والدينية، وأن سفك دماء الأبرياء المطالبين بالحرية. سيظل لعنة تلاحق كل من شارك في التآمر على مصر وشعبها وتجربتها الديموقراطية. إن المصير الذي آل إليه حتى الآن عدد غير قليل ممن شاركوا في هذا الانقلاب وتلك المذبحة، وكذلك التدهور الذي تشهده مصر على كل المستويات بوتيرة متسارعة، ليس إلا إحدى تبعات لعنة الدم الحرام.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة